درويش يطلب الماء والخبز ويدافع عن المظلومين… حكايات الخضر في صعيد مصر

الخميس 21 نوفمبر 201904:00 م

الخضر، تلك الشخصية الأسطورية التي تحدث عنها القرآن كرفيق معلم للنبي موسى، أخصَّه الله بكرامات يحار في تفسيرها العقل، تخطَّت حدود الكتاب، ورؤى الصوفيين، الذين كثيرا ما استلهموا حضوره في مأثوراتهم، إلى الواقع في صعيد مصر، ونسبوا له حكايات، وخوارق أيضاً.

تروي إحدى الحكايات أنّ الخضر جاء في هيئة عابر سبيل شديد السمرة، بشعر مهمل، وملابس مهلهلة. وصفه البعض بأنَّه رجل بركة أو "بتاع ربنا"، قبل 250 سنة قصد 3 عائلات: طلحة وحمد ويوسف، في نجع الشرابلة شرق مركز دشنا بمحافظة قنا، سائلاً عن الطعام: "جعان"، انقلبت بعدها حياتهم رأساً على عقب.

آل طلحة، وهم الأفضل مادياً، رفضوا استضافة الدرويش في ساحة استقبال الزائرين (المندرة)، فدعا وعيناه تدمعان: "يتمكَّن الفقر منكم إلى سابع جيل". ثمَّ فر الدرويش قاصداً آل حمد، فأكرموه بخير الطعام، فدعا مبتهجاً: "توزعون الخير من كثرته إلى سابع جيل". ثم توجه إلى بيوت آل يوسف، وفي الشارع قابلته سيدة عجوز، تولت غسيل وجهه وثيابه وأكرمته بالمتاح من طعام، فدعا مبتسماً: "تكرمون بالبركة".

يقول عرفة جمال، (37 عاماً) يعمل في مجال الإنشاءات، من نجع الشرابلة لـرصيف22: "الجميع هنا موقن أنه سيدنا الخضر، بعدما استجيبت دعواته الثلاث، تمكَّن الفقر من عائلتي حتى الجيل الحالي، وهو سابع جيل.. فقر في المال والنسل، فالأجداد إمَّا فاسدون ضيعوا الأرض على الملذات أو غلابة أضاعوا الإرث من بين أيديهم دون دراية بما يفعلون، وعائلة حمد ورثوا الخير في المال والأولاد بعد استجابة الدعوة.. وآل يوسف لحقتهم البركة أينما كانوا أو فعلوا، فقليل الأشياء تبدوا لديهم كثيرة فعلاً".

"أريد رغيفاً وماء"

وقبل ما يزيد على المائة عام، كما يتداول، ظهر الخضر مجدداً في نجع الأربعين بمركز طما، محافظة سوهاج.

القصة سردها أسامة حمدي، محامي  (40 عاماً)، ويسكن في قرية بمركز طما لرصيف22: "كان في صورة شخص متوكل "ساذج"، غير ناضج، بملابس بالية ووجه تشكله التجاعيد.. مرَّ على البيوت طالباً المساعدة: رغيف خبز وشربة ماء، فقابله الناس بالود والابتسامات، وقليل من التفاعل مع سؤاله، إلَّا أنَّ شخصاً واحداً منهم أصرَّ على ضيافته وإكرامه بما لذ وطاب من طعام، وأجدد الثياب، وظل يرافقه حتى الفجر".

ومع إشراقة شمس اليوم الجديد خرج "المتوكل" من منزل مضيفه ابن عمار، داعياً له: "ربنا يجعل مالك من الأولاد". تدور عجلة الأيام، وتمرّ السنوات، وتصبح عائلة آل عمار الأكثر ذرية من بين 4 عائلات في نجع الأربعين، دون أن يصاب أحد رجالها بعقم، أو تتعرض إحدى نسائها لمشكلة في القدرة على الإنجاب.

يعتقد صوفيون أن الخضر حي موجود بيننا، بل وتنافسوا في إعلان مقابلتهم له، بعد أن دعا له آدم بإطالة العمر، بعد أن شرب من "عين الحياة"
 "الجميع هنا في نجع حمادي موقن أنه سيدنا الخضر، بعدما استجيبت دعواته الثلاث، تمكَّن الفقر من عائلتي حتى الجيل الحالي، وهو سابع جيل.. فقر في المال والنسل"

ونسجت ألسنة الناس خيوط رواية جديدة حول زيارة "قطب الرجال"، "سيدنا" الخضر، لنجعهم، وكان في صورة ذلك "المتوكل".

حكاية أخرى رائجة للخضر في مدينة طما بسوهاج، كسائر قصصه تبدو خيالية، وتقدّم تفسيراً أسطورياً ليوميات الناس، وأحداثهم، تقول إنَّ الخضر مرَّ على شقيقين يبيعان "الطعمية" في أحد شوارعها. واحد منهم رفض إطعامه، والثاني أكرمه فقط بسندوتش، فدعا له بسعة الرزق وزيادة المال حتى إنه أصبح مالكاً لسلسة محال "فول وفلافل"، فيما ظل الأول حتى وفاته برفقة "قدرة فول" على ناصية أحد الشوارع.

الخضر يوحي السيرة الهلالية

على نغمات الربابة نقل رواة السيرة الهلالية، أمثال جابر أبوحسن وسيد الضوي وعلي جرمون ومحمد اليمني، إلى مسامع الصعايدة حكايات عن الخضر، فهو المنقذ في أوقات الشدة والانكسار لبطلها أبوزيد الهلالي، ومن قبله لوالدته الخضرا الشريفة. بل كان الخضر وحي الرسالة الهلالية إلى الشعراء أنفسهم، حتى أنَّ محبِّي سيد رواة السيرة، الشاعر جابر أبو حسين، يرددون حكاية قديمة تقول إنَّ شاعرهم وصل لما وصل إليه من عذوبة في الصوت، وتمكّن في أداء الهلالية على الربابة، لأن درويشاً قسم معه "لقمة" ورضاه، فدعا له فصار الشعر خاتماً في يده، ومع مرور الأيام صاروا يرددون أن ذلك الدرويش ما هو إلا سيدنا الخضر متخفياً.

في كتابه "سيرة بني هلال روايات من جنوب أسيوط"، يقول محمد حسن عبد الحافظ، المدير الأكاديمي في معهد الشارقة للتراث، إن الخضر هو العلامة الروحية التي تتجلى في زمكان الذِّكْر وبين حضوره متخيلاً من عالم الأسرار، وأنَّ شعراء السيرة وجمهورها لقب سيدنا الخضر بـ"قطب العمايم" و"قطب الرجال" و"قطب الأقطاب"، وهو "سيد" أو "عم"، ويتجلى في صورة رجل عجوز أو درويش أو رجل كهل، ذلك وفقاً للمعتقد الشعبي ذي الصلة بالهلالية.

وفي السيرة الهلالية، يتجلى "الخضر" من عالم الناسوت وعالم الملكوت، ويظهر سرديّاً في ثلاثة مشاهد رئيسة: الأول في لحظة ولادة البطل أبوزيد الهلالي، حيث "هبط" الخضر على والدته "خضرا" ليبعث في نفسها الاطمئنان، وبصق في فم مولودها، لتصير معجزته في بلاغة القول واللسان، كما أودع لدى أمه حزاماً سحرياً للحماية أو "جراب الأحيال".

والمشهد الثاني في مراسم تحديد ما يُقدَّر لوالدته من حق في المال "الإبل"، فقد قرر "السلطان سرحان" أن يعطيها ما يمثل مؤخر صداقها المحدد بكل ما تصل إليه ضربة حربة في المراعي، وبعد تنصُّل رجال القبيلة يجيء رجل عجوز هو الخضر، ليرمي "الحربة" في الفضاء الرحب بالمال حتى قسَّم مال سرحان.

أما المشهد الثالث، فيتموضع في طريق خضرا، والدة أبوزيد الهلالي، بعيداً عن زمام بني هلال، عندما استوقفها قاطع طريق ليسرق الأموال ويغتصبها، فيجيئ الخضر مُنقذاً على صورة شبح قادم من الخلاء، ليشتت العائق ويمسك بالطفل ليباركه، ويطلق عليه اسم "بركات"، ويصير البطل، مُنذ تلك اللحظة، "مُحزَّماً" من الخضر، أي محصناً من العوائق والمخاطر. ولا يتوقف ساردو الهلالية عن إسناد تلك الوظيفة الحكائية للخضر حتى مطلع التغريبة.

 استوقف خضرا قاطع طريق ليسرق الأموال، ويغتصبها، فيجيئ الخضر مُنقذاً على صورة شبح 

وكوني واحداً من محبي سماع تغريبة بني هلال، بصوت الشاعر على جرمون، فأذكر أنَّ الخضر ظهر فيها بطلاً لعدة مرات، أبرزها عندما سُجن الهلالي أبوزيد بأمر الملك سالمان في سجن الخيل، مكبل اليدين في ظلام موحش، بانتظار موعد شنقه في الصباح، غير أنه أفاق على الخضر "قطب الرجال" واقف أمامه، فمسح على رأس أبوزيد وقال له: "لتكُن منصوراً بإذن المولى على طول الزمان"، ثم اختفى، وقبل الفجر كان الهلالي متحرراً.

ومرة أُخرى قبل نهاية حرب أبوزيد الصعبة مع الخرساني اليهودي ملك العجم، حينما غرز الهلالي حربته في عنق الخرساني، فاصلاً رأسه عن جسده، فظهرت السنيورة -أخت اليهودي- في الميدان، مرتدية طاقية من صنع الجن، ويحيط بها جنود منهم، لتقلب موازين المعركة، فكلما تمكنوا منها تختفي. استعان أبوزيد بخاله الخضر قطب الرجال، فجاء وخطف طاقية السنيورة من فوق رأسها، وأتاح الفرصة أمام سيف ابن أخت الهلالي -يونس- ليقطفه، فضاع سحرها وضاع معها فرسان الجان.

إكسير حياة الخضر

في اسم الخضر اضطراب، فهو "تاليا بن ملكان بن عابر بن أرفخشد بن سام بن نوح عليه السلام"، وفقاً لما ورد في موسوعة "حياة الحيوان الكبرى" للفقيه كمال الدين الدميري. وفي روايات البخاري وأحمد والترمذي فهو "الخضر"، وما وجد في مكان إلا اخضرّ ونبت فيه العشب. أما القرآن فذكره بأنه عبد صالح "آتاه الله رحمة وعلماً" ورافقه موسى عليه السلام ليتعلم منه، وكلها مراجع ذات صبغات دينية، لا يمكن الاعتماد عليها من الناخية التاريخية.

وفي نبوته اختلاف، فهو "يحتمل أن يكون نبياً ويحتمل أن يكون ولياً، أي صالحاً"، بحسب دار الإفتاء المصرية.

ووفقاً لدار الفتوى بالمجلس الإسلامي الأعلى في أستراليا، فإن الخضر هو من تولى دفن جسد آدم بعد طوفان نوح، فحصد ما دعا به آدم: "أن يطيل عمر الذي يدفنه إلى يوم القيامة"، أو أنه سبق ذا القرنين الأكبر في الشرب من عين ماء تسمى "عين الحياة"، كان الملاك رفائيل قد أخبر بها صديقه ذا القرنين، حينما حدثه الأخير في رغبته أن "أعمّر حتى أبلغ في طاعة ربي حق طاعته"، غير أن رفائيل لم يكن يعلم موضعها حتى وطأها الخضر.

ويرى الصوفيون الخضر حيا موجودا بيننا الآن، ففي كتابه "التصوف والحياة الدينية في مصر المملوكية"، يذكُر المفكر الإسلامي محمد صبحي منصور، القطب والخضر كنوعين رئيسيين للأولياء الصوفيين، ووضع ابن حجر العسقلاني كتاب "الزهر النضر في أخبار الخضر"، وكتب الشعراني "الميزان الخضرية"، وزعم فيه أنه قابله وسأله وسمع منه، كما تنافس الصوفيون في دعوى الاجتماع به، واشتهر منهم علي النبتيتي، وابن الكبش، وسليمان البسطامي.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard