"الراب" في المغرب... فنّ شبابي احتجاجي مزعج للسلطات

الخميس 21 نوفمبر 201901:10 م

فجّرت أغنية "عاش الشعب" لثلاثة مغنين جدل أغاني "الراب" في المغرب بعد اعتقال مغنيها الرئيسي سيمو الكناوي، وهو ليس أول مغني راب يُعتقل في المملكة على خلفية كلمات أغانيه.

وبالرغم من أن السلطات نفت أكثر من مرة أن يكون سبب اعتقاله كلمات هذه الأغنية القاسية والمنتقدة بشدة للوضع السياسي والاجتماعي في المغرب، وأعلنت أكثر من مرة أن سبب الاعتقال هو فيديو سابق للكناوي "سب فيه رجال السلطة"، إلا أن حقوقيين ومحامين اعتبروا أن الأسباب الحقيقية للاعتقال والمحاكمة هي كلمات "عاش الشعب".

اعتُقل الكناوي رسمياً بسبب "إهانة موظفين وهيئة منظمة"، ولكن محاميه محمد صدقو يتساءل عن أسباب تزامن الأمر مع انتشار أغنيته "عاش الشعب". فالفيديو الذي اعتُقل على أساسه بُثّ في 24 تشرين الأول/ أكتوبر، ولكنه اعتُقل في 31 منه بعد انتشار الأغنية، وهو ما يعطي "الانطباع بأن المتابعة كانت بسبب كلمات الأغنية التي شارك فيها"، بحسب المحامي.

وطالبت عدة جمعيات حقوقية مغربية ودولية بإطلاق سراح الكناوي كالجمعية المغربية لحقوق الإنسان ومنظمة العفو الدولية، واعتبرت أن سبب اعتقاله هو أغنية "عاش الشعب".

تضييق على مغنّي "الراب"

هذه ليست المرة الأولى التي تعتقل فيها السلطات المغربية مغني راب، فقد اعتقل معاذ بلغوات الملقب بـ"الحاقد عام 2012، بتهمة مشابهة وهي "إهانة السلطات"، كما اعتُقل مغني الراب أيوب بوضاض عام 2014، بعد مشاركته في مسيرة دعت إليها ثلاث مركزيات نقابية، وكلاهما غادر المغرب، فالحاقد طلب اللجوء السياسي في بلجيكا، بينما يتابع بوضاض تعليمه في فرنسا.

يرى الباحث في القضايا الاجتماعية رشيد بنويجم أنه من المبكر الحديث عن ظاهرة فن الراب في المغرب "لأنه فن حديث لم يحقق بعد تراكمات ولا يطرح كل القضايا الاجتماعية، بل لا يعدو أن يكون تياراً شبابياً يلقى تجاوباً في ظل الاحتقان الاجتماعي الذي يشهده المغرب".

معاذ بلغوات

ويضيف لرصيف22 أن أسباب "اعتقال مغني الراب في المغرب هي أنهم تناولوا مواضيع لا تزال السلطة والمجتمع يعتبرانها من التابوهات (المحرّمات)".

ويعتبر بنويجم أن أغاني الراب موجهة للفئات الشابة بالدرجة الأولى، و"عندما نتكلم عن الشباب، فإننا نتحدث عن نسبة بطالة عالية جداً، حسب إحصاءات رسمية وغير رسمية، وعن مشكلة خريجي الجامعات الذين لا يجدون وظائف وعن الفقر والهشاشة والمخدرات"، وبالتالي، عندما "سيتحدث مغني الراب عن الفقر ومعاناة الشباب، سيجد بالتأكيد شريحة عريضة تستمع له وتتضامن معه لأنه يمس فئة واسعة".

غير أن بنويجم يرى أن الراب المغربي "مبتدئ"، يطرح المشاكل الاجتماعية ولا يطرح الحلول لها، فقد "طرحت مشاكل الفقر والهشاشة واستغلال الأطفال والدعارة، ولكن لم تقدّم بدائل"، بينما في أمريكا تناول الراب مشاكل مثل العنصرية التي يعاني منها ذوو البشرة السمراء و"طرحت الأغاني حلولاً قانونية، وتحدثت عن وضع حد قانوني للعنصرية في إطار الحقوق والواجبات".

هل الراب ممنوع في المغرب؟

مباشرة بعد اعتقال الكناوي، خرج مغني الراب المغربي علي صامد، وقال إن وزارة الثقافة المغربية تمنع حفلات الراب في المغرب بسبب أغنية "عاش الشعب".

سيمو الكناوي

وقال في فيديو بثه على حسابه على إنستغرام إنه تلقى خبر تجميد أي نشاط له علاقة بالراب، بدليل أنه تم إلغاء حفل للراب في مدينة الفنيدق، شمال المغرب.

ولم تكذب الحكومة المغربية هذا الخبر، إذ قال وزير الثقافة والشباب والرياضة والناطق الرسمي باسم الحكومة محمد عبيابة في مؤتمر صحافي، بعد اجتماع الحكومة الأسبوعي، إن "الفن وسيلة للتعبير والفرجة وليس لأمر آخر".

وتوعد الوزير "الوصي" على قطاع الثقافة "خارقي القانون" وقال إن "أي تصرف خارج القانون يجب أن يقابله فعل المحاسبة، ولا يعقل أن نطالب بالمحاسبة ونكون فوق القانون".

"لغة يفهمها الجميع"

تتضامن هدى أبوز وهي مغنية راب مغربية شابة (24 عاماً)، مع الكناوي وترى معيباً "أن يعتقل فنان أو أي إنسان من أجل رأيه" مع أنها لا تتفق مع فكرة "تسييس الفن وتحميله أكثر من رسالته الفنية".

وتقول لرصيف22: "ممكن أن ترد بعض الكلمات السياسية في أغانيّ أو أن استعملها مجازاً، لكن ليس لدي أجندا تقرر مسبقاً الموضوع الذي يجب أن أتناوله في كل أغنية".

تؤمن هدى بأنه " إذا كان لا بد من رسالة سياسية في الفن بصفة عامة والراب بصفة خاصة يجب أن تكون تلقائية وليس أن أركب على موجة معينة لأوصل رسالة".

لكن شخصية هدى "المتمردة" التي شاركت في حراك 20 شباط/ فبراير، وهو النسخة المغربية من احتجاجات "الربيع العربي" عام 2011، تُظهر تمردها تلقائياً في نصوصها ولو "بطريقة مجازية ليس بالضرورة أن يفهمها كل شخص"، كما تقول.

"التعبير بصفة عامة سواء بطرق فنية أو مباشرة كان دائماً مصدر خوف للدولة، سواء في السينما أو المسرح أو الكتابة. الدولة متعودة أن تستقطب الناس وتحتويهم وتطوّع الأصوات المزعجة لصالحها"... هل تعادي السلطات المغربية فن "الراب"؟
"الراب قريب من الشباب أكثر من الأحزاب السياسية والجمعيات والنقابات، لأن هذه الأخيرة متأخرة وبعيدة عن واقعهم، بينما الراب يخاطب همومهم"... هل تعادي السلطات المغربية فن "الراب"؟

وترى هدى أن "التعبير بصفة عامة سواء بطرق فنية أو مباشرة كان دائماً مصدر خوف للدولة، سواء في السينما أو المسرح أو الكتابة. الدولة متعودة أن تستقطب الناس وتحتويهم وتطوّع الأصوات المزعجة لصالحها".

وعن قوة أغاني الراب، تقول إنها نابعها من كونه يستخدم "لغة يفهمها الجميع حتى مَن هو في عمر 14، وقريبة من الواقع وتستطيع أن تصل إلى مختلف الشرائح وهذا ما يخيف النظام".

تؤكد هدى أنها تحاول ألا يكون مضمون أغنياتها سياسياً "لأنني عندما أمارس الفن أتفرغ له وعندما أريد أن أمارس السياسية فهناك الشارع وممكن أن أعبّر عن مطالبي في تظاهرة أمام البرلمان. لا يجب تحميل الفن ما لا طاقة له عليه".

لكن وفي نفس الوقت، تؤكد: "أعبّر بكل حرية في أغانيّ دون خوف ودون رقابة ذاتية".

"مصدر إزعاج للسلطة"

فنان الراب أيوب بوضاض يقيم حالياً في فرنسا. سبق أن اعتُقل في تظاهرات احتجاجية عام 2014 وحكم عليه بستة أشهر سجن، قضى منها ثلاثة أشهر، ثم ترك دراسته في المغرب وسافر إلى فرنسا حيث يدرس العلوم الاجتماعية.

يرى بوضاض أن "الراب مصدر إزعاج للسلطة لأنه يعبّر عن الشباب وتطلعاتهم وأحلامهم وإحباطاتهم"، ويضيف لرصيف22: "الراب قريب من الشباب أكثر من الأحزاب السياسية والجمعيات والنقابات، لأن هذه الأخيرة متأخرة وبعيدة عن واقعهم، بينما الراب يخاطب همومهم".

يعتبر أيوب أن الفن "باعتباره وسيلة للتعبير فهو يسع جميع الرسائل، ناهيك عن أن الراب في الأصل وجد للإحتجاج على سياسات معيّنة".

بدورها، ترى هدى أن "الراب يمس شرائح واسعة أكثر من أي فن آخر، ويوتيوب ساهم في انتشاره فالتسجيل بالمجان والتوزيع بالمجان".

ما يجب أن تفهمه الدولة، حسب هدى، هو أن "الناس تريد فضاءات ثقافية للتعبير ومساحات إعلامية للترويح عن النفس، وهذا لا توفره الدولة بعكس يوتيوب".

يعتبر بوضاض أن السلطة لا تستطيع الحد من انتشار فن الراب، فـ"لا وزارة الثقافة ولا أي وزارة أخرى تدعمه، والفنانون الشباب يجتهدون بإمكانياتهم".

من جانبه، يعتبر الباحث بنويجم أن "قضية المنع غير مطروحة بحكم وسائل التواصل الاجتماعي الواسعة الانتشار".

لكن المشكلة، برأيه، تكمن في أن" الأذن الموسيقية المغربية لم تتعود بعد على هذا الفن بحكم غرابة موسيقاه غير المألوفة بالنسبة إلى العديدين، وبحكم سمعة بعض مغنّيه أو محبيه في المجتمع بأنهم سوقيون أو مستهلكون للمخدرات ويستعملون أحياناً كلمات بذيئة".

ويختم بنويجم بأن "التفاعل مع هذا الفن يتطور شيئاً فشيئاً لكن مضامينه ستبقى موضوع أخذ ورد وتحتاج إلى تطوير حتى تكون مقبولة من شرائح واسعة".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard