شارع يسقط عنه جواز السّفر... عن بعض أوجه الحياة غير الرّتيبة في "شارع العرب" بميلانو

الثلاثاء 10 ديسمبر 201902:52 م

يأتي هذا المقال ضمن الملفّ المُعدّ لشهر ديسمبر 2019, في قسم "رود تريب" بـرصيف22، والمعنوَن: "فلنتسكّع معاً في الشّوارع".


ينعطف الباص رقم 56 باتجاه اليمين في الجهة الشمالية من ساحة لوريتو، ويدخل إلى شارع ب"ادوفا" أو "شارع العرب" كما يسمّيه الكثيرون. ربما لا تكون التسمية دقيقة نظراً لأنه شارع يسكنه إيطاليون وسكّان من جنسيات مختلفة، من دول شرق آسيا بشكل خاص، ولا يقتصر تواجد "عرب ميلانو" في المدينة عليه. مع ذلك، ثمة "صبغة عربية" واضحة تسِم الشارع منذ بدايته وحتى نهايته، وهو واحد من أكبر شوارع ميلانو من حيث امتداده الطولي.

ساحة لوريتو التي ورد ذكرها أعلاه، والتي تشكّل بوابة هذا الشارع من الطرف الجنوبي له، هي الساحة التي قام مقاتلو المقاومة اليسارية الإيطالية (البارتيجاني) بتعليق جثة "الدوتشي" بينيتو موسوليني فيها، وجثة عشيقته كلارا بيتاتشي بعد إعدامهما بالقرب من بحيرة كومو في 28 نيسان 1945، أثناء محاولتهما الهرب من البلاد عبر الحدود السويسرية، لتسقط الفاشية "الرسمية" في إيطاليا إثر ذلك.

هذه مصادفة ليست بلا دلالة، بل ربّما امتلكَتْ وطأةُ الرمزِ فيها قوةً كبيرة. فالساحة التي أُعلنت فيها نهاية الفاشية في إيطاليا هي مدخلٌ لواحدٍ من الشوارع المكتظة بغير الإيطاليين، عرب وغير عرب، مسلمون وغير مسلمين، في زمن إيطالي تعود فيه الفاشية اليوم بوجهها الجديد وترفع شعار مناهضة المهاجرين أو اللاجئين أو "الغرباء"، أو كلّ هؤلاء معاً.

المطابخ كبطاقة تعريف

روائح الطبخ والأطباق المختلفة تملأ فضاء الشارع، وتكاد تعادل في عددها اللغات الكثيرة فيه إلى جانب اللغة الإيطالية "المكسّرة". فإلى جوار المطبخ الإيطالي ومطاعمه، هناك مطاعم ينتسب كلٌّ منها إلى بلد بعينه. ترفع تلك المطاعم أطباقها مثل راياتٍ تشير إلى هذا البلد او ذاك، من دون أن تغيب أعلام البلدان الملصقة على واجهات المحلات أساساً. هنا مطعم لشابّات وشبّان من بنغلاديش أو من الهند، وهناك مطعم تركي يمكن تمييزه مباشرةً من رائحة الشواء ومن أقراص اللحم بالعجين على واجهته، أو "اللام باجون" كما يسميها الأتراك هنا، في تقارب وتودد لغوي مع العرب، وصولاً إلى المطاعم اليابانية والصينية ومطاعم من دول أمريكا اللاتينية، وغيرها.

يَندُر أن يقع العابر في الشارع على مطعم عربيّ يقدّم وجباتٍ شرقية من البلدان العربية في الشرق الأوسط أو شمال إفريقيا، بينما يمكن العثور على تلك المطاعم، وللمفارقة، في شوارع أخرى مثل شارع "بيونس آيرس" وغيره. في المقابل، هناك بقاليات ومحلات جزارة يعمل فيها أو يملكها مصريون ومغاربة وتوانسة وجزائريون. الخبز العربي "الكلاسيكي" لا يمكن العثور عليه إلا في محلات الجزارة العربية. وبجانب إحدى الجزارات يمكن قراءة لافتة تقول: "الحلاق أبو كريم" ولافتات أخرى لبقاليات ومحلات الحلويات الشرقية أو مكتب لــ تصديق الأوراق في السفارة المصرية"، وكلها باللغة العربية.

هناك بقاليات ومحلات جزارة يعمل فيها أو يملكها مصريون ومغاربة وتوانسة وجزائريون. الخبز العربي "الكلاسيكي" لا يمكن العثور عليه إلا في محلات الجزارة العربية

خارج شارع بادوفا، في مناطق أخرى من ميلانو، يمكن للمرء أن يمرّ على مطاعم صينية أو يابانية أو برازيلية أو غيرها، لكنها موجودة في شوارع وأحياء وساحات لا تكاد تتميز عن غيرها في التفاصيل الإيطالية. من هنا تأتي فرادة شارع بادوفا في كون هذا التنوع يطغى على ما هو "محلي" أو "إيطالي"، بحيث يبدو شارع المهاجرين أو الوافدين الــ"straniere"، شارعاً "يَسقط عنه جواز السفر"، كما كان يحلو لمحمود درويش القول.

وليس من السهل، بالمناسبة، معرفة نسبة الإيطاليين إلى غيرهم في الشارع إلا بالعودة إلى إحصائيات أو إلى أشخاص من ذوي الخبرة الطويلة في هذا الشارع، لكنّ تقديراً أولياً يمكن أن يقول إن نسبة الإيطاليين في الشارع لا تزيد على نسبة غيرهم فيه.

مسلمو المدينة

يوجد في شارع بادوفا "بيت الثقافة الإسلامية"، و"جامع مريم"، وتُزيَّن واجهات المحلات العربية بالفوانيس خلال شهر رمضان. وبعيداً عن نظريات "النقاء" الموجودة عند تيارات عنصرية إيطالية وعند شرائح عنصرية مسلمة أيضاً، موجودة ومقيمة في البلد منذ عشرات السنين أو وافدة حديثاً، كان التعاطي العلني مع المسلمين وحرية ممارسة معتقداتهم وشعائرهم يرتبط أولاً بالحملات الانتخابية التي كان يخوضها اليمين الإيطالي المتطرف، ومن خلفه جمهوره المصاب بالإسلاموفوبيا بطريقة تثير السخرية وبخطاب هشّ وسطحي، وهو جمهور لا يستهان بحجمه اليوم. وكان هذا اليمين قد طالب عشية خوضه الانتخابات التشريعية في البلاد عام 2018 بــ"مواجهة أسلمة إيطاليا، وإغلاق نحو 800 مسجد فيها" معتبراً أن "الإسلام لا ينسجم مع القيم الإيطالية والحريات".

لقد سبق لبلدية ميلانو أن وافقت عام 2011 على أن يقوم مسلمو المدينة ببناء مسجد على قطعة أرض بمساحة 5000 متر مربع. ومع تنامي موجات الشعبوية في البلاد، اختلف الوضع عما كان عليه سابقاً وصار التضييق ملموساً ليس على المسلمين فقط، بل على عموم المهاجرين، وخصوصاً القادمين إلى إيطاليا عن طريق "قوارب الموت". وغني عن القول إن الاستثمار الانتخابي في مسائل الإسلام والقيم الأوروبية يسير جنباً إلى جنب، وإن بدرجات متفاوتة، مع مسائل معاداة "الغريب" غير الإيطالي كائناً ما كان دينه، وأيضاً، مع معاداة تيارات ليبرالية ويسارية إيطالية أصيلة مناهضة للعنصرية في البلد.

في المقابل، يختلف تعاطي المسلمين المقيمين في ميلانو -وفي إيطاليا- مع طقوس وعادات البلاد وشعبها وأديانه وطوائفه. ثمة مسلمون يعيشون حياتهم ويمارسون قناعاتهم ومعتقداتهم وشعائرهم الإسلامية بحرية ومن دون توتر مع الإيطاليين "الأصلييين"، وثمة من يعيشون في "غيتوهات" وأحياء منغلقة على نفسها في أطراف ميلانو نفسها، وهذه قضية تُسأل عنها السياسات الاقتصادية والاجتماعية في إيطاليا، وتأمين فرص العمل من عدمه، وندرة المشاريع التي تعرّف هؤلاء على البلد وثقافته وتاريخه وعلاقته حتى مع بلدان الضفتين الجنوبية والشرقية للمتوسط، وسياسات التمييز تجاه الآخر وخاصةً اليوم.

ولكن يَسأل عنها هؤلاء أنفسهم أيضاً، من حيث قلة استعدادهم للتعاطي مع الآخر المختلف بالدين بدرجة أساسية وبالعادات الاجتماعية وغير ذلك، داخل بلدانهم أيضاً وفي بلدان اللجوء أو الهجرة. هكذا، يمكنك أن تعثر على لاجئ سوري في ميلانو (وهو مُعارض لنظام الأسد ومؤيد للثورة السورية) يقول ذات مرة: "إيطاليا جميلة، لكن المشكلة أن سكانها ليسوا مسلمين". هذا الرجل وصل إلى إيطاليا عن طريق إحدى المنظمات الكنسية، بالمناسبة.

يبقى "بادوفا" شارعاً حيوياً يختم الكثيرون تسكّعهم فيه بزيارة واحد من البارات الكثيرة المنتشرة على طوله في منتصف الليل. ويختلف عن دهاليز الحكايا الخرافية والأساطير في أن أصوات وضحكات الشباب والشابات السكارى فيه، تمنح لَيلَه وليل المهاجرين فيه معنى مختلفاً

لكنّ شارع بادوفا ليس كانتوناً منغلقاً، رغم أنه شارع العرب والمهاجرين الأول في المدينة، وهو يبقى شارعاً حيوياً يختم الكثيرون تسكّعهم فيه بزيارة واحد من البارات الكثيرة المنتشرة على طوله في نهاية اليوم، أي في منتصف الليل، حيث يصبح المارّون والمتسكعون مشياً على الأقدام أكثر بكثير ممن يقودون سياراتهم. وكأنكم تسيرون في دهليز مضيء وطويل، لكنه يختلف عن دهاليز الحكايا الخرافية والأساطير في أن أصوات وضحكات الشباب والشابات السكارى فيه، تمنح لَيلَه وليل المهاجرين فيه معنى مختلفاً. شارع بادوفا عصيّ على التطويع الإيديولوجي لصالح الدين الواحد أو العِرق أو اللون، يكتسب معناه من هذا الخليط المتناقض فيه، والذي سيكون من الصعب عليه أن "يتجاور" مع الآخرين المختلفين معه بهذا الشكل، في بعض بلدان المهاجرين الأصلية.

تجاوُر الزوايا الحادّة

شهد شارع بادوفا في شباط 2010 جريمتَي قتل، الأولى، قُتل فيها شابّ مصري هو حامد محمود الفايد على يد مهاجرين من أمريكا الجنوبية، وفي الثانية قُتل شابّ مصري أيضاً هو أحمد عبد العزيز. وقعت أحداث شغب على إثر الحادثة الأولى قام بها مهاجرون جزائريون ومغاربة ومصريون بعضهم يقيم في إيطاليا بشكل "غير شرعي"، حيث حطّموا زجاج عدد من السيارات وبعض واجهات المحاّل الزجاجية، وأحرقوا العجلات وقطعوا بعض الشوارع الفرعية المؤدية إلى الشارع قبل أن تتدخل الشرطة الإيطالية.

خلال الوقت المستهلك في القراءة والكتابة والبحث، تبقى الحياة عادية جدّاً، وغير رتيبة في شارع بادوفا

يومها، تناقلت عدة مواقع إلكترونية احتمالات وجود عصابات جريمة منظمة خصوصاً في أوساط مهاجري أمريكا الجنوبية. ولا يزال الشارع حتى اليوم يشهد بين فترة وأخرى حالات شجار وعنف واشتباك بين مجموعات من المهاجرين، ويبدو ذلك، على فظاظته وسوئه، أمراً "طبيعياً" في المناطق المختلطة، والتي تكثر فيها الأعراق والاختلافات في الخلفيات والمنابت "الاجتماعية" التي ليس من السهل تدوير الزوايا الحادّة بينها. فالتنوع ليس دائماً مجرّد تجاور في الأطباق أو عناق بين الفلافل والكفتة من جهة وبين طبق الــ"تشيفيتو" الأرجنتيني من جهة ثانية، وليس محضَ عناقٍ بين جامع وكنيسة على ما تقول زجليات أوطاننا "السعيدة".

على سبيل الخاتمة

ميلانو واحدة من المدن الكوزموبوليتية، بما تعنيه الكلمة من كونها أرضاً لما هو عابر للقوميّ ومضاد للانغلاق على الهوية الواحدة. هي بالتأكيد ليست نيويورك، لا من حيث الحجم ولا من حيث درجة "الكوزموبوليتانية"، لكنها تبقى مدينة قادرة على أن تتّسع للكثيرين. وهي ليست الوحيدة من بين نماذج عديدة وكثيرة في أوروبا بطبيعة الحال، إلا أن هذا الحال يبقى قابلاً للتحوّل والتغير النسبي، مع التغيرات السياسية التي تعصف بالبلاد، إلى جانب أن المهاجرين، وخصوصاً من بلدان الشرق الأوسط، هم مهاجرون قادمون من بلاد ترقص الهويّات فيها اليوم رقصتها المميتة وسط تصفيق الأنظمة الحاكمة هناك.

تبقى قضية الهوية الأولى ماثلة بقوّة اليوم، من قبل إيطاليين مناصرين للتيارات الفاشية الجديدة، ومن قبل مهاجرين عرب في استئنافهم العلاقة مع الآخر، وهي علاقة يشهد العالم العربي اليوم إلى أي حضيض وصلت، خصوصاً عندما ترتكز هذه العلاقة إلى الدين، وإلى خطاب الخصوصية بمعناه القدْحي.

السياسة والثقافة والموروث التاريخي والانفتاح والانغلاق، كلها أسئلة قديمة متجددة وتستحقّ أوراقاً ونصوصاً ودراسات كثيرة، ووقتاً كثيراً يُبذل من أجلها، إلا أن الأمكنة غير معنية بكلّ ذلك في يومياتها، فخلال هذا الوقت المستهلك في القراءة والكتابة والبحث والتمحيص، تبقى الحياة عادية جداً، وغير رتيبة في شارع بادوفا، وفي أي شارع شبيه به.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard