شهادات متظاهرين لبنانيين: الأمن استخدم "قوة مفرطة" وتقاعس عن حمايتنا من "المعتدين"

السبت 9 نوفمبر 201903:50 م

"كان مشهد حرب… كان مرعباً"، بهذه العبارة اختصر بلال هجوم الجيش اللبناني على المتظاهرين في بلدة العبدة (شمالي لبنان)، في 29 تشرين الأول/أكتوبر الماضي، لفتح الطريق الرئيسي فيها مطلقةً قنابل الغاز والرصاص المطاطي صوب نحو 100 متظاهر.

أصيب بلال برصاصة مطاطية في ساقه، وشاهد الجنود يصيبون اثنين آخرين من المحتجين بالرصاص.

متظاهر لبناني آخر قال إن المتظاهرين في العبدة كانوا يهتفون "سلمية، سلمية" حين هاجمهم الجيش اللبناني، موضحاً "كل من حاول المقاومة أو التحدث تعرض للضرب بالهراوات".

وقال أيضاً إنه رأى جندياً يضرب امرأة على رأسها بهراوة، وإن آخرين ضربوه بالهراوات لمجرد تصويره اعتداء القوات واعتقالها للمتظاهرين.

"انتهاك كامل للحقوق"

متظاهر ثالث أكد أن جندياً أمسك به وجره نحو تجمع من الجنود (15 إلى 20 جندياً) الذين بدأوا في ضربه وركله بأقدامهم وبالهراوات وأعقاب البنادق.

وفق ما قاله شهود لـ"هيومن رايتس" وأكدته مقاطع مصورة، هاجمت قوات الأمن اللبنانية المتظاهرين وضربت بعضهم بالهراوات وبأعقاب البنادق أثناء إزالة الحواجز في العاصمة بيروت ومناطق أخرى.

انفجرت طبلة أذن المتظاهر جراء هذا الاعتداء الذي اعتقل بعده وحول إلى الشرطة العسكرية التي أفرجت عنه في اليوم التالي. لكنه اشتكى: "الناس يشعرون بالانكسار… إننا جميعاً محطمون. لقد انتهكت حقوقنا".

وردت شهادة المتظاهرين الثلاثة في تقرير لمنظمة "هيومن رايتس ووتش"، نشر في 8 تشرين الثاني/نوفمبر، وثق استخدام قوات الأمن اللبنانية "القوة المفرطة" في 12 حالة على الأقل ضد المتظاهرين خلال إزالة حواجز أقامها المحتجون في جميع أنحاء البلاد لقطع الطرق كوسيلة للضغط على السلطات للاستجابة لمطالبهم.

ووفق ما قاله شهود لـ"هيومن رايتس" وأكدته مقاطع مصورة، هاجمت قوات الأمن اللبنانية المتظاهرين وضربت بعضهم بالهراوات وبأعقاب البنادق أثناء إزالة الحواجز في العاصمة بيروت ومناطق أخرى في البلاد.

أزال الجيش اللبناني خيم المحتجين والمعدات الصوتية التي وضعوها في الساحات الرئيسية للاحتجاج في صيدا وجل الديب في وقت سابق من الشهر الحالي. كما أخلى الطريق السريع في جل الديب الذي أغلقه متظاهرون بأجسادهم بضربهم واعتقال 20 منهم، ثم أفرج عن 17 منهم وسلم 3 آخرين لمخابرات الجيش.

استهداف الجميع… حتى النساء

قال أحد المتظاهرين في جل الديب: "ضربت بهراوة من قبل الجيش على ظهري، وأصيب أحد المحتجين بإصابة في الرأس وحصل على ثلاث غرز. ضابط في الجيش ركل امرأة شابة كانت جالسة على خط المواجهة في الضلوع فكسرها".

أما في صيدا، فحاولت المخابرات العسكرية والجيش إعادة فتح الطرق بالقوة في مناسبات عدة. وقال أربعة محتجين إن قوات الجيش والمخابرات فتحت بعنف الطريق عند جسر الأولى عند مدخل صيدا صباح 28 تشرين الأول/أكتوبر الماضي، بدعم من حوالي 20 شاحنة عسكرية تحمل الجنود المسلحين بالهراوات والدروع.

أحد المتظاهرين وصف المشهد قائلاً: "كانوا يصرخون ويدفعون ويلعنون ويخوّنون المتظاهرين حتى نركض".

ولفت المحتجون الأربعة إلى أن ضباط مخابرات الجيش كانوا الأكثر عنفاً تجاه المتظاهرين، وشرح أحدهم "كانوا يهاجمون الناس بهمجية… بعضهم ضرب الصبية والفتيات بأعقاب بنادقهم".

واحدة من المتظاهرات (22 عاماً) قالت إنها وقفت في الصفوف الأمامية مع أخريات أملاً في أن ذلك سيوقف عنف القوات، لكنها أوضحت أن قوات الأمن هاجمت النساء.

وأضافت: "ضربت بالبندقية في معدتي ولم أستطع التنفس وسقطت أرضاً".

وأكد متظاهران اثنان أن الجيش ضرب أحد المتظاهرين بعنف على رأسه ونقل على الفور إلى المستشفى، كما اعتقلت قوى الأمن الداخلي أيضاً سليم غضبان (29 عاماً) وضربته بوحشية مطلع الشهر الحالي في وسط بيروت.

قال غضبان: "ضربوني بلا رحمة كلما تجرأت على فتح فمي، كانوا يضربونني بعنف. لدي إصابة خطيرة في رأسي، وأخرى في جبهتي، وتحت عيني، وبين عيني وأنفي، وعلى جفني وكتفي وظهري وأنفي مكسور".

استهداف من يقوم بالتصوير

روى 5 متظاهرين لـ"هيومن رايتس ووتش" كيف منعتهم قوات الأمن اللبنانية من تصوير اعتداءاتها على المتظاهرين السلميين، وفي بعض الحالات استخدمت القوة المفرطة ضدهم.

ونقل التقرير عن الصحافي في جريدة "النهار" المحلية علي عواضة، تأكيده أن الضباط أمروه بالكف عن تصوير هجوم قوات الأمن على المتظاهرين في بيروت في 29 تشرين الأول/أكتوبر، مبيناً أنه "عندما رفضت، هاجمني أحد ضباط قوى الأمن الداخلي من الخلف، وأمسك بذراعي بقوة وقال إنه سيخلع كتفي، ما اضطرني إلى التوقف عن التصوير".

"ليس لدي ثقة في حمايتهم لنا"... قوات الأمن اللبنانية استخدمت "القوة المفرطة" تجاه المتظاهرين في 12 مناسبة على الأقل وتقاعست عن حمايتهم من هجمات "المسلحين" في مناسبات أخرى
"كان مشهد حرب... كان مرعباً"، "إننا محطمون لقد انتهكوا حقوقنا"، "كانوا يصرخون ويلعنون ويخونون المتظاهرين"... بعض من شهادات لبنانيين عن اعتداءات القوى الأمنية و"رجال مسلحين" عليهم 

أحد المتظاهرين أفاد بأنه سجل مقاطع فيديو للجيش وهو يضرب المتظاهرين في دوار شيفروليi في 25 تشرين الأول/أكتوبر الماضي، مستطرداً "جاء الجيش ونظر في هاتفي ورأى أنني صورت مقاطع الفيديو فاحتجزني لفترة قصيرة".

متظاهر آخر قال إن ضباط مخابرات الجيش هاجموا أشخاصاً يصورون الجيش وهم يضربون المتظاهرين الذين كانوا يغلقون الطريق السريع في صيدا نهاية الشهر الماضي. وأكد آخر في جل الديب أن الجيش أمر الناس بعدم تصويرهم وهم يعيدون فتح الطريق قبل أيام.

تقاعس عن حماية المتظاهرين

في التقرير كذلك إشارة إلى أن القوات الأمنية تركت المتظاهرين السلميين أيضاً فريسةً لاعتداءات "رجال مسلحين"، بعضهم موالي لـ"حركة أمل" التي يتزعمها رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري والبعض الآخر من أنصار "حزب الله"، من دون أن تتحرك لحمايتهم أو اعتقال المهاجمين.

في 29 تشرين الأول/أكتوبر الماضي، لاحظ باحثو "هيومن رايتس ووتش" أن مئات الأشخاص الذين يحملون شعارات مؤيدة لبري وللأمين العام لـ"حزب الله" حسن نصر الله، هاجموا المتظاهرين السلميين الذين أغلقوا الطريق الدائري في وسط بيروت.

ورغم أن شرطة مكافحة الشغب فصلت المهاجمين عن المتظاهرين في البداية، إلا أن هؤلاء سرعان ما اخترقوا صفوف القوات الأمنية وتعدوا بالضرب على المتظاهرين وركلوهم ورشقوا الحجارة والقضبان المعدنية عليهم.

وأكد الصحافي في "ديلي ستار" تيمور أزهري للمنظمة أن أحد المهاجمين لكمه وطرحه أرضاً فيما قام آخرون بضرب مصوره حسن شعبان، وركله على ضلوعه.

ورصد باحثو المنظمة كيف وقف فريق من شرطة مكافحة الشغب من دون أن يتحرك للدفاع عن المتظاهرين، بينما حاول البعض منهم بشجاعة وقف الهجوم.

وأوضح عواضة: "يبدو أن قوات الأمن كانت تتصرف كأفراد، وليس كقوة منظمة… كان بعض الضباط يتصادمون مع رجال أمل وحزب الله، والبعض الآخر لم يفعل أي شيء. كانوا يراقبون بشكل أساسي".

تحرك المهاجمون بعد ذلك نحو ساحة الشهداء، حيث أحرقوا خيام المحتجين ونهبوها. وأكد خمسة شهود أن قوات الأمن لم تحاول وقف هذا الهجوم.

في حين أشار الأزهري إلى أنه على الرغم من استمرار حرق الخيام لأكثر من 30 دقيقة، لم ترسل السلطات أي قوات إضافية.

واصل المهاجمون تقدمهم بعدها إلى ساحة رياض الصلح، حيث اكتفت شرطة مكافحة الشغب بإطلاق الغاز المسيل للدموع لتفريقهم من دون اعتقال أي منهم.

أحد المتظاهرين قال إنه رأى "بلطجية" يضربون فتاة تبلغ من العمر 4 سنوات فقط وامرأة تبلغ من العمر 75 عاماً.

وعقب مقابلة عشرات شهود العيان، خلصت لجنة المحامين للدفاع عن المتظاهرين إلى أن الأدلة تشير إلى أن الهجوم تم تنسيقه. وكان الصليب الأحمر اللبناني قد نقل ما لا يقل عن 11 محتجاً مصاباً إلى المستشفيات القريبة إثر هذا الهجوم.

في النبطية أيضاً، روى خمسة أشخاص أن مؤيدي الحركة والحزب ضربوا المتظاهرين وأرهبوهم في مناسبتين؛ الأولى بعد منتصف ليل 18 تشرين الأول/أكتوبر الماضي، حين حاصر ما لا يقل عن 30 من أنصار "أمل" نحو 30 متظاهراً أثناء اعتصامهم بالقرب من السراي الحكومية.

وقال متظاهر: "بدأوا في ضربنا بالعصي والكراسي التي كنا نجلس عليها، بينما أهانونا وأخبرونا أنه لا يمكننا التحدث سلباً عن بري".

وتابع مؤكداً أن أنصار "أمل" حذروا المحتجين من أن "من ينزل إلى الشارع، سوف نكسر رجله". لم تتدخل قوات الأمن بحسب المتظاهر، رغم أن مقر قيادة الأمن الداخلي في النبطية موجود في السراي.

مرة أخرى، هاجم أنصار "حزب الله"، بحسب الشهود، المتظاهرين أمام مبنى السراي في 23 من الشهر الماضي. وقال أربعة محتجين إنهم ضربوا المتظاهرين السلميين بالعصي والأدوات المعدنية الحادة، بما في ذلك النساء والأطفال وكبار السن، بشكل عشوائي، لافتين إلى أن الشرطة البلدية، التي قال الشهود إنها تخضع لسيطرة الحزب، شاركت في الهجوم.

أحد المتظاهرين قال إنه رأى "بلطجية" يضربون فتاة تبلغ من العمر 4 سنوات فقط وامرأة تبلغ من العمر 75 عاماً. وأضاف آخر: "كان المتظاهرون المصابون ملقون على الأرض، وبعضهم فاقد الوعي، من جميع الأعمار... لا يمكنك أن تتخيل مدى بشاعة المشهد".

قال أحد المتظاهرين في صور إنه يشعر بأنه "في أي وقت، يمكن أن نتعرض للهجوم. لكن ليس لدي ثقة في قوات الأمن لحمايتنا".

أشار المحتجون الأربعة للمنظمة إلى أن قوات الأمن الداخلي لم تتدخل لحماية المتظاهرين في النبطية، فيما قال أحدهم إنها تراجعت إلى مقرها في السراي عندما بدأ الهجوم. وبعد ساعة، بحسب المحتجين، تدخل الجيش لفصل المهاجمين عن المتظاهرين من دون اعتقال أي من المهاجمين.

تكرر الأمر في بنت جبيل وصور. وقال أحد المتظاهرين في صور إنه يشعر بأنه "في أي وقت، يمكن أن نتعرض للهجوم. لكن ليس لدي ثقة في قوات الأمن لحمايتنا".

وعلّق نائب مديرة قسم الشرق الأوسط في "هيومن رايتس ووتش" جو ستورك بالقول: "يبدو أن قوات الأمن اللبنانية احترمت إلى حد كبير حق المواطنين في الاحتجاج، لكن ينبغي للسلطات أن تعلن بوضوح أنها لن تتسامح مع هجمات عنيفة وستتوقف عن تفريق الاحتجاجات بالقوة دون سبب".

وأضاف: "إذا كانت السلطات اللبنانية جادة في حماية حق المواطنين في الاحتجاج، ينبغي لها التحقيق في التعديات المزعومة ومحاسبة المسؤولين عنها. عندها فقط سيكون لدى اللبنانيين ثقة كاملة في قدرة قوات الأمن على حمايتهم في معركتهم ضد الفساد وغياب المحاسبة".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard