"بكفي اعتقالات"... هل يسهم قمع المحتجين على تردّي الأوضاع المعيشية بالأردن في تحسنّها؟

الخميس 28 نوفمبر 201904:32 م

يعيش الأردنيون وضعاً معيشياً واقتصادياً صعباً وتقوم الحكومة الأردنية بقمع من يعبرون عن امتعاضهم من هذا الوضع ويطالبون بالإصلاح، بحسب منظمة هيومن رايتس ووتش.

المنظمة الحقوقية أفادت، في 28 تشرين الثاني/نوفمبر، بأن السلطات الأردنية تحاول الحد من التظاهرات المعارضة لسياسات التقشف المطبقة في البلاد عبر "استهداف قادة التظاهرات والمشاركين وغيرهم من المنتقدين بالمضايقة والاعتقال"، مشيرةً إلى احتجاز 7 نشطاء منذ أيلول/سبتمبر الماضي.

وبيّنت أن معظم المحتجزين يواجهون اتهامات تتعلق بمنشورات لهم على مواقع التواصل الاجتماعي عبروا فيها عن مشاركتهم في التظاهرات أو انتقدوا القيادة السياسية. 

وتكفل المادة 15 من "الدستور الأردني" حرية التعبير. غير أن قانون العقوبات الأردني يجرم "إطالة اللسان" على الملك، أو الملكة أو ولي العهد أو أحد "أوصياء العرش".

في حين تستخدم السلطات تهمة "التحريض على تقويض نظام الحكم"، وهي جريمة تصنف إرهابية وتخضع لاختصاص "محكمة أمن الدولة"، في استهدافها بعض الناشطين. 

"بكفي اعتقالات"

وقد بدأ أردنيون التغريد على وسم #بكفي_اعتقالات، منذ منتصف تشرين الثاني/نوفمبر، لتسليط الضوء على اعتقال المحتجين على الأوضاع المعيشية والضغط على السلطات للإفراج عن جميع المحتجزين.

وبعد أسبوعين من الاحتجاز، يحاكم حالياً عبد الكريم الشريدة (52 عاماً)، محامٍ ورئيس منظمة غير حكومية محلية بتهمة "إطالة اللسان على الملك" بعدما ظهر في فيديو على فيسبوك خاطب فيه الملك بالقول: "اتق الله في اللي بتسويه في الناس".

تحتجز السلطات الأردنية كذلك مؤيد المجالي (47 عاماً)، الذي يعمل موظفاً في وزارة العدل إلى جانب عمله باحثاً مستقلاً في ممتلكات للدولة مسجلة باسم الملك. اتُّهم المجالي بـ"إطالة اللسان على الملك" والافتراء عليه و"إثارة النعرات والحض على النزاع" و"إطالة اللسان" على الملكة والذم والقدح والتحقير بسبب حديثه عن أملاك الملك واستغلال أراضٍ للدولة.

ورصد تقرير المنظمة الحقوقية حالات احتجاز ومحاكمة أخرى بتهم مثل التحريض على تقويض نظام الحكم وانتقاد الملك وإثارة الفتنة التي من شأنها الإخلال بالشأن العام.

الوضع المعيشي للأردنيين إلى أين؟

وبشكل منتظم يشكو أردنيون عبر مواقع التواصل الاجتماعي "الوضع المعيشي المتدهور". وبالوتيرة نفسها يُواجَه العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني  بـ"ضرورة تحسين الوضع المعيشي للمواطنين".

ويعاني الاقتصاد الأردني عجزاً ضخماً في الموازنة، وقد ارتفع بحسب آخر تقرير عن وزارة المالية الأردنية، في تشرين الأول/أكتوبر الماضي، وقبل المنح والمساعدات المالية الخارجية، خلال الأشهر الثمانية الأولى من العام الحالي نحو 7.3 % عن  الفترة نفسها في العام الماضي.

وقد بلغ إجمالي العجز 1.04 مليار دينار (حوالى 1.41 مليار دولار أمريكي) خلال الأشهر الثمانية الأولى من عام 2019. ويصبح بعد المنح والمساعدات المالية الخارجية 891.5 مليون دينار (1.25 مليار دولار).

أما الدين العام (الداخلي والخارجي) فبلغ في نهاية آب/أغسطس الماضي، نحو 29.6 مليار دينار (41.7 مليار دولار)، أي ما يمثل 95.3 % من الناتج المحلي الإجمالي.

في الأثناء، تقدر موازنة الأردن للعام الجاري بـ9.3 مليار دينار (نحو 13.1 مليار دولار).

تسبب ذلك كله في ارتفاع معدل البطالة إلى 18.6 % وعجز في ميزان المدفوعات وتراجع عوائد الاستثمار وضعف القدرة الشرائية للمواطن الأردني.

وحاولت الحكومات الأردنية علاج الأزمات الاقتصادية بزيادة الضرائب وخفض الأجور ورفع الأسعار مراراً في إطار "إجراءات اقتصادية تقشفية" التي يشترطها صندوق النقد الدولي والبنك الدولي.

في المقابل، يرى أردنيون أن أزمتهم الاقتصادية حتى الأزمة السياسية ناتجتان من "تفشي الفساد والسرقة"، وأن من الواجب محاربة الفساد للخروج من الأزمة. 

هيومن رايتس ووتش للحكومة الأردنية: "تخيير الناشطين بين إغلاق أفواههم والعودة إلى بيوتهم أو التعرض للاعتقال لن ينهي المخاوف المشروعة بشأن الوضع الاقتصادي أو ما يعتُبر أنه فساد حكومي"

وقد أثر انخفاض مستويات معيشة الأردنيين وزيادة نسبة إنفاقهم على الحاجات الأساسية بشكل مباشر على ثقتهم بالأداء الحكومي، وفق ما أظهره مؤشر "إبسوس لثقة المستهلك الأردني" صدر قبل عدة أيام.

وبيٰن المؤشر أن ثلاثة من أصل خمسة أردنيين (حوالى 60 % من المواطنين) يشعرون بالقلق حيال وضعهم المادي راهناً، في حين يشعر كل أربعة من أصل خمسة (80 %) بعدم الارتياح لقيامهم بالمشتريات المنزلية المعمرة.

ولفت إلى أن "أكبر أربعة  هموم تشغل المواطن الأردني هي: البطالة، والتكلفة العالية للمعيشة، والفقر، وعدم المساواة الاجتماعية".

وأوضح المصدر نفسه أن مشاعر الأردنيين السلبية تجاه وضعهم الاقتصادي تعمقت بشدة مع إضراب المعلمين الذي استمر شهراً كاملاً وانتهى باتفاق بين الحكومة ونقابة الأطباء بمنحهم مطالبهم وسط تضامن شعبي كبير مع المعلمين.

وأشار المؤشر إلى أن الأردنيين تفاعلوا بزخم هائل عبر منصات التواصل الاجتماعي مع هذا الإضراب.

وبين مدة وأخرى، تنتشر مطالب فئوية خاصة برفع الرواتب أو توفير فرص عمل أفضل أو تخفيض الضرائب والأسعار. وكثيراً ما ترفض الحكومة هذه المطالب مبررةً ذلك بعجز الموازنة.

وكان الأردنيون قد خرجوا في أكبر موجة احتجاجات على "الإصلاحات الاقتصادية" في حزيران/يونيو من العام الماضي، أطاحت حكومة رئيس الوزراء السابق هاني الملقي.

وأخيراً، أعلن رئيس الوزراء الأردني عمر الرزاز الأسبوع الماضي عن تطبيق "الحزمة التنفيذية الثانية للخطة الحكومية لتحسين المستوى المعيشي للمواطن، عبر تنشيط الاقتصاد، وتحفيز الاستثمار"، مبيّناً أن "الحزمة التحفيزية الأولى نتجت منها زيادة بنسبة 93% في حركة قطاع العقارات بعد فترة قصيرة من تطبيق الإجراءات".



ولفت إلى "حزمة مقبلة ستساهم بشكل مباشر في دعم اقتصادنا وتحسين المستوى المعيشي للأسر الأردنية وتشغيل شبابنا وشاباتنا".

وقبل بضعة أيام، حدد صندوق النقد الدولي أربع أولويات اقتصادية للأردن خلال السنوات المقبلة تتمثل في: الحفاظ على الاستقرار الاقتصادي ودعم النمو واستيلاد الوظائف وتعزيز الحماية الاجتماعية.

ودعت "هيومن رايتس ووتش" السلطات الأردنية إلى "وقف استخدام أحكام جزائية غامضة للحد من حرية التعبير، والإفراج عن أي محتجز بسبب التعبير السلمي عن آرائه".

في حين اعتبر نائب مديرة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بالمنظمة، مايكل بيج، أن "تخيير الناشطين الأردنيين بين إغلاق أفواههم والعودة إلى بيوتهم أو التعرض للاعتقال لن ينهي المخاوف المشروعة بشأن الوضع الاقتصادي أو ما يعتُبر أنه فساد حكومي".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard