وصفه البعض بـ"الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر"… جدل في مصر حول مقترح قانون

الجمعة 1 نوفمبر 201903:53 م

خلّف اقتراح برلمانية مصرية لمشروع قانون حول "الحفاظ على الذوق العام" نقاشات واسعة في البلاد، بين مؤيد لخطوة كهذه ومَن يراها توجهاً نحو مزيد من قمع الحريات الشخصية والخاصة.

وكانت العضو في مجلس النواب المصري غادة عجمي، قد تقدمت، في 29 تشرين الأول/ أكتوبر 2019، بمشروع قانون للحفاظ على الذوق المصري العام، يجرم كل ما يمس الذوق العام أو يقلل من احترام الثقافة والتقاليد المصرية أو يسيء إليها.

لا موسيقى وقت الصلاة

وعرّفت عجمي، في المذكرة التفسيرية للقانون، الذوق العام بأنه مجموعة الآداب السلوكية والاجتماعية التي تنضوي تحت إطار اللباقة التي يفرضها المكان والزمان، ومنبعها الثقافة الإنسانية والسلوكيات المتعارف عليها، وتحكمها لائحة تنظيمية يبدأ تنفيذها بعد موافقة مجلس النواب.

وبحسب ما أوضحته عجمي في بيان، فإن القانون المكون من 11 مادة، من المقرر تطبيقه، لدى التصديق عليه، على جميع مرتادي الأماكن العامة، بموجب تنسيق مشترك بين وزارة الداخلية والجهات المعنية.

وحددت البرلمانية الإخلال بالذوق العام في عدة أشكال، بينها التلفظ بأي قول أو القيام بفعل قد يؤدي إلى الإضرار بالموجودين وإخافتهم أو تعريضهم للخطر، وارتداء اللباس غير اللائق. 

وأضافت: "تشمل لائحة المخالفات، السلوكيات الخادشة للحياء التي تتضمن تصرفات ذات طبيعة جنسية، أو رفع صوت الموسيقى داخل الأحياء السكنية، وتشغيل الموسيقى في أوقات الأذان وإقامة الصلاة، وإلقاء النفايات والقاذورات في غير الأماكن المخصصة لها".

وتنص المادة الرابعة من القانون المقترح على أنه "لا يجوز الظهور في مكان عام بزي أو لباس غير محتشم أو ارتداء زي أو لباس يحمل صوراً أو أشكالاً أو علامات أو عبارات تسيء إلى الذوق العام". أما مادته الخامسة فتمنع "الكتابة أو الرسم أو ما في حكمهما على جدران مكان عام، أو أي من مكوناته، أو موجوداته، أو أي من وسائل النقل، ما لم يكن مرخصاً بذلك من الجهة المعنية".

وقالت عجمي إنها تركت للجهات المعنية تحديد نوع العقوبة المفروضة تبعاً للمخالفة المرتكبة، لكنها اشترطت إلزام المخالفين غرامة تراوح بين 500 و 5000 جنيه مصري (بين 31 و 310 دولارات أمريكية).

"نحو تهذيب الشباب"

أشاد عدد من رواد مواقع التواصل الاجتماعي باقتراح عجمي، معربين عن امتعاضهم من "الانحدار الأخلاقي المستشري في صفوف الشباب" بشكل خاص. 

وقال بعضهم إن الألفاظ التي بات يتداولها الشباب في ما بينهم في الأماكن العامة، والملابس التي يرتدونها أصبحت تثير امتعاض العديد من العائلات وتحرمهم الخروج إلى الشوارع برفقة نسائهم بحرية.

أستاذة العقيدة والفلسفة وعضو البرلمان المصري، آمنة نصير، أيدت الفكرة، وقالت لمواقع محلية، في 1 تشرين الثاني/ نوفمبر، إن السلوك والذوق العام فى مصر بلغا حالة يرثى لها ومستوى شديد الانحدار لدى الجنسين بعد التخلي عن العادات والتقاليد التي تربى عليها الآباء والأجداد.

وأشارت إلى أن للأماكن العامة حقوقاً وآداباً يجب اتباعها ومَن يقوم بتصرف يخل بها يجب أن يخضع للمساءلة القانونية وتوقيع العقوبات التي ينص عليها مشروع القانون المقترح.

يجرّم تشغيل الموسيقى وقت الصلاة ويفرض ملابس معينة في الأماكن العامة… برلمانية مصرية تقترح قانوناً لـ"الحفاظ على الذوق العام" يثير جدلاً واسعاً بين المصريين
فريق من المصريين أشاد به معتبراً أن الانحدار الأخلاقي الحالي في مصر، لا سيما في صفوف الشباب، يتطلب "وقفة". لكن الغالبية تعتبره "هزلياً" و"داعشياً"... ما قصة قانون "الحفاظ على الذوق العام"؟

"طرح هزلي غير مقبول"

لكن النسبة الغالبة من المعلقين المصريين عبر مواقع التواصل الاجتماعي انتقدت القانون بشدة، معتبرة أنه "يزيد الحياة في مصر صعوبة"، لذا أطلقت عليه اسم "قانون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر"، في إشارة إلى الهيئة المتشددة التي أحكمت قبضتها على السلوكيات والمظهر في السعودية على مدى عقود.

وتساءل كثيرون: "هل أنهى البرلمان مناقشة جميع مشكلات البلد في مجالات الصحة والتعليم والبنى التحتية والإرهاب وغيرها، ولم يبق أمامه سوى تهذيب الذوق العام؟". وتساءلوا أيضاً: "هل يشمل تطبيق القانون الجميع، بما في ذلك مناطق راقية كالساحل الشمالي أم سيقتصر على الفقراء؟".

وتعجب آخرون من أن تقدم البرلمانية على هذا الاقتراح الذي لم يجرؤ نواب سلفيون متشددون إبان حكم الرئيس المحسوب على جماعة الإخوان المسلمين، محمد مرسي، على تقديمه، بحسب رأيهم.

ووصف البعض عجمي بـ"النائبة" أي المصيبة، كما اتهمها آخرون بـ"الرغبة في الشهرة وحب الظهور" من خلال طرحها مشاريع قوانين جدلية.

وتوصف عجمي بـ"نائبة الأزمات"، إذ لطالما خرجت في مناسبات عدة بمقترحات لحل أزمات، منها اقتراح بإلزام المصريين في الخارج بدفع 200 دولار قبل دخول البلد لحل أزمة العملة الصعبة، وحلق شعر المتحرشين لمواجهة تفشي التحرش في البلاد عام 2016. كما قدمت مقترحات بتحديد النسل ورفع الدعم عن الأسر التي تنجب أكثر من طفلين، علاوةً على حظر النقاب.

في سياق متصل، انتقد الكاتب والمحلل السياسي المصري هاني لبيب، في مقال نشرته صحيفة المصري اليوم المحلية "مثل هذه القوانين التي تعيد مصر إلى عصور الظلام ومحاكم التفتيش، وتسيء للدولة المصرية أكثر مما تدعم مسيرتها نحو المستقبل سواء في صورتنا السياسية أمام دول العالم، أو في سبيل ترسيخ أسس الدولة المدنية".

وذكّر الكاتب بأنه "تم إعدام الفيلسوف اليوناني الشهير سقراط، سنة 399 ق. م من قبل محاكم التفتيش بسبب تهم مماثلة لسياق مقترح قانون الذوق العام" في مصر.

كذلك أشار لبيب إلى أن القانون يتضمن معايير فضفاضة لا تراعي الفروق الزمانية أو المكانية بين مَن سيطبق عليهم القانون، ولا يحدد معايير متسقة للباس المحتشم أو الألفاظ المقبولة وغير ذلك.

وأفاد النائب محمود بدر عبر حسابه على تويتر بأنه أبلغ عجمي بالجدل الذي أثاره قانونها الذي يمثل "تعدياً على الخصوصية"، برأيه.

أما المفكر القبطي كمال زاخر فاعتبر في تصريحات للصحافة المحلية، أن هذا المقترح "تسلل داعشي إلى أروقة البرلمان".

في الأثناء، غرد النائب محمد أبو حامد، عبر تويتر، موضحاً أنه "لا يوجد شيء في البرلمان اسمه قانون الذوق العام أو قانون يسمح بتدخل الدولة في حرية الملبس"، واعتبر أن "كل نائب يقول أفكاراً غير دستورية أو غير عقلانية أو هزلية فهي لا تمثل إلا شخصه ولا يسمح بتداولها داخل البرلمان أو لجانه من الأساس".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard