الفتاة مقطوعة اليدين... كيف وصلت من التراث العالمي إلى حكايات الجدّات العربيات؟

الاثنين 4 نوفمبر 201911:24 ص

لعلّ أكثر طقس تتشارك به البشرية هو رواية الحكايات، سواء أكانت للأطفال أم للكبار، وبالطبع تبعاً لذلك تتغير تفاصيل الحكاية وتبقى الركائز الأساسية فيها. لكن هذه التغييرات لا تتبع العمر فحسب، بل الثقافة والدين. فيغيّر الراوي من الأحداث ما يتناسب مع ثقافته وثقافة متلقيها، ويحافظ على العبرة منها أو يصنع عبرة جديدة.

قد يكون من المستحيل إيجاد الجذر الأساسي لحكاية شعبية، وإن صُنّفت على أنها من التراث الشعبي لمدينة ما، سيجد الباحث مثيلاتها في ثقافات دول بعيدة، ما يجعل تصنيف الحكاية من ضمن تراث ما مرتبط بطريقة روايتها فحسب، لا تأليفها الكامل. ولا شك أن التراث الإسلامي زاخر بالحكايات التي وصلت إلى أوروبا عبر أشكال مختلفة، والعكس أيضاً. وهنا سأورد فرضية تحول موعظة إسلامية لواحدة من أشهر حكايات الأخوين غريم، وهي حكاية الفتاة مقطوعة اليدين.

إن ملكاً من الملوك... منع الصدقة

في كتاب البداية والنهاية الجزء التاسع، يورد ابن كثير: "وقال أبو بكر بن عياش عن أبي حمزة الثمالي عن عكرمة، إن ملكاً من الملوك نادى في مملكته إني إن وجدت أحداً يتصدق بصدقة قطعت يده.." ومختصر الحكاية: منع ملك الصدقة وأمر بقطع يد كل من يتصدّق. فجاء محتاج لفتاة واستحلفها بالله أن تتصدّق عليه، ورغم خوفها من الملك تصدّقت عليه برغيفين لأنه استحلفها بالله، فعلم الملك بذلك وأمر بقطع يديها. بعد فترة يخبر الملك والدته برغبته بالزواج من فتاة جميلة، فتخبره عن واحدة جميلة لكنها بلا يدين، ولما يراها يعجب بها فيتزوجها، وعند اضطراره للسفر للحرب يرسل إلى والدته يطلب منها العناية بزوجته التي صارت حاملاً، فيقع المكتوب بأيدي الضرائر فيغيّرنه ويكتبن للأم أنها فاجرة وأن الطفل من رجل آخر، فاتركيها في الصحراء وعودي بدونها، فتفعل الأم ذلك.

تسير الفتاة مع طفلها بعد تركهما، فتجد نهراً وتحاول الشرب منه فيسقط طفلها فيه، فتبكي وتنوح حتى يأتيها رجلان يسألانها إن كانت تريد أن يخرجا طفلها فتجيب بنعم، فيدعوان الله فيخرج الطفل حيّاً، ثم يسألانها إن كانت تريد عودة يديها فتجيب بنعم، فيدعوان الله فتعود يداها كما كانتا، فيقولان لها: أتعرفين من نحن؟ فتجيب بالنفي، فيقولان إنهما الرغيفين الذين تصدقت بهما للمحتاج.

المورسكيون وقصة "كركايونة العذراء مقطوعة اليدين"

وفي رواية إسلامية أخرى: كان المورسكيون (المسلمون في إسبانيا) بعد سقوط الأندلس وتعرّضهم للاضطهاد من محاكم التفتيش، يحاولون الحفاظ على دينهم سرّاً، فلمّا عجز بعضهم عن الهجرة، اضطروا للتنصّر شكلياً وممارسة الطقوس الإسلامية في السر. يذكر ماثيو كار في كتاب "الدين والدم، إبادة شعب الأندلس، أشكال الممارسات الإسلامية السرية، والفتاوى التي أجازت لهم النفاق في سبيل النجاة، كما كان رجال الدين يذكّرون النساء بواجبهن في مقاومة العقيدة الكاثوليكية. فكانت إحدى أشكال المقاومة هي رواية القصص الدينية، وبالطبع كانت هذه القصص مخبأة عن أعين الكنيسة، ولم تُكتشف إلا في القرن التاسع عشر على يد الإسباني باسكوال غايانغوس.

احتوت المخطوطات المكتشفة نصوصاً من القرآن وسيرة النبي وبطولات القادة المسلمين. ووجدت أيضاً بعض الحكايات كان أشهرها "كركايونة العذراء مقطوعة اليدين"، وهي كما يوردها ماثيو كار: الفتاة التي "هدتها إلى الإسلام حمامة ذهبية، وقطع أبوها الوثني يديها لإسلامها. طردت كركايونة من بيتها بسبب معتقداتها، وعاشت في كهف في رعاية الحيوانات البرية إلى أن وقع ملك أنطاكية في حبها وتزوجها. وحين دفعتها زمرة غيورة في بلاط الملك إلى البرية مرة أخرى، أنقذها أصدقاؤها الحيوانات وأعيدت يداها بمعجزة، كمكافأة لها على إيمانها وورعها، قبل أن ينقذها زوجها أخيراً ويعيدها إلى العرش".

في القرن التاسع عشر جمع الأخوان غريم الحكايات الشعبية الألمانية من جميع أنحاء ألمانيا، وكانت إحدى هذه الحكايات هي حكاية الفتاة مقطوعة اليدين، وهي تشبه قصة ترويها الجدّات العربيات، فكيف وصلت إلينا؟ 

تختلف هذه الرواية بالفعل من حيث الأحداث عن التي وردت عند ابن كثير، وقد يعود سبب ذلك إلى التناقل شفاهياً، فالكتب الدينية لم تتوفر عند مسلمي إسبانيا، بل حتى أن بعضهم كان يتعلم الطقوس الدينية من قائمة الطقوس الإسلامية الممنوعة في قوائم محاكم التفتيش. هناك احتمال أن تكون حوّرت عمداً لتفي بغرض التمسك بالدين، لكن الاحتمال الأقرب هو عدم وجود مخطوطات مكتوبة فيتم ملء الفراغات من خيال الراوي.

قصة من التراث الموريسكي عن الفتاة كركايونة... قطع أبوها الوثني يديها لإسلامها، وعاشت في كهف في رعاية الحيوانات البرية وأعيدت يداها بمعجزة، كمكافأة لها على إيمانها وورعها...

الأخوان غريم والحكايات الشعبية الألمانية

في القرن التاسع عشر جمع الأخوان غريم الحكايات الشعبية الألمانية من جميع أنحاء ألمانيا، وكانت إحدى هذه الحكايات هي حكاية الفتاة مقطوعة اليدين، والتي تعرف على أنها واحدة من أقسى الحكايات الشعبية، وهي باختصار كما وردت في كتاب حكايات الأخوين غريم، ترجمة نبيل حفار: عن طحّان يعيش مع زوجته وابنته الوحيدة في فقر شديد، وفي أحد الأيام يقابل رجلاً غريباً "هو الشيطان" ويعقد معه صفقة يمنحه من خلالها الذهب مقابل أن يأخذ ما وراء الطاحونة. يوافق الطحّان على الصفقة ظناً منه أن ما وراء الطاحونة هو شجرة التفاح، وبعد الموافقة يتحول حتى النهر قرب بيته إلى ذهب، إلا أنه يكتشف أن مراد الشيطان هو ابنته لا شجرة التفاح.

بعد ثلاث سنوات يعود الشيطان ليأخذ الفتاة، فيعجز عن ذلك لطهرها، ما يجعله يطلب من والدها منع الماء عنها، فيفشل مجدداً في أخذها لأنها تطهرت بدموعها. في النهاية يطلب الشيطان قطع يديها فيفعل ذلك، ورغم أنها فقدت يديها بقيت طاهرة فيستسلم الشيطان. تقرر الفتاة الرحيل عن منزل والدها تجنباً للشفقة، وأثناء رحلتها ترى شجرة داخل قصر، لكن الوصول للقصر مستحيل بسبب الخندق الذي يحيط به، فيجفف الملاك الخندق ويجعلها تصل إلى هناك. في القصر يراها الأمير ويتزوجها وينجبان معاً طفلاً، بعد فترة يضطر الأمير للسفر. تلد الفتاة طفلها فتكتب والدة الأمير لابنها تخبره عن المولود الجميل، فيغير الشيطان الرسالة ليقول فيها أنها ولدت مسخاً، يظل الشيطان يتلاعب بالرسائل حتى تصل رسالة من الأمير غيّرها الشيطان كذلك- يطلب من والدته فيها قتل الفتاة والطفل، إلا أنّ الأم ترسلها إلى الخارج وتذبح حيواناً بدلاً منها. وعند عودة الأمير يكتشف ما حدث فيخرج للبحث عنها ويجدها في رعاية ملاك بعد سبع سنوات وقد نمت يدها من جديد.

هذه الرواية تشبه كثيراً الرواية المورسكية من حيث أن الأب هو من قطع يدي ابنته، ثم الخروج والزواج والمؤامرة، وأيضاً المساعدة التي تتلقاها ثم المعجزة والنهاية السعيدة. والاختلافات في الروايتين هي اختلافات ثقافية دينية، ففي رواية الأخوين غريم نجد الملاك بدلاً من الحيوانات، والشيطان هو من يحيك المؤامرات، وسبب قطع يدي الفتاة هو طهرها وليس دينها.

الأرجح أن الحكاية الألمانية أخذت عن المورسكية، إذا ما أخذنا بعين الاعتبار الأقدمية لدى المخطوطات التي وجدت في إسبانيا، بالإضافة إلى الدين المزدوج لدى المورسكيين والذين تنصّر بعضهم بشكل حقيقي، فربما أخذوها ونقلوها لتتناسب مع الدين المسيحي. أيضاً هناك رواية ابن كثير التي تسبق الأخوين غريم بعدّة قرون، والتي وصلت ربما مع حكايات ألف ليلة وليلة، ففي نسخة الشيخ محمد قطة العدوي، تحكي شهرزاد في (الليلة الثامنة والأربعون بعد الثلاثمائة) حكاية الصدقة نفسها الواردة في كتاب البداية والنهاية.

الجدّات العربيات يروين حكاية الفتاة مقطوعة اليدين شفاهاً

أما في العصر الحديث، لمّا ثبتت الرواية الألمانية في كتاب الأخوين غريم، ما زالت الجدّات العربيات يروين حكاية الفتاة مقطوعة اليدين شفاهاً. تروي سيّدة من مدينة سراقب في إدلب حكاية "مقطّعة الديّات": فتاة تريد زوجة أبيها التخلص منها، فتحبسها في المطبخ وحيدة. من شدّة وحدة الفتاة، تنتظر إطلالة البدر على شباك المطبخ الصغير كل مرة، وحين يطّل تغني له: "يا هلا بمسلّي الحبايب، بالليل عندي وبالنهار غايب". تستغل زوجة الأب ذلك فتخبر زوجها أن ابنته تخفي رجلاً في فراشها، وتسمعه أغنية الفتاة من خلف الباب، ولإكمال مكيدتها كانت قد وضعت دمية بحجم رجل بين يدي الفتاة أثناء نومها، ولمّا دخل الأب ورآها صدّق زوجته فأخذ فأسه وقطع يدي الفتاة.

ترحل الفتاة عن منزل والدها بعد الحادثة، وأثناء ترحالها يراها خيّال فيعجب بها ويتزوجها، وتحمل منه بتوأمين. يضطر الزوج للسفر وأثناء ذلك تلد توأميها، إلا أن والدته تطردها من المنزل لأنها مقطوعة اليدين. وعند عودة ابنها تخبره أنها ماتت أثناء الولادة مع الطفلين. أثناء رحلة الفتاة تجد نهراً فتحاول الشرب منه، إلا أنه تسقط طفليها فيه عند محاولتها الشرب، فتضع ذراعيها في الماء وتبكي، فتتفاجأ بعودة يديها مجدداً وكل يد تحمل طفلاً. وزوجها الذي لم يصدق أمه خرج للبحث عنها، وكذلك والدته، وعندما يجدانها لا يعرفانها لأنها تملك يدين الآن، فتحكي الفتاة لطفليها قصتها، ما يجعلهما يدركان أنها هي، فتعاقب زوجة الأب وحماتها بأن ربطتا على أرجل الخيل العطشانة والمنطلقة إلى الماء البعيد.

تقول السيدة التي روت الحكاية أنها سمعتها هكذا، ولا تعرف أي رواية أخرى لها. ورغم أن قصص الأخوين غريم هي الأكثر انتشاراً إلا أننا لا نظنّ أنها هي المصدر، فمقطوعة اليدين لم تنتشر عبر الأنميشن إلا مؤخراً –عام 2016- أو قصص الأطفال المصورة، كسندريلا وذات الرداء الأحمر وغيرها.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard