"انعزال المسكوبية عن محيطها الفلسطيني والمسيحيين فيه"... الكنيسة الروسية في الخليل

الثلاثاء 7 يناير 202002:39 م

ينشغل "رومن زينفيتش" بإشعال الشموع والتخلص من الذائب منها، ونثر البخور في القاعة الرئيسية لكنيسة المسكوبية، الواقعة في أعلى تلة في الخليل، أكبر مدن الضفة الغربية.

هذا ليس يوماً عادياً، أنه اليوم الذي يسبق عيد الميلاد، والذي تحتفل به الكنيسة وفقاً للتقويم الشرقي في السابع من كانون ثاني/يناير من كل عام، وهو من الأيام التي تعود فيها الحياة إلى الكنيسة وتمتلئ بالزوار والحجاج.

زينفتش البالغ من العمر 27 عاماً، اختار هذه الكنيسة ليعمل متطوعاً فيها بعد ما قرأه عنها عبر الإنترنت، فهي قريبة من مهد المسيح في بيت لحم، كما أنها أهم الكنائس التابعة للمؤسسة الروسية في فلسطين.

يقول زينفيتش، وهو من روسيا، إنه قدم إلى الكنيسة في كانون الثاني/ ديسمبر 2018 متطوعاً، ومنذ ذلك الحين يعمل على خدمة الكنيسة ومن فيها من رهبان ورجال دين وزائرين من حجاج وسياح.

بالنسبة لـزينفتش، الذي تواصلنا معه بالإشارة وبكلمات إنجليزية بسيطة، فإن التواصل مع محيطه لإنجاز أعماله اليومية، من شراء لوازم الكنيسة من أكل وشراب من المحلات التجارية القريبة، كان صعباً ولا يزال، يضحك وهو يشير إلى هاتفه النقال بيده، الذي يستعين به ليوصل للبائع ماذا يريد.

لم يكن لدى زينفتش الكثير ليحدثنا عنه حول إقامته في الكنيسة، وربما لن يتغير الأمر خلال العام الثاني القادم عليه، فهي الكنيسة الوحيدة في فلسطين الموجودة في مدينة بلا مسيحيين محليين، وهو ما يجعله يعيش وغيره من الساكنين فيها بانعزال تام عن محيطهم.

حياة وطقوس روسية

يعود تاريخ الكنيسة بحسب مراجع تاريخية، إلى العام 1860، عندما استأجرت البعثة الروسية البطريركية الأرض تبركاً بوجود "بلوطة إبراهيم" فيها، لتتحوّل منذ ذلك الحين إلى ملجأ وبيت للروس في فلسطين.

وبرغم ملاصقة مبانيها لمنازل فلسطينية ومدارس ومحلات تجارية، إلا أن التجول فيها يوحي للزائر أنه في مكان خارج الحيز الفلسطيني، فالرهبان والمتطوعون والطباخون والخدم وحتى السياح من الروس فقط، يتكلمون اللغة الروسية ويأكلون الطعام الروسي ويتعاملون بنفس طقوسهم المحلية.

يقول الأب نيل فلدمير، القادم من مدينة "ياروسلافل" الروسية قبل عام فقط، وفي حديث لرصيف22، إن الجميع ينشغل قبل يوم العيد بالتحضير لقداس منتصف الليل، يشاركهم فيه شخصيات من المدينة، إلى جانب النساء الروسيات المتزوجات في المدينة وفلسطين عموماً.

بحسب الأب نيل، فإن هذا يوم الميلاد من أهم الأيام في الكنيسة، حيث يستقبل القائمون عليها التهاني بالعيد على مائدة العشاء.

وخلال هذا العشاء يتم تحضير الأطباق الروسية التقليدية وخاصة الـ"سوشيفو". خلال حديثنا مع نيل، كانت سيدتان في المطبخ في الطابق السفلي تقومان بإعداد هذا الطبق، والمكون من القمح المقشور والمطبوخ بالعسل وبذور الخشاش والزبيب واللوز، والمزين بالمشمش المجفف، إلى جانب الخبز المعد على شكل حيوانات.

لا يتحدث الأب "نيل" الإنجليزية، فقد ساعدنا بالحديث معه أحد المتطوعين ويدعى ديمتري، وقد جاء قبل ثلاثة أشهر فقط من أوكرانيا، والذي عرّفنا أكثر على المكان، فإلى جانب الكنيسة التي بنيت على طراز الكنائس الروسية، حيث القبب الذهبية البارزة، هناك البرج وأضرحة الرهبان الذين سكنوا المكان من قبل، وليس ببعيد عن الكنيسة، كان مكان إقامة الرهبان والمتطوعين الذي يتكون من ثلاثة طوابق، الأول المطبخ ومكان لتقديم الضيافة للحجاج، وقاعة كبيرة للطعام، والطوابق الأخرى خصصت لمبيت الرهبان ملحقة بغرف للصلاة.

عدد المقيمين حالياً في الكنيسة عشرة، ما بين رهبان ومتطوعين، وهو عدد كبير مقارنة بالماضي، فتاريخياً لم يزد العدد عن ثلاثة رهبان، وهو ما فسره الأب دميتري بتغيير البعثة الروسية البطريركية في القدس المحتلة، والتي تُولي حالياً اهتماماً أكثر بهذه الكنيسة وتسعى لأحياء التواجد فيها.

وبالنسبة للأب "نيل" و"ديمتري" فهما لا يعرفان شيئاً عن محيطهم والمدينة التي يعيشون فيها، فكل تواجدهم داخل المكان، وتواصلهم فقط فيما يخص ترتيب أمور حياتهم اليومية، حتى أنهم لم يتذوقوا الأكل الفلسطيني حتى الآن، ولا حتى " المنسف والقدرة" التي اشتهرت بهما مدينة الخليل… ويقول دميتري: "في المطبخ سيدات روسيات يقمن بإعداد الوجبات الروسية التقليدية فقط".

"تحوّلت المسكوبية إلى مكان معزل بالكامل عن محيطه"، يقول القائم على حراسة الكنيسة والاعتناء بها، ويضيف: "لكن الأمر لم يكن كذلك في السابق، فقد كانت العلاقات بين الرهبان في الكنيسة ومحيطهم قوية للغاية، وخاصة من قضوا سنوات طويلة في المكان"

في العام 2017 تحول الخلاف على ملكية الكنيسة إلى قضايا في المحاكم عندما تسربت بعض الوثائق التي تؤكد وهب السلطة الفلسطينية الأرض لروسيا، رغم اعتراض دائرة الأوقاف. واليوم، يتمحوّر التخوف الفلسطيني فيما يتعلق بالكنيسة، من تسريب ملكية هذه الأرض للمستوطنين

انعزال تام عن محيطها

ولكن الأمر لم يكن كذلك في السابق، كما يقول محمد زبلخ، القائم على حراسة المكان والاعتناء به والذي ورث هذه المهنة عن والده، فقد كانت العلاقات بين الرهبان في الكنيسة ومحيطهم قوية للغاية، وخاصة من قضوا سنوات طويلة في المكان، ولكن اليوم تحولت لمكان معزول بالكامل عن محيطه.

يقول زبلخ لرصيف22: "كثير من الطقوس تغيّرت الآن، كان الحجاج المسيحيون يزورون الكنيسة من كل مكان، وخاصة من رومانيا وقبرص، ولا يقتصر الأمر على أعياد الميلاد والفصح، فكل أشهر السنة يتواجد الحجاج".

زبلخ يبلغ من العمر 74 عاماً، لم يتذكر أنه ابتعد فيها عن المكان، فقد كان دائم التواجد مع والده ويعرف الكثير من تاريخ هذه الكنيسة، ورغم أنه لم يتعلم اللغة الروسية، إلا أنه كما يقول كان قادراً على التفاهم معهم طوال هذه الفترة، ليس هو فقط وإنما كل عائلته، ويضيف: "عشنا هنا جميعاً، أنا وأشقائي وأبناء أشقائي، وكانت علاقتنا مع الرهبان الذين خدموا في المكان قوية جداً، نأكل من أكلهم ويأكلون من أكلنا".

ابن شقيقه، بدر أحمد زبلخ، والذي قضى طفولته وشبابه أيضاً في المكان، وحين كبر درس وتتبع تاريخ المكان جيداً، يقول: "بدأ هذا المكان بقطعة أرض تم استئجارها من عائلة الشلودي وقريبة من مكان بلوطة إبراهيم، وكان العقد غير محدد، ويحق من خلاله للمستأجر تصرف المالك على أرضه".

هذا الاستئجار كان التفافاً لقانون أقره الحاكم العثماني في حينه، بعد فتوى من رجال الدين بتحريم بيع الأراضي لغير المسلمين، تبعه استئجار لمزيد من الأراضي المحيطة، حتى وصلت مساحتها الحالية 74 دونماً.

وبحسب بدر زبلخ، فقد قامت البعثة الروسية بداية الأمر ببناء الدير "بيت الحجاج" وبرج مرتفع يدعى "الطنطورة"، ومع بداية العام 1906 بدأ ببناء الكنيسة على شكل صليب هندسي، حتى العام 1923 عندما أنتهى البناء كانت الثورة البلشفية في روسيا قد انطلقت، وتلاشى الاهتمام بالدين والكنائس خارج روسيا، فسكن فيها مجموعة من الأسرى الروس الذين رفضوا العودة إلى روسيا بعد الحرب، وشكلوا جمعية لهم في أمريكا.

بقي الحال كذلك حتى العام 1991، عندما بدأت العلاقات الروسية الإسرائيلية، فقد اشترطت الحكومة الروسية ضمن الاتفاق إعادة إملاكها ومن ضمنها المسكوبية بالخليل، وبعد تأسيس السلطة الفلسطينية، كان تحت سيطرتها، وفي العام 1997 سلمها الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات للبعثة الروسية في القدس المحتلة.

خلاف على ملكيتها

بقي الحال في هذه الكنيسة التي أصبحت في قلب مدينة الخليل بعد أن كانت أرضاً معزولة، حتى العام 2005، عندما تقدمت الحكومة الروسية بطلب تسجيلها رسمياً في دائرة الأراضي، وتم اعتراض دائرة الأوقاف الإسلامية على هذا التسجيل كونها أرض وقف إسلامي خاص، وتحتاج لموافقة صاحب الوقف، الذي رفض أصحابه هذا التسجيل، وطالبوا باسترجاعها، حسب حديث زبلخ.

ولكن في العام 2017 تحول الخلاف على ملكيتها إلى قضايا في المحاكم عندما تسربت بعض الوثائق التي تؤكد وهب السلطة الفلسطينية الأرض لروسيا، رغم اعتراض دائرة الأوقاف وأصحاب الوقف.

أما الآن، فيتمحوّر التخوف الفلسطيني فيما يتعلق بالكنيسة، من تسريب ملكية هذه الأرض للمستوطنين، بعد قيام مجموعة منهم في كانون الثاني/ ديسمبر الفائت، بالوصول إلى إطراف الكنيسة وحولها.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard