"كابوس" ليلة رأس السنة... هل أحتفل مع الآخرين أم أتخبط في وحدتي؟

الثلاثاء 31 ديسمبر 201904:43 م

ينتظر الكثير من الناس سهرة رأس السنة بفارغ الصبر، ويستعدون لهذه المناسبة قبل حلولها بعدة أسابيع، فيختارون المكان الذي سيقضون فيه ليلتهم، سواء كان ذلك في مطعم يقدم برنامجاً فنياً مميزاً وقائمة متنوعة من الطعام، أو قد يقع خيارهم على تمضية السهرة في أحد المنازل، وهو خيار بات أكثر انتشاراً و"خفيف على الجيبة"، بخاصة في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي تمرّ بها مختلف الأوطان العربية.

وبعد اختيار "الشلّة" وتحديد مكان السهرة، تبدأ المشاورات بشأن الأطباق التي ستكون على مائدة الطعام، بالإضافة إلى انتقاء المشروبات والهدايا والألعاب...

هذه الأجواء الصاخبة والمثيرة بالنسبة للبعض، قد تكون "كابوساً" حقيقياً بالنسبة للبعض الآخر، الذي يجد أن مناسبة رأس السنة ما هي إلا "همّ" يضاف إلى سلسلة الهموم الملقاة على أكتافه، فيصاب بحالة من الحزن طوال هذه الفترة وتكون ذروتها "الليلة المنتظرة"، لتتحول بذلك ليلة رأس السنة إلى "أسوأ ليلة في حياته".

بين الإثارة والاكتئاب

على شاشات التلفزة، غالباً ما تكون ليلة رأس السنة مليئة بالإثارة والمفاجآت، فتتسابق المحطات لاستضافة أبرز النجوم والأشخاص الذين في العادة يثيرون الجدل بإطلالاتهم، ومن الملاحظ أنه في هذه الليلة بالتحديد ترتفع أسهم علماء الفلك و"المنجمين"، وكل من يزعم أنه يعلم بالغيب وبما تخبئه الأيام القادمة.

يجد البعض أن مناسبة رأس السنة ما هي إلا "همّ" يضاف إلى سلسلة الهموم الملقاة على أكتافه، فيصاب بحالة من الحزن طوال هذه الفترة وتكون ذروتها "الليلة المنتظرة"، لتتحول بذلك ليلة رأس السنة إلى "أسوأ ليلة في حياته"

واللافت أن جميع من يظهر على الشاشة يكون مبتسماً، فرحاً ومتألقاً بأزياء براقة، حتى أكثر العائلات فقراً تنال نصيبها من "الرايتنغ"، بحيث تكثر البرامج الإنسانية التي تسعى إلى مساعدة المحتاجين ورسم ابتسامة على وجوههم، على الأقل في هذه "الليلة الاستثنائية".

وبعد الدموع الممزوجة بفرح العطاء، يبدأ العدّ العكسي لاستقبال العام الجديد، وما إن تشير عقارب الساعة إلى الثانية عشر من منتصف الليل، حتى "يشتعل" الاستديو ويتصاعد صوت الموسيقى العالية وتتطاير أوراق "الكونفيتي"، ويبدأ الهرج والمرج والعناق والقبلات من كل حدب وصوب.

هذا ما يحصل في العادة خلف الشاشة، أما على أرض الواقع، فقد تكون ليلة رأس السنة مناسبة حزينة ووقتاً عصيباً، بخاصة للأشخاص الذين يعانون من الاكتئاب أو من الاضطراب العاطفي الموسمي، بحيث أن هذه المناسبة قد تفاقم مشاعرهم الحزينة، تؤجج مزاجهم المتقلب وتثير في داخلهم حالة من العزلة الاجتماعية.

بالنسبة إلى جنى (22 عاماً)، فإن ليلة رأس السنة لا تعني شيئاً على الإطلاق، بحيث إنها تعتبر هذه الليلة تشبه مثيلاتها.

وتكشف هذه الشابة، التي تعمل في مجال الإعلام، أنه عشية رأس السنة تولد في داخلها مشاعر حزينة وشعور بالوحدة: "بالأخص وقت شوف الـstories على إنستغرام، بحس إنو الكل مبسوط ضمن غروبات بالوقت يلي بكون فيه أنا لوحدي، من دون أصحاب ومش عارفة وين ومع مين بدي كون".

وعن السبب الذي يجعلها تنفر من ليلة رأس السنة، تقول لرصيف22: "بهالمناسبة دايماً بكون في pressure (ضغط) من المجتمع إنو لازم ينعمل شي مميز ومختلف عن العادي، ومن جهتي بحاول إقنع حالي إنو لازم كون مبسوطة بهالليلة، بس بالنهاية هالسهرة متلها متل غيرها، باستثناء الضغط النفسي يلّي بعيشو".

هذا وتشير جنى إلى أنه كلما كانت توقعاتها عالية بشأن عشية رأس السنة، كلما أصابتها خيبة أمل أكبر.

العوامل التي تؤدي إلى الكآبة

حال جنى كحال العديد من الأشخاص الذين يختبرون مشاعر الحزن والكآبة، بالأخص خلال فترة الأعياد، وفق ما أكدته الأخصائية في علم النفس نادين سعيدي، كاشفة أن العديد من الإحصاءات تشير إلى أن نسبة الانتحار تكون مرتفعة في تلك الفترات.

وبالرغم من مظاهر السعادة والفرح المصاحبة لعيد رأس السنة، أشارت سعيدي إلى أن بعض الأفراد يمرون بالأعراض النفسية التالية: قلق، اضطراب، حزن شديد، عدم الشعور بالأمان، تقلب حادّ في المزاج والشعور بالوحدة والفراغ.

وفي حديثها مع موقع رصيف22، تحدثت نادين عن أبرز الأسباب التي تؤدي إلى الشعور بالكآبة خلال فترة رأس السنة، من بينها:

الوحدة: يشعر البعض بنوع من الوحدة، والسبب يعود إلى أن هذه المناسبات تكون مبنية في الأساس على اللقاءات الاجتماعية، ما يجعل بعض الأشخاص يشعرون بأنهم ليسوا محاطين بعدد كاف من الناس، أو أن نوعية العلاقات الاجتماعية التي انخرطوا بها ليست جيدة.

الضغط: يمارس المجتمع ضغطاً للاحتفال بليلة رأس السنة بطريقة معيّنة، وفي حال لم يستطع المرء أن يلبي هذه المتطلبات، بسبب ظروفه الحياتية أو وضعه المعيشي، فإن ذلك يجعله يشعر بأن حياته تسير بشكل خاطىء.

أسئلة وجودية: إن ليلة رأس السنة تعني طوي صفحة الماضي والبدء بصفحة جديدة، من هنا تبرز لدى البعض سلسلة من الأسئلة الوجودية، على غرار: من أنا؟ ما هو المعنى من وجودي؟ كيف عشت حياتي في السنوات الماضية؟ وغيرها من الأسئلة التي يثيرها غياب الشبكة الاجتماعية أو طبيعة الشخص المعني والسيناريوهات التي يحيكها في رأسه.

وأشارت سعيدي إلى أن المرء الذي يختبر حالة من الحزن ليلة رأس السنة، يفضل في العادة أن يعزل نفسه، وهو أمر يزيد الأمور سوءاً، شارحة ذلك بالقول: "غالباً ما نعزل أنفسنا عندما نشعر بأننا لسنا بخير، وبأن ما يحصل لنا هو أمر يخصنا وحدنا، إلا أننا ننسى أن المشكلة لا تُحلّ بهذه الطريقة، فنحن في نهاية المطاف جزء من المجموعة الاجتماعية".

من هنا شددت نادين سعيدي على ضرورة أن ينظر المرء إلى مشاعره على أنها "تجارب مفيدة يمكن استخلاص العبر منها، بخاصة وأنها تكشف عمّا يدور في داخلنا"، على حدّ قولها، مضيفة: "من المهم احتضان هذه المشاعر والتحدث عنها مع أشخاص نثق بهم، عوضاً عن كبتها أو محاولة التخلص منها".

السعي وراء السعادة

لا شك أن هناك العديد من الأسباب التي تدفع البعض إلى اختبار حالة من الحزن والكآبة عشية رأس السنة، بخاصة عندما يعيش المرء هاجس العثور على السعادة ورفع سقف التوقعات.

ففي دراسة أجريت في العام 1999، بعنوان "السعي وراء السعادة وتقييمها يمكن أن تهزم نفسها بنفسها"، يقدم كل من جوناثان سكولر من جامعة كاليفورنيا ودان ارييلي من جامعة ديوك وجورج لوينشتاين من جامعة كارنيجي ميلون، أدلة على أنه من المرجّح أن أولئك الذين يخططون لقضاء وقت ممتع عشية رأس السنة قد يكونون الأكثر بؤساً على الإطلاق.

ففي الأسابيع التي سبقت عشية رأس السنة الجديدة، قام الباحثون باستطلاع 475 شخصاً حول خططهم لهذه الليلة (ما إذا كانوا سيحتفلون، كم ستكون حجم الحفلة، مقدار الوقت والمال الذي سينفقونه على التحضيرات، توقعاتهم بالاستمتاع...) ومن ثم عمد الباحثون إلى الاتصال بنفس المشتركين بعد عدة أسابيع من ليلة رأس السنة، طارحين عليهم نفس الأسئلة السابقة.

من المرجّح أن أولئك الذين يخططون لقضاء وقت ممتع عشية رأس السنة قد يكونون الأكثر بؤساً على الإطلاق

وقد وجدت الدراسة أن 83% من المشتركين الذين شملهم الاستطلاع انتهى بهم الأمر بخيبة أمل من ليلة رأس السنة، مع العلم أن الأشخاص الأكثر خيبة كان لديهم في السابق توقعات مرتفعة.

وفي دراسة ثانية، توصل الباحثون إلى حقيقة أن محاولة الشعور بالسعادة هي واحدة من أسرع الطرق لتقويض التجربة الخاصة، فقد طلب سكولر وارييلي ولوينشتاين من بعض الطلاب الاستماع إلى قطعة موسيقية شهيرة "طقوس الربيع" The Rite of Spring لسترافينسكي، ومن ثم تم تسجيل مستوى سعادتهم.

وفي حين أنه طُلب من البعض مراقبة مدى سعادتهم خلال فترة الاستماع إلى الموسيقى، فإن الباحثين شددوا على أن يقوم بقية الطلاب بتقييم سعادتهم في النهاية.

أظهرت البيانات أن الطلاب الذين حاولوا أن يكونوا سعداء والذين تحققوا بشكل دوري لمعرفة مدى سعادتهم، أبلغوا عن أدنى مستويات السعادة.

وعليه، قارن الباحثون هذه الفكرة بمبدأ اللايقين لهيسنبرغ في الفيزياء، والذي يشير إلى أنه عندما نحاول قياس طاقة الجسيمات، فإننا نؤثر على مستوى طاقتها.

وبطريقة مماثلة، يبدو أن قياس ما إذا كنا سعداء تؤدي إلى تغيير مستوى سعادتنا.

لماذا يحصل ذلك؟

يرجح الباحثون احتمال أن تقوم مراقبة السعادة بجذب الانتباه بعيداً عن النشاط نفسه، وتلقي بظلالها على التجربة وتنتقص منها، هذا ومن المحتمل أيضاً أن يشجع وجود توقعات كبيرة بشأن السعادة شخصاً ما على إجراء مقارنات غير مواتية، بين ما يختبره وحالة سعادة مثالية متخيلة، ما قد يؤدي إلى الإحباط.

وبالرغم من هذه المعطيات يؤكد العلماء أن النتائج التي توصلوا إليها بشأن ليلة رأس السنة ليست دعوة للتخلي عن السهرات والتفكير بهذه المناسبة، بل تهدف إلى مساعدة الناس على إدارة توقعاتهم والتركيز على التجارب واللحظات الآنية.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard