أحدهم اعتبره عبث للضحك وآخر أعلن إسلامه... قصص يهود ادعوا أنهم "المسيح المخلّص"

الأحد 10 نوفمبر 201910:48 ص

عام 44، زعم اليهودي ثيوداس أنه المسيح المنتظر، فاتبعه جمهور كبير من اليهود، اجتمع بهم على نهر الأردن، وادعى أنه سيفلق ماء النهر ويحوّله إلى يابسة مثل النبي موسى ليعبر بالشعب.

علم الحاكم العسكري الروماني للمنطقة كوسفيوس بودوس بأمر ثيوداس وأرسل له كتيبة من الفرسان، فقتلت من هؤلاء اليهود عدداً كبيراً، وقطعت رأس الزعيم وحملته معها إلى قائدها.

وبحسب نبيل أنسي الغندور، في كتابه "المسيح المخلص في المصادر اليهودية والمسيحية"، فإن المسيح المخلص في اليهودية هي فكرة غيبية، مؤداها ظهور ملك من نسل النبي داوود يجمع شتات اليهود في فلسطين، ويشيّد الهيكل، ويعيد العبادة القربانية إلى سابق عهدها.

شروط المجيء

يذكر الدكتور حسن ظاظا، في كتابه "الفكر الديني الإسرائيلي/ أطواره ومذاهبه"، أن الحوادث الجسام التي تعرّض لها اليهود إبان السبي البابلي، وما سبقه من فساد ملوك بني إسرائيل، جعلت كثيراً من المصلحين اليهود يحلمون بأن يأتي ملك فذ من نوعه، مخلّص، معه القوة والبركة، ليعيد الأمجاد السالفة، فيكون هو الملك بحق، على أن يأتي إيليا النبي مبشراً به. 

وبحسب ظاظا، لم يؤمن اليهود بالمسيح عيسى بن مريم عند قيامه بدعوته، لأنهم تعللوا بأن الشروط التي وردت عند الأنبياء السابقين حول المسيح المنتظر وزمانه لم تتحقق به، فالنبي إيليا لم ينزل مبشراً له، إضافة لشروط أخرى وردت في سفر النبي إشعيا بالإصحاحين الحادي عشر والخامس والستين، كأن يسكن الذئب مع الحمل، ويربض النمر مع الجدي والعجل، وشبل الأسد مع دابة العلف، وترعى البقرة والدب معاً، ويأكل الأسد تبناً كالبقر، ويلعب الرضيع على حجر الثعبان. وقد رأى اليهود أن كل هذا لم يتحقق بمجيء النبي عيسى.

الأصفهاني وتلميذه يوجدان... حسابات خرافية

على كلٍ، لم يكن ثيوداس اليهودي الوحيد الذي زعم أنه المسيح المنتظر، ففي العصر الإسلامي داعبت الفكرة خيال اليهود من جديد عبر إسحق بن يعقوب عُوبديا المعروف بـ"أبي عيسى الأصفهاني"، والذي عاش في عهد الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان (685-705).

وبحسب ظاظا، وُلد هذا الرجل في أصفهان في بلاد فارس، ونال الشريعة اليهودية بالتغيير والتبديل، ثم خلفه تلميذه يوجدان الذي ادعى بدوره أنه المسيح المنتظر، وصدقه كثر، معتمدين على حسابات خرافية أساسها أن بين يوجدان هذا وبين النبي دانيال 1335 سنة، وتوهموا أن هذه المدة هي التي بشّر بها الأخير ببعث المسيح بعدها، وقد أطلقوا عليه "الراعي" وإليه تُنسب طائفة اليوجدانية من اليهود.

سيرينوس... دعوة دينية انتهت بـ"الضحك"

في أيام عمر بن عبد العزيز (717-720)، ظهر مسيح آخر في سوريا اسمه سيرينوس سعى إلى إقامة مجتمع يهودي مبني على الحرية المطلقة، فيه كثير من الفوضوية، بحجة تحرير اليهود من سلطة الحكام المسلمين، فقال بإلغاء السلطة الملوكية، وتعطيل شرائع التلمود، والصلوات، وإلغاء عقود الزواج، ورفع الحظر عن المحرمات في الطعام والشراب.

استمر سيرينوس في دعوته إلى أيام الخليفة يزيد بن عبد الملك بن مروان (720- 724) الذي ألقى القبض عليه، فأنكر جديته في هذه الدعوة، وقال إنه كان يعبث لمجرد الضحك، فأرسله الخليفة إلى بعض اليهود المتمسكين بدينهم ليتوب، وهكذا انتهت حركة سيرينوس، حسب ما روى ظاظا.

إثر ذلك رغب عدد كبير من اليهود الذين اتبعوا سيرينوس في العودة إلى الديانة اليهودية الرسمية، ولكن أكثر الحاخامات كانوا يميلون إلى الاستمرار في اعتبار هؤلاء كُفاراً، لا يمكن قبولهم في الدين من جديد، ومع ذلك قُضي في النهاية باستتابتهم وعودتهم إلى اليهودية.

داوود الرائي... انتزاع القدس من العرب

على نفس النهج، سار داوود بن سليمان المعروف بـ"داوود الرائي" المولود في مدينة آمد في إقليم كردستان (ديار بكر في تركيا الآن) عام 1135، وفق ما روى الغندور في كتابه موضحاً أن الرائي بدأ الادعاء أنه المسيح المنتظر عام 1163، فنادى بين يهود بغداد وما حولها بالذهاب إلى القدس وانتزاعها من أيدي العرب وإعلان حكم يهودي فيها يعيد مملكة داوود وسليمان.

لم تكن تلك الدعوة مجرد نزوة فكرية، ولكنها كانت قائمة على تخطيط مدروس، كما ذكر الغندور، حيث أن الصليبيين كانوا آنذاك يحاولون ضعضعة العالم العربي، فتنبه الرائي إلى ذلك وأراد أن يغتنم الفرصة لتحقيق أهدافه، فسمّى نفسه "مناحم" ومعناها بالعربية "المُواسي" ثم أطلق على نفسه "الملك المخلص المسيح".

تحمست للرائي أعداد كبيرة من اليهود خاصة الذين كانوا يعيشون في إقليم أذربيجان، فكوّنوا جيشاً من المتطوعين وضعوه تحت قيادته، ثم راح يرسل سراً إلى يهود الموصل وبغداد بأن ساعة الخلاص قد حانت، ويطلب منهم مساعدته على تحقيق هذا الهدف بالقيام بأقصى ما في وسعهم من أعمال التخريب والإرهاب وإشاعة الفوضى.

وقرر الرائي أن يشن هجوماً حربياً بجيشه على المسلمين، ورأى أن يبدأ بالاستيلاء على مدينة آمد التي ولد فيها، ولكن جيوش المسلمين فتكت به وأحبطت هجومه، وقُتل هو نفسه في المعركة.

وبحسب الغندور، سرعان ما تحول الرائي بعد قتله إلى أسطورة حافلة بالمعجزات الخرافية، حتى أن بعض المؤمنين به بقوا زمناً طويلاً ينتظرون دعوته. وكانت فرقتهم تُسمى "النحمانيين" نسبة إلى "مناحم" التي اتخذها الرائي اسماً له.

داوود الرأوبيني... وريث مملكة خيبر

أما داوود الرأوبيني فطلب الدعم من الخارج لتحقيق هدفه، لكن الأمر انقلب عليه.

وروى الغندور أن الرأوبيني وُلد عام 1490 في خيبر بالقرب من المدينة المنورة، وبدأ دعوته بقوله إنه الوريث الشرعي لعرش مملكة خيبر اليهودية التي أسقطها المسلمون، فأرسل إلى بابا روما كليمنت السابع وإلى ملوك أوروبا يطلب منهم أن يمدوه بالأموال والأسلحة حتى يحارب العرب.

استقبله البابا في الفاتيكان عام 1524، وفي العام التالي أُقيم له استقبال رسمي في قصر ملك البرتغال جون الثالث، وكثر أتباعه في أوروبا وذاع صيته بين اليهود جميعاً.

ولكن حدث أن كثيراً من اليهود الذين كانوا قد تنصروا تحت ضغط محاكم التفتيش المسيحية في إسبانيا والبرتغال بدأوا بترك المسيحية والتهوّد من جديد، وكان من بين هؤلاء دييغو بيريز الذي اتبع هذا المسيح وعاد إلى اليهودية باسم سلومون مولخو.

وبحسب الغندور، أحدث ذلك رد فعل سيء بالنسبة للروأبيني، خصوصاً بعد أن تقرر إحراق مولخو علناً لخروجه من المسيحية، إذ ثارت حوله (أي الرأوبيني) الشكوك بأنه يبشر باليهودية بين المسيحيين، فقُبض عليه في إسبانيا وأودع في السجن حتى مات مسموماً عام 1535.

شبتاي تسيفي... إظهار الإسلام وإضمار اليهودية

رغم أن فكرة المسيح المنتظر شغلت خيال كثير من اليهود، لكن ظل شبتاي تسيفي حالة خاصة لما اكتنف تجربته من تحولات غريبة.

بحسب هاني عبد العزيز السيد سالم، في دراسته "الحركات اليهودية المسيحانية في ظل الإسلام: حركة شبتاي تسيفي نموذجاً"، فقد وُلد شبتاي في إزمير التركية عام 1626، وكان والده أحد المهاجرين الإسبان ويعمل تاجراً.

وطبقاً لعلم الجيماتريا (الأرقام)، تخيل شبتاي أن عام 1648 سيكون عام مجيء المسيح المنتظر، وعندما أوشك هذا العام على الانتهاء دون أن يظهر المسيح، وتزامن ذلك مع وقوع اضطهاد لليهود في بولندا وأوكرانيا، أعلن شبتاي لمريديه أنه هو المسيح، وأنه جاء لتخليص اليهود من الأسر وحملهم إلى أرض الميعاد، ما دفع حاخامات إزمير لإباحة قتله.

أدرك شبتاي أن التوفيق لن يحالفه في مسقط رأسه، فرحل عام 1650 إلى إسطنبول، وآمن به كثيرون، وانهالت عليه الوفود من إزمير، ورودس، وأدرنة، وصوفيا، واليونان، وألمانيا، وقلدوه تاج "ملك الملوك".

ويروي سالم، أن الحاخام الأكبر في إزمير يوسف إسكابا أرسل لحاخامات إسطنبول يحذرهم من شبتاي، ففر الأخير إلى سالونيك في اليونان لكنه هُدد بالقتل، ففر إلى أثينا وهناك أعلن أن وقت الخلاص قد حان وأن دولة اليهود ستقوم في فلسطين.

الحوادث الجسام التي تعرّض لها اليهود إبان السبي البابلي، وما سبقه من فساد ملوك بني إسرائيل، جعلت كثيراً من المصلحين اليهود يحلمون بأن يأتي ملك فذ من نوعه، مخلّص... بينما لم يؤمنوا بالمسيح عيسى بن مريم عند قيامه بدعوته
وصل شبتاي لقناعة بأنه المسيح المخلص بالفعل، وأن الغزاوي هو النبي والمبشر به... عن شبتاي تسيفي وغيره من اليهود الذين ادعوا أنهم "المسيح المخلّص"

بعد ذلك، اشتدت المعارضة عليه ففر مجدداً إلى إزمير ومكث فيها ثلاث سنوات ملتزماً الحيطة والسرية في اتصالاته، وفق ما روى سالم.

وبحسب سالم، توجه شبتاي إلى مصر لمواصلة دعوته، وهناك تعرف على رئيس الطائفة اليهودية روفائيل يوسف جلبي الذي آمن به وساعده بالمال، كما تزوج من امرأة يهودية رُوي أنها كانت تتنبأ بالمستقبل وكانت تدّعي سابقاً أنها ستتزوج بـ"المسيح المخلص".

اصطحب شبتاي زوجته والمال الذي أمده به جلبي متجهاً إلى القدس، وفي غزة التقى ناتان الغزاوي (1644- 1680) الذي قيل إن العديد من أسرار القبالاه (اتجاه صوفي يهودي) تجلت له، وإنه قادر على شفاء المرضى النفسيين.

وتحت تأثير الغزاوي، وصل شبتاي لقناعة بأنه المسيح المخلص بالفعل، وأن الغزاوي هو النبي والمبشر به الذي كان له دور كبير في انتشار دعوته في فلسطين.

بيد أن أكثر ما ساعد شبتاي على نشر دعوته كان فرار عدد كبير من أثرياء اليهود من فلسطين بسبب التضييق عليهم من قبل السلطات العثمانية، فلم يبق فيها سوى البؤساء الذين كانوا يرحبون بأية محاولة للتغيير. انتهز شبتاي هذه الفرصة فلبس لبس النُسّاك، وأخذ يكثر من الصوم والصلاة والنواح على أورشليم وترتيل المزامير ليلاً، حتى آمنت به أعداد كبيرة.

غير أن الأمور لم تسر كما كان يحب شبتاي، ففرّ إلى إزمير عام 1665 بعد أن ضيّق عليه معارضوه، وهناك زاد أتباعه، ما شجعه على تغيير بعض العادات والطقوس اليهودية باعتبار أنه المسيح، وألغى عادة ذكر اسم السلطان محمد الرابع بعد إقامة الصلاة في المعابد يوم السبت ووضع اسمه هو بدلاً منه، وأعلن نفسه ملك الملوك، ما زاد من ثورة معارضيه من الربانيين واليهود ضده فوشوا به إلى السلطات العثمانية بحجة أنه يريد القضاء على الدولة العثمانية، فتم سجنه.

نُقلت تلك الأنباء إلى السلطان محمد الرابع الذي استدعى شبتاي للمثول أمامه، فأعلن أنه يريد الدخول في الإسلام، ليصبح اسمه محمد أفندي واسم زوجته فاطمة، وخلع الملابس والقبعة اليهودية وارتدى الملابس والعمامة التركية البيضاء، وخُصص له راتباً شهرياً، وعُين له أستاذاً يعلمه العربية وأصول الدين الإسلامي.

بعد ذلك صار أتباع شبتاي خاصة واليهود عامة أضحوكة عند غيرهم، خاصة أن مريديه كانوا يتوقعون أحداثاً غير طبيعية عندما ذهب إلى السلطان.

رغم ذلك، شاع بين مريدي شبتاي تبريرات منها أن تظاهره بالإسلام يثبت أنه المسيح المخلص، باعتبار أن النبي موسى المخلص الأول عاش في قصر فرعون متبعاً دين الفراعنة ظاهراً ومبطناً ديناً آخر، وشاع أيضاً أن روح شبتاي وجسمه الحقيقيين قد صعدا إلى السماء، وبقى ظله يمشي على الأرض، وأنه سينزل إلى الأرض في الوقت المناسب لتحقيق مهمته.

وبحسب سالم، عاش شبتاي داخل شخصيتين مزدوجتين.

الأولى يهودية متمثلة في كونه المسيح المخلص، والثانية خارجية إسلامية مخادعة. وظلت هاتان الشخصيتان مختلفتين كل منها عن الأخرى، حتى قدّم عقيدة الدونمة بعد إعلان إسلامه ولخصها في أوامر توضح أسس دعوته متضمنة ثمانية عشر أمراً، منها الإيمان بأن شبتاي هو مسيح الله ولا مخلّص غيره، والاحتفال بالعيد الواقع في السادس عشر من شهر كسلو (الشهر الثالث في التقويم العبري) الذي أعلن فيه شبتاي إسلامه.

ونصت الأوامر أيضاً على قراءة مزامير داوود سراً كل يوم، ومراعاة عادات الأتراك المسلمين ذراً للرماد في عيونهم، وعدم إظهار الضيق من صوم رمضان أو عند تقديم الأضحية، ومنع الزواج من المسلمين، ودفن موتى اليهود في مدافن خاصة بهم، وتحريم تعدد الزواج عليهم.

ظل شبتاي على هذه الحالة، حتى اتهمه السلطان بالتبشير ودعوة المسلمين لترك دينهم، فحُكم عليه بالإعدام، لكن عدداً من الشيوخ طلبوا عدم تنفيذ الحكم حتى لا يدعي مريدوه أنه عرج للسماء مثل النبي عيسى، فتقرر نفيه إلى مدينة دولسجنو في ألبانيا عام 1673، وهناك عاش بقية حياته حتى توفي عام 1675.

مدعون آخرون

بعد موت شبتاي استأثرت فكرة المخلص بابنه يعقوب فادعى أنه المسيح، ثم ورث الفكرة عنه ابنه بركيا (1695- 1740)، كما روى ظاظا.

ظهر شمعون باركوكبا (ابن الكوكب) بين عامي 130 و135، فأعلن الجهاد المقدس وأنه المسيح المنتظر، لكن جيش الإمبراطور الروماني أباد اليهود، وتبين لأتباعه أنه دجال، فأطلقوا عليه لقب "بركوزيا" (ابن الكذاب).

وفي نفس تلك الفترة ادعى أحد أتباعه، وكان اسمه مردخاي، من مدينة إيزنشتادت في النمسا أنه المسيح، ووصل صيته إلى إيطاليا فدعاه يهود روما للاحتفال به سنة 1680، ولكن قساوسة محاكم التفتيش علموا بأمره وقرروا قتله ففر إلى بولندا وظل مختفياً بها حتى مات.

وقبل هؤلاء، ظهر شمعون باركوكبا (ابن الكوكب أو النجم) بين عامي 130 و135، إذ أعلن الجهاد المقدس لطرد الرومان من فلسطين وأنه المسيح المنتظر، لكن جيش الإمبراطور الروماني هدريان أباد اليهود، وتبين لأتباعه أنه دجال، فأطلقوا عليه لقب "بركوزيا" (ابن الكذاب).

وفي عام 1502، ادعى اليهودي الألماني أشر إملين أنه المسيح، لكنه مات بالسكتة القلبية، فتزعزع إيمان أتباعه، حتى أن بعضهم ترك الديانة اليهودية واعتنق المسيحية.

أما يعقوب فرانك فظهر في إقليم بودوليا في جنوب غرب روسيا، وطُرد مع أتباعه من الأراضي الروسية، لكنه عاد إليها عام 1759 وأعلن الدخول وأتباعه في المسيحية، لكن تردد أنهم تنصروا في الظاهر فقط، فُقدم للمحاكمة وحُكم عليه بالسجن ومات عام 1791.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard