هل تعتبرون أنفسكم أذكياء عاطفياً؟ راقبوا مواقفكم الاجتماعية وخياراتكم السياسية

الخميس 26 سبتمبر 201906:17 م

هل تجيدون قراءة المشاعر التي تجتاحكم؟ هل بإمكانكم التحكّم والسيطرة على هذه الأحاسيس من دون السماح لها بإغراقكم في مستنقعها؟ هل بوسعكم تحفيز أنفسكم لإنجاز المهام المطلوبة؟ هل تجيدون تقبّل آراء الآخرين واحتواء مشاعرهم ومساندتهم؟

إذا أجبتم بنعم على هذه الأسئلة المطروحة، فمن المحتمل أن تكونوا قد طورتم بعض أو كل المهارات التي تشكل أساس الذكاء العاطفي.

فما هو الذكاء العاطفي بالتحديد وما دوره في تشكيل المواقف الاجتماعية والخيارات السياسية؟

تأثير العواطف على السلوك

نشأت نظرية الذكاء العاطفي في جامعة ييل وجامعة نيو هامبشاير في العام 1990، على يد كل من بيتر سالوفي، الرئيس الثالث والعشرين لجامعة ييل وجون جاك ماير، أستاذ علم النفس في جامعة نيو هامبشاير، ويشير مصطلح "الذكاء العاطفي" إلى قدرة الفرد على إدراك ومعالجة وتنظيم المعلومات العاطفية بدقة وفعالية مع نفسه ومع الآخرين، وإلى القدرة على استخدام هذه المعلومات لتوجيه تفكير الفرد والتأثير على الآخرين.

وواصل الخبراء العمل على وضع تعريفات لما هو بالضبط الذكاء العاطفي وكيف تؤثر العواطف على تفكير المرء وسلوكه، هذا وابتكروا عدداً من التقييمات الذاتية للذكاء العاطفي.

"الذكاء العاطفي هو أن تتسموا بالذكاء تجاه مشاعركم. وهو عبارة عن كيفية استخدام عواطفكم لتوجيه تفكيركم، واستخدام تفكيركم لتوجيه عواطفكم"

في حديثها مع موقع سي أن أن، اعتبرت روبن ستيرن، المديرة المساعدة لمركز ييل للذكاء العاطفي، أن "الذكاء العاطفي هو أن تتسموا بالذكاء تجاه مشاعركم. وهو عبارة عن كيفية استخدام عواطفكم لتوجيه تفكيركم، واستخدام تفكيركم لتوجيه عواطفكم، وأضافت: "يفكر بعض الناس في الذكاء العاطفي كمهارة ناعمة حتى يتحلّوا باللطف، إلا أن الأمر يتعلق بفهم ما يجري لكم في الوقت الحالي حتى تتمكنوا من اتخاذ خيارات واعية بشأن الطريقة التي تريدون استخدام عواطفكم بها".

وفي بحثه المبكر، وجد مارك براكيت، الأستاذ في مركز دراسات الطفل في جامعة ييل والمدير المؤسس لمركز ييل للذكاء العاطفي، أن الناس يميلون إلى المبالغة في تقدير ذكائهم العاطفي، ولهذا السبب يعتبر أنه يجب على الأشخاص قياسه من خلال تقييمات الأداء، بحيث يتعين عليهم حلّ المشكلات وفك رموز تعبيرات الوجه أو وضع استراتيجيات في موقف متوتر عاطفياً، وبهذه الطريقة، يمكنهم اختبار المعرفة والمهارات لديهم.

هذا وأشار براكيت إلى أن القدرة على قراءة عواطفنا وعواطف الآخرين، وفهمها والاستجابة لها، هي عوامل حاسمة للتنبؤ بصحتنا وسعادتنا ونجاحنا الشخصي والمهني.

وقد كشف موقع positive psychology عن وجود 5 فئات من الذكاء العاطفي:

الوعي الذاتي: القدرة على التعرّف على العواطف الذاتية وفهمها وتأثيرها على الآخرين، من خلال قيام المرء بطرح بعض الأسئلة على نفسه: ما هي نقاط قوتي العاطفية؟ ما هي نقاط ضعفي؟ كيف يؤثر مزاجي على أفكاري وخياراتي؟

التنظيم الذاتي: القدرة على إدارة العواطف السلبية والتكيف مع التغييرات في الظروف، فأولئك الذين يتمتعون بمهارة في التنظيم الذاتي يتفوقون في إدارة الصراع ويتكيفون جيداً مع التغيير ويحملون على عاتقهم المسؤولية.

الدافع: القدرة على التحفيز الذاتي مع التركيز على الإشباع الذاتي بدلاً من انتظار الحصول على الثناء والإطراء من الخارج، فالأفراد الذين لديهم القدرة على تحفيز أنفسهم بهذه الطريقة لديهم ميل لأن يكونوا أكثر التزاماً وتركيزاً على الهدف.

التعاطف: القدرة على إدراك وفهم شعور الآخرين. يتيح التعاطف أيضاً للفرد فهم الديناميات التي تؤثر على العلاقات، سواء الشخصية أو في مكان العمل.

المهارات الاجتماعية: القدرة على إدارة مشاعر الآخرين من خلال الفهم العاطفي واستخدامه للتواصل مع الأفراد، من خلال بعض المهارات مثل الاستماع النشط، التواصل اللفظي وغير اللفظي.

أهمية الذكاء العاطفي

يشكّل الذكاء العاطفي المنعطف الذي يلتقي فيه الإدراك والعاطفة، فهذا النوع من الذكاء يسهّل قدرتنا على الصمود والتحفيز والتعاطف والتفكير وإدارة الإجهاد والتواصل، بالإضافة إلى تزويدنا بالقدرة على قراءة عددٍ كبيرٍ من المواقف والصراعات الاجتماعية، وقد يكون الذكاء العاطفي مؤشّراً أفضل للنجاح الوظيفي من السيرة الذاتية المثيرة للإعجاب أو درجة الذكاء العالية.

وتعليقاً على هذه النقطة، تقول المتحدّثة حول مهارات القيادة سارة كاناداي لموقع سي أن أن: "قد يتم توظيفنا بسبب مواهب تقنية، لكننا غالباً ما يتم طردنا لأننا نفتقر إلى الذكاء العاطفي".

ومن أجل تحسين الذكاء العاطفي تقترح كاناداي البحث عن وجهات نظر أولئك الذين قد لا يتفقون معكم، شارحةً ذلك بالقول: "إذا كنتم تحيطون أنفسكم دائماً بأشخاص يؤمنون بالمبادىء نفسها، فأنتم تسمعون المحادثات ذاتها ولا تتعلمون أن تكونوا منفتحين على وجهات النظر المختلفة.".

وفي حديثها مع رصيف22، أكدت الأخصائية في علم النفس نرمين مطر، على الأهمية الكامنة وراء الذكاء العاطفي، والذي وفق رأيها، هو الطريقة التي من خلالها نكتشف ذاتنا ونحدد خياراتنا وردود أفعالنا، مشيرةً إلى أن هذا النوع من الذكاء يدخل في صميم كل علاقة تفاعلية بيننا وبين الآخرين، سواء كان ذلك في مكان العمل أو في علاقاتنا العائلية ومع الأشخاص المقربين منا، كما أنه يحدد خياراتنا السياسية ومواقفنا الاجتماعية.

واعتبرت مطر أن الشخص الذي يتمتع بدرجة عالية من الذكاء العاطفي هو الذي يجيد استخدام مشاعره والتحكم بها من أجل أن يعيش في سعادة وتناغم مع ذاته ومع الآخرين، وأضافت: "إن الشخص الذي يكون واثقاً بنفسه، يجيد اتخاذ الخيارات والتعامل مع مختلف المواقف الحياتية بطريقة مرنة، هذا بالإضافة إلى تفاؤله وحبه للحياة"، على حدّ قولها، شارحةً أن الإنسان بطبعه مجبول بالمشاعر والأحاسيس، والشخص الذي يتمتع بذكاء عاطفي أكثر من غيره يستغلّ هذه الآليات (المشاعر) لتحديد مواقف وردود أفعاله: "يجيد الدمج ما بين العقل والعاطفة الأمر الذي يولد لديه حالة من الانسجام".

كشفت نرمين أن هناك العديد من العوامل التي تؤثر على الذكاء العاطفي، من بينها البيئة التي ترعرع فيها الشخص المعني، علاقته مع محيطه والتجارب التي مرّ بها في حياته، منوهةً بأننا كبشر خلقنا ضمن إطار اجتماعي معيّن، يفرض علينا في الكثير من الأحيان الخيارات التي يجب أخذها والمواقف التي يجب تبنيها، غير أن الذكاء العاطفي جاء ليؤكد لنا وجود مساحات رمادية: "يفرض علينا المجتمع معايير معيّنة وقوالب نمطية، غير أن الذكاء العاطفي يؤكد إمكانية أن تكون مواقفنا مختلفة عن إملاءات المجتمع".

أما بالنسبة إلى كيفية تطوير الذكاء العاطفي، تقدم نرمين مطر بعض الخطوات العملية، من بينها:

-التعرف أكثر على ذواتنا من خلال تمارين التأمل واليوغا، هذا بالإضافة إلى طرح الأسئلة على أنفسنا بشكل مستمر: لماذا تصرفت على هذا النحو؟ ما الهدف من اختياري هذه المهنة؟ هل أشعر فعلاً بالاكتئاب؟

-تدوين مشاعرنا وأحاسيسنا في دفتر خاص وذلك بهدف توسيع الثروة اللغوية لمشاعرنا ووصفها بشكل جيد.

-التعرّف على نقاط القوة ونقاط الضعف.

-التدرّب على كيفية تقبّل آراء الآخرين واحتواء مشاعرهم ومساندتهم في حال لزم الأمر.

-السيطرة على الدوافع الشخصية من خلال المواجهة وعدم كبت المشاعر.

تأثير الذكاء العاطفي على الخيارات السياسية

كما أشرنا في السطور السابقة، فإن الأشخاص الذين يتمتعون بدرجةٍ عاليةٍ من الذكاء العاطفي يكونون متعاطفين، منفتحين وقادرين على رؤية وجهات نظر مختلفة.

ومؤخراً ربط الباحثون في بلجيكا الذكاء العاطفي بالخيارات السياسية، وقد وجدت الدراسة التي نشرت في Emotion أن الأشخاص الذين يفتقرون إلى القدرة على فهم وإدارة العواطف هم أكثر عرضةً للتحيز لمواقف اليمين حسب PsyPost.

وفي التفاصيل فقد استعان الباحثون بأكثر من 900 طالب جامعي في بلجيكا لفحص آرائهم السياسية وقدراتهم العاطفية، ونظراً لكون قياس الذكاء العاطفي هو أمر حساس، خضع المشتركون لثلاثة اختبارات مختلفة للقدرات العاطفية: اختبار الموقف من الفهم العاطفي، اختبار الموقف لإدارة العاطفة واختبار التعرف على العاطفة.

إن الأشخاص الذين يفتقرون إلى القدرة على فهم وإدارة العواطف هم أكثر عرضةً للتحيز لمواقف اليمين

ومن الاسئلة التي جاءت مثلاً في اختبار الموقف من الفهم العاطفي: "اتفق شارلز أن يلتقي بصديقه لمشاهدة فيلم، إلا أن الصديق تأخر كثيراً، من المرجح أن يشعر تشارلز عندها بـ:

1-الاكتئاب

2-الإحباط

3-الغضب

4-الازدراء

5-الأسى

أما في الجزء الثاني من الدراسة، فقد تم قياس قدرات المشتركين العاطفية والمعرفية، وأظهرت النتائج أن المشتركين الذين سجلوا درجات أقل في اختبارات القدرات العاطفية، وخاصة تلك التي تقيس الفهم العاطفي والإدارة، كانوا أكثر عرضةً لتسجيل درجات أعلى في مقاييس الاستبداد اليميني والتوجه الاجتماعي المهيمن.

بمعنى آخر لقد تبيّن أن الأشخاص الذين لديهم عجز في القدرات العاطفية، على غرار الأشخاص الذين لديهم عجز في القدرات الإدراكية، من المرجح أن يكونوا مع اليمين وأن تكون لديهم وجهات نظر منحازة.

وفي هذا الصدد، أشار موقع Diply إلى أن البعض يعتبر مثلاً أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب يفتقر إلى الذكاء العاطفي، ففي مقال نشر في صحيفة واشنطن بوست، قال مايك جيرسون، المستشار السابق للرئيس الأميركي جورج دبليو بوش، إن "عجز ترامب يكمن في الذكاء العاطفي"، مشيراً إلى أن "عدم قدرته على التعاطف يؤدي إلى القسوة التي تضرب جوهر أخلاق أميركا العظمة"، وأضاف جيرسون قائلاً: "إن ترامب غير قادر على العثور على أي قيمة في وجهات نظر الخصم السياسي، ما يضع الشفاء الوطني والحل الوسط أبعد من قدراته"، معتبراً ان الرئيس الأميركي "قادر فقط على الحكم نيابةً عن أولئك الذين يدعمونه، مما يجعله عرضةً للتلاعب من خلال الإطراء".

وبشكلٍ عام، اتّضح من خلال الدراسة أن الأشخاص الذين يحرزون درجات عالية في الاستبداد اليميني مستعدون للاستسلام للسلطات السياسية وأن يكونوا معادين للأشخاص الذين يتموضعون خارج مجموعاتهم، وفي الوقت نفسه، يميل أولئك الذين يحرزون درجاتٍ عالية في اتجاه الهيمنة الاجتماعية إلى تفضيل خيار اللامساواة داخل المجموعة الاجتماعية.

والحقيقة أن مؤلف الدراسة، البروفيسور آلان فان هيل في جامعة غينت، درس علم النفس السياسي والإيديولوجي لفترة طويلة إلا أنه اعتبر أن "درس مدى اختلاف اتباع اليمين واليسار في الكثير من الخصائص النفسية هو أمر مدهش"، على حدّ قوله، كاشفاً أن العديد من العلماء سبق وأن انكبّوا على دراسة الأساس المعرفي للإيديولوجيا بشكل عام، والمواقف الإيديولوجية اليمينية على وجه الخصوص، في حين أن الدراسة الحالية تعد من أوائل الدراسات التي تبحث في العلاقة بين القدرات العاطفية، الإيديولوجيات السياسية والتحيّز.

توخي الحذر

بالرغم من المعلومات القيمة التي كشفتها الدراسة، إلا أن البروفيسور هيل أكد أن هذه الدراسة لا يمكن أن تثبت السببية، قائلاً: "بالطبع يجب توخي الحذر في تفسير النتائج"، مضيفاً: "لا يمكن للمرء تشويه سمعة أي إيديولوجيا على أساس النتائج التي تم الحصول عليها. فقط في المستقبل القريب سنكون قادرين على إعادة النظر في عصرنا ومن ثم يمكننا الحكم على الإيديولوجيات الأفضل"، هذا وقد نوّه هيل بأن الأشخاص الذين يسجلون معدلات عالية من الذكاء الإدراكي والعاطفي يمكنهم أن يتخذوا خيارات خاطئة أيضاً.

في الختام لا شك أن الذكاء العاطفي مسألة مهمة لا يمكن تجاهلها، وعليه فإننا نحتاج جميعاً إلى التقاط أنفاسنا واستثمار المزيد من الوقت في تدريب أنفسنا على معنى أن نكون أذكياء على الصعيد العاطفي بشكل خاص، وأن ندرك حقيقة مفهوم الذكاء العاطفي، ومدى تأثير العواطف على تفكيرنا وعلى خياراتنا الاجتماعية ومواقفنا السياسية.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard