"الحرية أو الشهادة"... الناشط المغربي السجين ربيع الأبلق مستمر في الإضراب عن الطعام

الجمعة 25 أكتوبر 201906:15 م

"لا نملك وسيلة للدفاع عن أنفسنا سوى إهلاك أجسادنا بإضرابات عن الطعام". هكذا عبّر ربيع الأبلق، أحد أبرز النشطاء المعتقلين على خلفية "حراك الريف المغربي"، عن اليأس وانقطاع الأمل تجاه كل آليات الضغط والدفاع التي سلكها مع رفاقه الموزعين على سجون المغرب.

منذ السادس من أيلول/ سبتمبر الماضي، يخوض ربيع الأبلق إضراباً عن الطعام تحت شعار "اللاعودة"، رافضاً تعليقه قبل استجابة السلطة لمطالب معتقلي "حراك الريف" الاجتماعية والاقتصادية، بالرغم من حالته الصحية المتدهورة، حسب متتبعين عن قرب لوضعه في سجن طنجة المحلي، شمال المغرب، حيث يقبع بمعية 14 من رفاقه.

تدهور صحة ربيع... تأكيد الأسرة ونفي "السجون"

جسمٌ هزيل، وأطراف تكاد لا تقوى على الحركة، ولسانٌ ثقيل يترجم عدم قدرته على الكلام، ويجعل المرء يتعرف على وضعه الصحي بمجرّد مكالمة هاتفية، دون أن يفصح عمّا ينتابه من ألم... هكذا تصف عائلة ربيع الأبلق، المحكوم بخمس سنوات سجن نافذ حالة ابنها الجائع للحرية، والذي خاض تجربة سابقة في الإضراب عن الطعام في أيار/ مايو 2017.

لكن إدارة السجن المحلي في مدينة طنجة (شمال المغرب) نفت عبر بيان دخول الأبلق في إضراب عن الطعام، معتبرة أن نشاطه اليومي يؤكد أن حالته الصحية عادية، في ظل رفضه الخضوع لعملية قياس المؤشرات الحيوية من طرف طبيب السجن.

واتهمت الإدارة جهات خارج السجن بالترويج لما سمّته بـ"مجموعة من الأكاذيب" بقصد تضليل الرأي العام، "من خلال ادعاء أن حالة السجين المعني حرجة جراء خوضه إضرابا عن الطعام، وذلك خدمة لأجندات خاصة".


بعد بيان إدارة السجن، أبى ربيع إلا أن يخرج عن صمته، ويكذّبها، في مكالمة هاتفية نقلها شقيقه عبد اللطيف، عبر حسابه في موقع فيسبوك حيث أشار إلى وجود "آلة تصوير" مثبّتة أمام زنزانته.

نقل عن أخيه السجين: "أتحداهم أن يثبتوا زيارة الطبيب لي، مع أن القانون يُحتّم في الحالات العادية على إدارة المؤسسات السجنية إخضاع السجناء للمراقبة الطبية بشكل دوري". أما عندما يكون المرء مضرباً عن الطعام، يضيف الأبلق، "فمراقبة الوضع الصحي للسجين تكون إلزامية، إلا أن شيئاً من هذا لم يحدث".

وذكر استثناء حصل في 17 تشرين الأول/ أكتوبر، أي بعد خمسة أسابيع من إعلان إضرابه عن الطعام، وبعد انتشار حملة التعاطف معه عبر مواقع التواصل الاجتماعي، ففي ذلك اليوم فقط، زاره طبيب المؤسسة "من أجل التذكير بموعد طبيب العيون"، ثم جرت في 20 أكتوبر زيارة طبية "مفاجئة" مع وفد المجلس الوطني لحقوق الإنسان (مؤسسة حكومية). واستنكر تصريحات الإدارة حول رفضه الخضوع للمراقبة الطبية، وتسلّم وجباته الغذائية.

رعاية صحية أم إهمال بعد "تهديد"؟

في وقت تنفي فيه إدارة السجن تدهور صحة السجين، وتتحدث عن الاعتناء به على الدوام، يصر حقوقيون ومحامون على إثبات وجود "سياسة إهمال متعمّدة" تُمارَس بحق ربيع الأبلق، وتستهدفه شخصياً.

في هذا الصدد، يشير المحامي محمد أغناج، عضو الدفاع عن معتقلي حراك الريف، إلى وجود "إهمال متعمّد" بحق ربيع الأبلق، ويقول إن إدارة السجن لا تأخذ بعين الاعتبار أبداً كون حياته في خطر".

ويضيف لرصيف22: "نفترض أنها لن تستجيب لمطالبه، ولكن على الأقل كان عليها اتخاذ إجراءات من شأنها حِفظ حياته، دون الاستمرار في سَجنه مع عدم زيارة الطبيب"، متأسفاً على الحال الذي وصل إليه المعتقل بالقول: "مؤسف جداً، لا أستطيع القول أكثر من هذا".

حتى نتابع الوضع في صورته الكاملة، وبخلفيات أوسع، نستعرض تسلسل أحداث قصة ربيع الأبلق، منذ توقيفه عام 2017، مروراً بمحاكمته، وظروف اعقتاله، وانتهاء بـ"الإضراب الأخير".

في أوج اشتعال تظاهرات الريف التي انطلقت عام 2016، داخل الحسيمة وضواحيها (شرق شمال المغرب)، احتجاجاً على طحن بائع سمك في شاحنة نفايات، شنّت السلطات المغربية حملة اعتقالات واسعة في أيار/ مايو 2017، استهدفت 57 ناشطاً، قبل أن تأخذ في الاتساع أكثر لتطال أكثر من 500 معتقل حسب منظمات حقوقية، من بينهم ربيع الأبلق، الشاب الذي كان ناشطاً في قلب "ربيع ريفه"، والصحافي الذي كان ينقل وقائع وأحداث حراك منطقته، مراسلاً لصحيفة "بديل"، قبل إيقاف مسيرته بتوقفيه، والحكم عليه في حزيران/ يونيو 2018، بخمس سنوات سجن، وغرامة قدرها 2000 درهم، بتهمة "ترويج أخبار زائفة" و"انتحال مهنة الصحافة".

عن طريق عبد اللطيف الأبلق، شقيق ربيع، ومحامين من هيأة الدفاع عن نشطاء الريف، نمر عبر اليوم السابع عشر من شهر تموز/ يوليو 2017، حين كشف المعتقل أمام قاضي التحقيق في محكمة الاستئناف في الدار البيضاء أثناء الاستنطاق التفصيلي، "تورّط شخصيات نافذة داخل الدولة في مساومته" للإيقاع بناصر الزفزافي، زعيم حراك الريف، المحكوم بـ20 سنة سجناً نافذاً، وهو ما أكده المحامي عبد الصادق البوشتاوي، أحد أعضاء فريق الدفاع عن المعتقلين، عبر تدوينة على حسابه الرسمي على فيسبوك، أوضح فيها أنه كان حاضراً، برفقة زملائه، عندما ذكر ربيع الأسماء مع رقم هاتف أحدهم، "ليتم إدراج أقوال المعتقل ضمن قرار الإحالة لدى قاضي التحقيق، الذي تضمّن أيضاً تفاصيل حول تعذيبه من طرف الفرقة الوطنية للشرطة القضائية، وإرغامه على توقيع محضر لم يُسمح له بالاطلاع على مضمونه"، حسب المصدر ذاته.

يرى خالد البكاري، الحقوقي المغربي، أنه بعد فشل محاولة رشوة ربيع الأبلق من أجل توريط ناصر الزفزافي في جريمة تلقي أموال من الخارج للمس بأمن الدولة، وفشل تغيير أقواله في أحداث أخرى مثل "معاينته مقتل أحد أصدقائه المقربين من طرف رجال الأمن قبل الحراك"، جرى "تعذيب ربيع في مخافر الشرطة، ثم أتت المحاكمة الظالمة، وأخيراً نقض العهود التي قُدّمت بعد إضرابات متعددة عن الطعام داخل السجن".

ويضيف أن كل ذلك "غيض من فيض لفهم سيكولوجية ربيع في رفضه لواقع الاحتجاز، الذي ربما يدمّره نفسياً ويرهقه ذهنياً، فما عاد يطيق التكيف معه، لأنه يعتبر التكيف مع واقع الاعتقال تصالحاً مع الظلم وقبولاً به".

يعيدنا عبد اللطيف الأبلق إلى بعض تصريحات شقيقه حول وضعه داخل سجن عكاشة في الدار البيضاء، حيث كان معتقلاً قبل ترحيله إلى طنجة عقب إصدار الأحكام النهائية، ويذكر لرصيف22 قوله بالحرف: "بينما نحن في محكمة الاستئناف في الدار البيضاء عمدت إدارة المؤسسة السجنية إلى تفتيش زنازيننا وبالضبط يوم الثامن والعشرين من نوفمبر 2017".

ويشير إلى أن الأمر لم يقف عند هذا الحد. ينقل عنه قوله: "تم العبث بمشروب غازي كان داخل الزنزانة، الأمر الذي كِدتُ أفقد معه حياتي بعد أن شربت منها".

ويلفت عبد اللطيف الانتباه إلى أنه "تم فتح تحقيق كالعادة، إلا أنه لم نسمع أي شيء إلى يومنا هذا، عن نتيجة التحقيق، وعن الذي وقع في ذلك اليوم، وعن المتورطين".

إهمال متعمّد؟

أقوالٌ أمام قاضي التحقيق تستحضر أسماء شخصيات نافذة، وتخبره عن تهديد بالقتل داخل السجن في حال التحدث حول موضوع المساومة، حسب دفاع المعتقل، وتفتيش لزنزانة صَحِبَه عبثٌ بمشروب غازي كاد أن ينهي حياة ربيع، حسب إفادة شقيقه لرصيف22، كل هذا يصنع السؤال في ذهن المُتَتبّع، حول ما إذا كان هنالك أي رابط بين أقوال المعتقل أمام القاضي خلال جلسات المحاكمة، و"سياسة الإهمال" التي يقول حقوقيون ومحامون إنها "مُتعمّدة" في حق ربيع الأبلق الذي يصارع الجوع من أجل الحرية؟

كان المعتقلون في المغرب عموماً لا يلجأون إلى الإضراب عن الطعام إلا إذا تعلق الأمر بالمطالبة بتحسين ظروف السجن، ولكن تعبيرات معتقلي حراك الريف خرجت عن المألوف تماماً، وبدأ الاتجاه نحو إيلام الجسد من أجل مطلب واحد فقط: الحرية
"لا نملك وسيلة للدفاع عن أنفسنا سوى إهلاك أجسادنا بإضرابات عن الطعام". هكذا عبّر ربيع الأبلق، أحد أبرز النشطاء المعتقلين على خلفية "حراك الريف المغربي"، عن اليأس وانقطاع الأمل تجاه كل آليات الضغط للمطالبة بالحرية

حاول رصيف22 التواصل مع أمينة بوعياش، رئيسة المجلس الوطني لحقوق الإنسان في المغرب (مؤسسة دستورية) عبر اتصال هاتفي، غير أنها لم تجب، كما حاول ربط الاتصال بمكتب المجلس في الرباط، إلا أن الهاتف ظل يرن دون مجيب، رغم العِلم المُسبَق باتصال مراسل الموقع.

في حين أصرّ المندوب الوزاري المكلّف بحقوق الإنسان، أحمد شوقي بنيوب، على تأجيل الاتصال، ووعد بالتواصل في ما بعد بشأن قضية ربيع الأبلق.

"أنقذوا الأبلق"... حقوقيون في مرمى سلطة السجون

في خطوة ميدانية لدق ناقوس الخطر، طالب عشرات المتظاهرين الحقوقيين، مطلع الأسبوع الجاري، بالإفراج عن ربيع الأبلق، في وقفة احتجاجية أمام البرلمان المغربي في الرباط، كان قد دعا إليها الائتلاف الديمقراطي من أجل إطلاق سراح المعتقلين السياسيين وفك الحصار عن الريف، الذي أرسل في اليوم ذاته رسالة مستعجلة إلى المندوب العام لإدارة السجون وإعادة الإدماج، محمد صالح التاملك، من أجل الحصول على ترخيص لزيارة المعتقل.

كما أقدمت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان (مستقلة)، من بين مكونات الائتلاف المذكور الذي يتشكّل من 36 هيئة حقوقية وحزبية، على مراسلة كل من وزير العدل، ووزير الدولة المكلف بحقوق الإنسان والمجتمع المدني، ورئيسة المجلس الوطني لحقوق الإنسان، والمندوب الوزاري لحقوق الإنسان، والمندوب العام لإدارة السجون، بغرض التدخل العاجل من أجل إنقاذ حياة المعتقل السياسي الذي يخوض "إضراب اللاعودة" عن الطعام.

وبعد أقل من 24 ساعة، جاء الرد من مندوبية السجون، عن طريق إدارة السجن المحلي في طنجة، التي هاجمت مجدداً الجمعيات الحقوقية والأحزاب متهمة إياها بـ"الاسترزاق" على حساب قضية ربيع الأبلق، وجددت القول في بيان في 22 تشرين الأول/ أكتوبر، إن "الحالة الصحية لهذا السجين عادية، كما يتبين ذلك من خلال تحركاته داخل الزنزانة وفي ساحة الفسحة"، على خلاف ما وصفته بـ"الادعاءات الكاذبة" التي "تصرّ على ترويجها جهات معينة تستغل وضع الأبلق لتحقيق مصالح خاصة من خلال الاسترزاق بقضيته، غير آبهة بانعكاسات ضغوطها الممارسة عليه وعلى غيره من السجناء من نفس الفئة".

يقول الحقوقي المغربي خالد البكاري لرصيف22 إن بيان المندوبية "رد متهافت"، لأنه "وقع في تناقض من خلال نفي الإدارة إضراب ربيع عن الطعام في بيانها الأول، ثم اتهامها الحقوقيين في البيان الأخير بالمتاجرة في صحة ربيع الأبلق الجسدية والصحية وهو ما يعد اعترافاً بالإضراب عن الطعام".

ويشير إلى أن البيان جعلها تتقمص وظيفة ليست من مهامها "إذ اتهمت الحقوقيين بخدمة أجندة معادية للمغرب، وكأنها نيابة عامة"، في حين "كان من المفروض أن تقدّم الدليل على مزاعمها بكون المعتقل ربيع الأبلق غير مضرب عن الطعام، وهو الأمر غير الصحيح".

وكان للمنظمات الدولية أيضاً نصيب من هذه الردود، فبعد أن طالبت منظمة "مراسلون بلا حدود" التي يوجد مقرها في العاصمة الفرنسية باريس بإطلاق سراح ربيع الأبلق في أقرب الآجال، ردّت المندوبية العامة لإدارة السجون، في 23 تشرين الأول/ أكتوبر، في بيان شديد اللهجة، بالقول: إن "جهات تدّعي الدفاع عن حقوق الإنسان لجأت إلى خدمة أبواق لا علاقة لها بالدفاع عن حقوق الإنسان، من قبيل منظمة مراسلون بلا حدود التي استغلت الملف في محاولة للمس بسمعة الدولة المغربية"، مضيفة أن "مطالبة المنظمة بالإفراج عن السجين المذكور يُعتبر تدخلاً سافراً وفاضحاً في شأن داخلي، ومسّاً بقرارات قضائية صادرة عن قضاء مستقل".

واتهمت الجهات الحقوقية بأنها "تمادت في غيها بمواصلة تأزيم وضعية هذا السجين، وعدم الاكتراث بمصلحته الشخصية، والحفاظ على سلامته النفسية والجسدية بهدف تضليل الرأي العام من خلال التظاهر بالقلق على حياته".

وكانت منظمة "مراسلون بلا حدود" قد عبّرت في 22 أكتوبر "عن عميق انشغالها بالوضع الصحي للصحافي المواطن ربيع الأبلق الذي يخوض إضراباً عن الطعام"، كما أبدت رفضها لـ"إنكار وضعه الصحي المتردي" من قبل السلطات، لافتةً الانتباه في البيان ذاته إلى المرتبة المتدنية التي يحتلها المغرب، في التصنيف العالمي لحرية الصحافة الذي تصدره المنظمة سنوياً، إذ حل في المرتبة 135 ضمن 180 دولة شملها تصنيف عام 2019.

ما الحل أمام المغرب؟

بعد أن كان المعتقل عموماً لا يلجأ إلى الإضرابات عن الطعام إلا إذا تعلّق الأمر بتحسين ظروف السجن، وصون الحقوق داخل أسواره، مع تسطير ملف مطلبي مُنحصر في شروط الاعتقال، يُلاحَظ أن تعبيرات معتقلي حراك الريف، ومن بينهم ربيع الأبلق، خرجت عن المألوف تماماً، وبدأ الاتجاه نحو إيلام الجسد من أجل مطلب واحد فقط، وهو "العودة إلى الريف".

يفسر الحقوقي المغربي، خالد البكاري، التعبيرات الاحتجاجية الجديدة لمعتقلي الحراك، مثل "تخييط الأفواه، والإضرابات الطويلة عن الطعام"، على أنها تعبير عن "عدم الثقة في مؤسسات الدولة، واليأس من إمكانية أن تعمد المؤسسات الرسمية لتصحيح أخطاء الدولة في هذا الملف، ولذلك فهم يضغطون بهذه الأشكال الراديكالية في محاولة لإسماع صوتهم وإعلان رفضهم".

ويضيف لرصيف22: "طبعاً، هي أشكال غير مألوفة في أعراف الاعتقال السياسي، لكننا اليوم أمام معادلة صفرية: الشهادة أم الحرية"، معتبراً أنها "معادل موضوعي لما يقع من راديكالية في الاحتجاجات الاجتماعية الجديدة مثل إحراق الذات، والنزوح الجماعي نحو حدود دولة مجاورة، والتخلي عن الجنسية".

وفي رسالة موجّهة إلى السلطات المغربية، قال الأكاديمي والحقوقي البكاري، مشيراً إلى الأحداث التي تشهدها الجزائر والسودان ولبنان، إن "البلاد مقبلة على سَنة صعبة من الناحية الاقتصادية، وبالنظر لما يقع في المحيط الإقليمي من توترات وحركات، أعتقد أنه من الحكمة التعجيل بحدوث انفراج حقوقي، عبر إطلاق سراح جميع معتقلي الرأي، وفي مقدمتهم معتقلو حراك الريف".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard