من الطقطوقة إلى المسرح… مونولوغات ساخرة هزت عرش الحكام في العالم العربي

الأربعاء 11 ديسمبر 201903:48 م

تأثرت السياسة في تاريخها بالأعمال الفنية، بل كانت الأخيرة تمثل زعزعة استقرار كرسي العرش أحياناً، إذ بدأ توظيف الأعمال الفنية الساخرة من الأنظمة في العالم العربي منذ مطلع القرن الماضي، وكانت عبر أعمال "المونولوغ"، وهو الفن الذي يضرب بجذوره في تاريخ الثقافة العربية.

وكما يوضح المؤرخ الفني جمال فياض، فإن "المونولوغ" سرد قصصي قد يكون مدموجاً بلحن موسيقي أو مسرحي، ويعود تاريخه إلى زمن اليونانيين، ولكنه دخل في المجال الفني العربي في مطلع القرن العشرين، وكان الفنانون المصريون أول من مارسوه في مجال الشعر والغناء، وتجسدت بداياته في المجال السياسي، فقد استعمله حسن فايق للمرة الأولى عقب ثورة سعد زغلول 1919، وكان له صيت كبير في تلك الفترة، و يذكر أنه غاب يوماً عن ساحة المتظاهرين لمرض أصابه، فأمر الزعيم زغلول متظاهريه بحمله من باب بيته الى ميدان التظاهر على أكتافهم، ليتلو عليهم مونولوغاته الساخرة من الإنجليز.

وكانت مونولوغات حسن فايق التي تعبر عن ثورته على الإنجليز بطابع كوميدي، سبباً في تعرضه لعدة عقوبات، إذ فُرضت عليه الإقامة الجبرية مسبقاً، وانتهى الأمر بمنعه من تقديم أية أدوار مسرحية أو فنية بعد ذلك لعدة سنوات.

ويضيف فياض في تصريحات لرصيف22: "لم يمض عام واحد على العقوبة التي حلت بالفنان المصري الكبير حسن فايق، صاحب أشهر ضحكة في عالم المونولوغات السياسية خاصة، حتى سانده الفنان سيد درويش بمونولوغات، تضامناً مع مفجر ثورة المصريين سعد زغلول، ولكنه كان منفياً حينها إلى جزيرة سيشل، قبالة السواحل الإفريقية".

"يا بلح زغلول يا زرع بلدي"

ويكمل فياض قصة مساندة درويش لفايق، قائلاً: "تضامن سيد درويش مع مفجر ثورتهم سعد زغلول بـطقطوقة "يا بلح زغلول يا زرع بلدي"، وهي في ظاهرها تمجّد البلح، ولكن في جوهرها تقصد الثائر سعد زغلول، حيث كانت بريطانيا تحظر لفظ اسم سعد في تلك اللحظة، فرواها سيد درويش بطريقة أخرى، ولم تكن بذلك الشكل الفكاهي مباشرةً، كما كان يفعل حسن فايق، لكنه أول من مارس المونولوغ بشكل غنائي بأسلوب الطقطوقة، وهي نوع من أنواع الموسيقى الشرقية التي تتطلب نوعاً خاصاً في التلحين وكتابة الزجل، والإلمام بالقواعد النغمية للمقام الذي تلحن فيه، ويراعى فيه الانتقال اللحني حسب ما تقتضيه قاعدة الانتقال، فلم يكن الأمر سهلاً لدرويش".

 "تضامن سيد درويش مع مفجر ثورتهم سعد زغلول بـطقطوقة "يا بلح زغلول يا زرع بلدي"، وهي بظاهرها تمجّد البلح، ولكن في جوهرها تقصد الثائر سعد زغلول، حيث كانت بريطانيا تحظر لفظ اسم سعد في تلك اللحظة"
"إسماعيل ياسين أول من مارس المونولوغ المسرحي عقب الحرب العالمية الأولى، أما توظيفها في السياسة، كان في مطلع الأربعينيات والخمسينيات، في فترة بداية جلاء الإنجليز وبداية حكم الموالين لهم من الملك فاروق وأتباعه"

ويتابع فياض: "كان لهذه الطقطوقة أثر كبير في إعادة إحياء الثورة المصرية التي عمد الإنجليز لإخمادها، إذ كان الفن حينها يمثل المحرك الأساسي للجماهير المصرية، التي كان يصعب مخاطبتهم إلا عبره، ليتم حظر سيد درويش من الغناء بقرار بريطاني، فأعادت الفنانة نعيمة المصرية إنشاد هذه الكلمات، ليرددها كافة أطياف الشعب المصري، إذ أصبحت هذه الأغنية أهم رواية عن كفاح المصريين، فإذا كان سعد زغلول مفجر ثورة 1919 فإن هذه الكلمات من حركت هذه الثورة".

عزيز علي وصدام حسين

بالعودة إلى توظيف المونولوغ في السياسة بشكل كوميدي، أورد المفكر العراقي حسن العلوي، في كتابه "عزيز علي: اللحن الساخر"، عدة معلومات بهذا الخصوص، حيث كان الفنان العراقي عزيز علي مفجرها في بلاد الرافدين، وذلك بمونولوغاته الساخرة، وكانت الثورة العربية الأولى ضد حكامها الفاسدين قد حصلت في عهده، بجهوده وجهود من معه.

فبعد حصول العراق على استقلاله من الاحتلال البريطاني في بداية الثلاثينيات من القرن الماضي، لم يُعجب الناقد الفني والمونولوغست الكبير عزيز علي أداء الحكومة الوطنية التي كانت برأيه نسخة مفصلة عن الاحتلال، فكان يطالب عبر أعماله الفنية بالثورة عليها والإطاحة بها، وهو أول من زرع بذور هذه المطالب، وذلك خلال فترة العهد الملكي في العراق بين عامي 1932 - 1958.

وفي منتصف الثامنة صباحاً من بداية كل أسبوع في منتصف القرن الماضي، كانت الجماهير العراقية على موعد هام مع الإذاعة العراقية في بغداد، وهي الوحيدة من نوعها في العراق في تلك الفترة، للاستماع لمونولوغات عزيز علي الساخرة عن الوضع السياسي في العراق.

في إحدى الأيام فوجئ الفنان عزيز علي بأن رئيس الوزراء العراقي نوري السعيد ينتظره في غرفة الاستوديو الخاصة بالإذاعة في الصباح الباكر، ليأخذ منه كافة أوراقه التي كانت تضم مونولوغاته التي سيتلوها على جماهير العراق، ولكن رئيس الوزراء فوجئ فيما بعد عبر الإذاعة بأنها محفوظة عن ظهر قلب من قبل عزيز، ليستدعي مدير الإذاعة ويخضعه للتحقيق.

وكان حينها موعد الإطاحة بالنظام الملكي الموالي للاستعمار، وقيام أولى بذور النظام الجمهوري بقيادة اللواء عبد الكريم قاسم، والذي نفى الفنان عزيز خارج البلاد خوفاً من انتقاداته، ثم عاد عقب إعدام قاسم من قبل الزعيم الجديد عبد السلام عارف.

وبعد أن سيطر صدام حسين على زمام الحكم في العراق، قام كابوس الزعماء، الفنان عزيز علي، بانتقاده مونولوغستيا، وقد تعرَّض حينها للسجن والتعذيب، فحُكم عليه بالإعدام، لكن تم تخفيف عقوبته للسجن مدى الحياة، ليخرج بعد 7 سنوات من السجن بعد عفو عام من الحكومة العراقية إرضاء للجماهير.

أشهر ضحكة كوميدية

في فلسطين تأخر انتشار المونولوغ حتى بداية الثمانينيات، وذلك لتشتت الفلسطينيين عدة مرات في العقود الأخيرة، فبعد خروج قوات منظمة التحرير الفلسطينية من بيروت وتشتتها في البلدان العربية عقب الحرب الدامية بينها وبين إسرائيل 1982، كان هناك حاجة ملحة لإعادة الثورة الفلسطينية إلى قوتها، أو إحيائها في عيون الجماهير العربية من جديد، فظهر هنا الفنان عبد الله حداد، صاحب أشهر ضحكة كوميدية في عالم الثورة الفلسطينية.

ونرى ذلك واضحاً من خلال فيديو متداول بكثرة حتى الآن، خلال إطلاقه مونولوغ بعنوان "التكتيك العربي"، وأعيد عرضه في افتتاح سفارة دولة فلسطين في الرياض 1994، كما يوضح منسق العلاقات الفلسطينية السعودية حينها الدكتور عبد الرحيم جاموس في تصريح لرصيف22.

كانت قيادة الثورة الفلسطينية حاضرة حينها وعلى رأسهم الزعيم ياسر عرفات، وأمير الرياض حينها، الملك السعودي الحالي، سليمان بن عبد العزيز، ما يوضح أهمية المونولوغات في المقاومة الفلسطينية للاحتلال.

ومن أهم المونولوغات التي أداها عبد الله حداد بأسلوب غنائي، ونالت صيتاً عربياً واسعاً، "التكتيك العربي،" و"يا مهرتي" وقد نالت شهرة واسعة جعلت الشارع العربي يردد بها حتى اللحظة.

المونولوغ المسرحي في غزة

على المستوى المسرحي، تقول ناقدة المسرح ومؤرخة الفن المصري ماجدة خير الله، لرصيف22، بأنه إذا ما رجعنا قليلاً إلى التاريخ، كان إسماعيل ياسين أول من مارس المونولوغ المسرحي عقب الحرب العالمية الأولى، التي جاءت تزامنا مع ثورة سعد زغلول 1919، ولكنه كان يمارس تلك الأدوار في الكازينوهات والمسارح التي يُشرف عليها الإنجليز، أما توظيفها في السياسة بشكل فكاهي، كانت في مطلع الأربعينيات والخمسينيات، في فترة بداية جلاء الإنجليز وبداية حكم الموالين لهم من الملك فاروق وأتباعه.

ومن أهم هذه المونولوغات، بحسب خير الله: قولي يا صاحب السعادة ايه هي معنى السعادة؟" و"فيه ناس بتكسب ولا تتعبش، وناس بتتعب ولا تكسبش"، و"عيب اعمل معروف".

ولكن مونولوغات ياسين لم تكن حجة لفاروق لتوقيفه، تكمل خير الله، كونه لم يقصده مباشرة في الأغنية، ولكن ياسين انفجر يوماً أمام الملك وقال له: "أنت مجنون"، خلال تلاوته أمامه نكتة قصيرة لم يكملها، فأودعه مشفى الأمراض العقلية، كما أن ياسين رحب بثورة عبد الناصر التي أطاحت بفاروق، وغنى لها أغنية مونولوغية بعنوان "20 مليون وزيادة"، مما يشير إلى عدائه لحكم الملك فاروق الذي لم ير منه أية سعادة، كما قال بمونولوغاته السابقة.

ما لبث أن انتقل فن المونولوغ المسرحي إلى مختلف الأقطار العربية، وكان الفنان اللبناني الراحل عمر الزعني مفجر المونولوغ الثوري في لبنان، عبر أشعاره الساخرة من الاحتلال الفرنسي للأراضي الشامية، ومن حكوماته العربية الوكيلة للاستعمار، ويعتبر أبرز الوجوه التي قاومت هذا الاحتلال، وسُمي بـ"شاعر الشعب"، وأهم هذه المونولوغات "روق روق لا تنهم"، و"جددله ولا تفزع"، "خليه قاعد ومتربع" والتي جاءت انتقاداً لتمديد تربع بشارة الخوري على كرسي الحكم في العهد الاستقلالي الأول للبنان أواخر الأربعينيات.

وأشار المخرج الفلسطيني علي أبو ياسين إلى أن هذا النوع من المونولوغ المسرحي يضرب بجذوره في التاريخ العربي، منذ مئات السنوات، من خلال القصص التي كان يرويها الحكواتي في المقاهي، وتجمعات الحارات العربية قديماً، وخاصة في بلاد الشام، وبدأه حديثاً اسماعيل ياسين.

ويوضح أبو ياسين في تصريحات لرصيف22 بأن المونولوغ المسرحي قد انتقل لداخل فلسطين في فترة متأخرة، وخاصة عقب الحرب الإسرائيلية على غزة عام 2009، إذ شارك أكثر من 40 فنان فيها تحت عنوان "مونولوغات غزة"، وقد حققت انتشاراً كبيراً بـ32 لغة حول العالم، كما تم عرضها في قاعة الأمم المتحدة في نيويورك في اليوم العالمي للتضامن مع الشعب الفلسطيني عام 2010، ما فضح جرائم الاحتلال الإسرائيلي بحق الشعب الفلسطيني أمام العالم أجمع.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard