"أغلب المشاهير من الزبائن الدائمين"... قصص من سوق الملابس المستعملة في سوريا

الخميس 28 نوفمبر 201903:23 م

كثيراً ما تُوصم الملابس المستعملة (البالة) وتُعاب بأنها ثياب قديمة ومستخدمة، لها رائحة منفرة وبأن زبائنها من الفقراء والمسحوقين، غير أن هذه النظرة تغيّرت الآن، وباتت أسواقها في سوريا تعجّ بالأغنياء والمشاهير، من ممثلين وممثلات ومخرجين وعارضات أزياء ومذيعين ومذيعات.

بدأ خليل في مهنة بيع الملابس المستعملة (البالة) منذ خمسة أعوام في محله الكائن في منطقة الإطفائية، التي تعد مركزاً رئيسياً للألبسة المستعملة، وقبلة معروفة يقصدها سكان العاصمة دمشق للتبضع.

يقول خليل في حديث لرصيف22: "أسواق البالة لا تقتصر على الطبقة الفقيرة فقط كما هو شائع، إنما يتردد إليها العديد من الفنانين والمخرجين والمذيعين والرسامين والراقصين وغيرهم من المشاهير، إذ غالباً ما يفضل هؤلاء الملابس المستعملة، والتي تسمى بالة، عن تلك المحلية والجديدة، وذلك لتصميمها فائق الدقة والحياكة الممتازة".

ويتابع: "بالإضافة لإمكانية الحصول على ماركات عالمية بتكلفة قليلة إذا ما قُورنت بنظيرتها الجديدة"، لافتاً إلى أن بعض النجوم ممن يترددون إليه، لا يجدون حرجاً في شراء الملابس المستعملة، ولا يحاولون الاختباء عن أعين الناس أو الهرب منهم، بينما في الوقت ذاته، يتحاشى البعض الآخر التردد إلى سوق البالة علناً بينما يقصدونه خفية، وذلك حفاظاً على صورتهم المتألقة والبراقة أمام الجمهور وخشية زعزعتها. ليصل بهم الأمر إلى تطبيق سلسلة إجراءات صارمة، شبيهة بالإجراءات الأمنية التي تنبئنا بمرور موكب مسؤول ما في الشارع، حسب ما يؤكده ماهر، الذي يملك محل ألبسة مستعملة: "هناك قسم من زبوناتي من الممثلات، يخشين أن يراهن أحد أثناء دخولهن محلي، فيطلبن مني توفير الخصوصية اللازمة لهن، كأن يأتين في يوم عطلة لضمان عدم وجود أي زبون، فأقوم بإغلاق المحل من الداخل وانتظر ريثما يفرغن حمولتهن ويرحلن".

ويتابع: "أما الفنانات فأحرص على إخبارهن بمواعيد إحضار البضاعة والاتفاق على موعد محدد حتى لا يصطدمن بالمعجبين، وينشغلن بالتقاط الصور ويصبحن عرضة لوسائل التواصل الاجتماعي التي باتت متاحة للجميع".

وهناك من أصبن بحمى "البرستيج" وحب الاستعراض ولو أمكنهن الحصول على أوراق ثبوتية للثوب الذي يرتدينه بغية توثيق عبارة (صنع في ألمانيا) لما مانعن أبداً، وذلك فقط لإشهارها في وجه أي صديقة لدودة تسألهن عن مصدره، تقول رشا، بائعة في محل بالة: "إحدى زبوناتي، وهي مذيعة مشهورة في التلفزيون السوري، تحرص دائماً أن تحصل على ملابس تحمل علامة صنع في ألمانيا أو كندا، بصرف النظر عما إذا كانت ملائمة لها، أو ذات جودة عالية، فالمهم فقط هو بلد المنشأ، وذلك للتباهي أمام زميلاتها في العمل".

بينما لا نجد هذه الأفعال الغريبة والنظرة الدونية تجاه ملابس البالة عند الجميع، ولا يمكن وضعهم جميعاً في سلة واحدة، وإنما على العكس تماماً، فهناك من لا يجد حرجاً من التنقيب بين أكوام الثياب ولا يتأفف من رائحتها التي تزكم الأنف، بل منهم من يلتقط صور "سيلفي" مع زبون آخر، إن طلب الأخير منه ذلك.

وهناك من يجد في ثياب البالة ملاذاً وستراً، لا سيما ممن هجرتهم الحرب وأخرجتهم قهراً من منازلهم

وتضيف رشا: "وهناك من يمتلك شخصية متواضعة وغير متعجرفة، كإحدى زبوناتي، وهي ممثلة شهيرة أيضاً، تتردد إلى هنا بشكل دوري، فلا تخجل من البحث بين الملابس دون الحاجة للتواري عن أنظار العامة، حتى أنها تلتقط صور سيلفي مع معجبيها داخل المحل"، مؤكدة أن فئة الممثلين والمذيعين هم من الزبائن الدائمين للمحل، حتى أنهم يحرصون على مواكبة البضاعة بشكل دائم وأن يتم إعلامهم بموعد وصول البضاعة.

هذا وتبقى الماركات العالمية المسجلة (براند) والأسماء البراقة تجذب هؤلاء الفنانين والمشاهير الذين يتسابقون إلى اقتنائها، عن هذا تقول رشا: "أغلب النجوم يبحثون عن الماركات العالمية كـ زارا وفيرومودا وHM، Nike ومانغو وفيرساتشي ودولتشي أند غابانا وغيرها، وذلك لشهرتها الواسعة وكونها ماركة مسجلة في أروقة الموضة أولاً، وثانياً للتفاخر أمام الأصدقاء والادعاء بأنها من متاجر دبي وبيروت، بينما هي مستعملة ورخيصة الثمن مقارنة بمثيلتها الجديدة".

في مديح الملابس المستعملة وذم الجديدة

على وقع أصوات الباعة الصادحة وعربات الملابس المتراصة، تغوص يد إيناس جاهدة بين أكوام الملابس، باحثة عن جاكيت مطري لابنها البالغ 10 سنوات، لتكلل عمليتها بالنجاح، ثم تبدأ معركتها في مساومة البائع، كاسبة الجولة لصالحها، تقول إيناس: "لا يمكن مقارنة الثياب المستعملة مع الجديدة، سواء من ناحية السعر أو النوعية، خاصة في ظل تراجع جودة الصناعة الوطنية وانحدارها بقوة، خلال سنوات الحرب التي روجت لهذا النوع من التجارة".

وهناك من يجد في ثياب البالة ملاذاً وستراً، لا سيما ممن هجرتهم الحرب وأخرجتهم قهراً من منازلهم، كحال طاهر وزوجته وطفليه الذين نزحوا من حلب منذ قرابة 5 سنوات، ليستأجروا في منطقة التضامن: "معظم كسوتنا من البالة، فلا أستطيع تكبد تكاليف الملابس الجديدة التي يصل سعرها إلى ربع راتبي الشهري، كما أن أطفالي ينمون ويكبرون بصورة مستمرة، ما يجعلهم يستهلكون كميات كبيرة من الملابس، لذلك نفضل البالة فهي رخيصة ودافية على الجيبة وعالبدن".

تتأبط أمل تحت ذراعيها بيجاما من المخمل وتجول بنظرها باحثة عن أخرى من القطن قائلة: "يتحسس جلدي من البوليستر، أبحث عن بيجاما من القطن، وهنا أجد طلبي بكل تأكيد، عكس البضاعة المحلية التي تصيبني بالحكة والاحمرار، عدا عن أن سعر بيجاما كاملة جديدة لا يقل عن 15 ألف ليرة سورية، بينما أستطيع شراء أفضل منها بـ3 آلاف ليرة سورية فقط".

كثيراً ما تُوصم الملابس المستعملة (البالة) وتُعاب بأنها ثياب قديمة ومستخدمة، لها رائحة منفرة وبأن زبائنها من الفقراء والمسحوقين، غير أن هذه النظرة تغيّرت الآن، وباتت أسواقها في سوريا تعجّ بالأغنياء والمشاهير، من ممثلين وممثلات ومخرجين وعارضات أزياء 

بينما لا نجد النظرة الدونية تجاه ملابس البالة عند الجميع، فهناك من لا يجد حرجاً من التنقيب بين أكوام الثياب ولا يتأفف من رائحتها التي تزكم الأنف، بل منهم من يلتقط صور "سيلفي" مع زبون آخر

البحث عن التفرد والخروج عن الرائج

يعد صائب (متطوع في الهلال الأحمر) زبوناً دؤوباً لمحلات البالة، حيث يرصد حوالي 30 ألف شهرياً لشراء الملابس التي يفضلها أن تكون (كريم) أو (سوبر كريم)، والتي تعني أنها قطعة ثياب جديدة غير مجربة أو ملبوسة مسبقاً، ويضيف صائب: "أبحث عن التفرد في اختيار ملابسي وأهتم لنوعية القماش والتصميم الجميل (هوت كوتور) وهذه الميزة تحققها لي البالة بدون شك، أشعر بالثقة عندما أرتدي كنزة لا شبيه لها في السوق، فالبالة تتميز بأن القطعة لا تتكرر إلا نادراً، وهذا أمر يستهويني ويجعلني أتميز عن بقية الشباب".

أما فكرة (القطعة الواحدة) كارتداء جاكيت جلد لا مثيل له، هي فكرة مغرية بالنسبة لرهام، ويجعل منها زبونة مثابرة في محلات البالة، وتمتلك باعاً طويلاً في الشراء، توضح بالقول: "يكفي أن أي قطعة ملابس هنا لا يوجد أخت لها وهو أمر جميل يجعلني أتميّز عن غيري، فهنا يوجد تشكيلة واسعة، فما عليك سوى الغوص والبحث جيداً، وأن يكون لديك متسع من الوقت لهدره بالتنقيب".

وسائل غش مبتكرة

يلفت أحد باعة (البالة) إلى قيامه إحدى المرات ببيع ملابس مستعملة لصاحب محل ألبسة جديدة في منطقة الشعلان، ليقوم الأخير بإعادة بيعها في محله على أنها جديدة ومستوردة (بضاعة أجنبية) بأسعار خيالية، وذلك بعد غسلها جيداً وكيها بطريقة مرتبة لا تلفت الأنظار، معولاً بذلك على سمعته في السوق وزبائنه المعروفين: "اشترى صاحب ألبسة رياضية في سوق الشعلان كميات وفيرة من سترات وكنزات رياضية، لاكتشف لاحقاً عن طريق زبون مشترك، أنه كان يبيعها في محله بأسعار مضاعفة ويدعي أنها جديدة ومستوردة، فتوقفت فوراً عن بيعه".

هذه الحادثة تكررت مع رنا، وهي سيدة تمتلك محلاً لبيع الملابس المستعملة في منطقة الشيخ سعد، والتي تحوّلت معظم محلاتها مؤخراً إلى هذا النوع من التجارة، لدرجة أنه تم قضم جزء من الأرصفة لفرشها بالملابس المستعملة (بسطات)، تقول: "حدث وأن اشترت زبونة جديدة في منتصف الصيف حوالي 12 قطعة من ملابس السباحة (مايوهات)، وذلك بحجة بيعها والتكسب منها، كون هذا العمل هو المصدر الوحيد لها لعيشها حسب زعمها، كما طلبت مني الرأفة بها من جهة السعر، غير أنني اكتشفت مصادفة عن طريق مجموعة لبيع الألبسة التركية والأجنبية في فيسبوك، كانت صديقتي قد أضافتني إليها، أن هذه السيدة تقوم ببيع المايوهات التي اشترتها من محلي بعشرات الأضعاف، متضمنة تكلفة الشحن ومرفقة بكلمة تركي أصلي، والمضحك في الأمر أن سعر القطعة غير قابل للمساومة أبداً".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard