انهيار أم طرق لاستمرار الحياة؟... كيف يرى المراسلُ الأمريكي إيرانَ في فترة العقوبات؟

الجمعة 13 سبتمبر 201905:00 م

قام فريق من الإذاعة الوطنية الأمريكية (NPR)، الذي جاء إلى إيران لإعداد تقارير وإجراء مقابلات بدراسة الوضع في إيران في فترة العقوبات الأمريكية.

ويبدأ مراسل الإذاعة الوطنية الأمريكية "ستيف إنسكيب" تقريره الذي كتبه في نهاية زيارته إلى إيران، بفقرة من مقابلته مع المحلّل والصحفي الإيراني المحافظ "أمير محبّيان" في طهران، ويقول فيه:

- "برج ميلاد"، المعروف أيضًا باسم "برج طهران"، يسيطر على أفق العاصمة الإيرانية. لا تزال طهران نابضة بالحياة، لكن التضخم مرتفع. فهل إيران على وشك الانهيار؟ أمير محببيان لا يعتقد ذلك. يقول هذا المفكر السياسي والصحفي الإيراني المحافظ: "على الرغم من أن العقوبات الاقتصادية الأمريكية منعت تصدير معظم النفط الإيراني وغيره من الموارد التي تعتمد عليها إيران، والوضع الاقتصادي ليس جيدًا، لكنه ليس سيئًا إلى درجة تقتلنا".

- تأمل الولايات المتحدة من خلال خطة "الضغط إلى أقصى حد" التي بدأتها بعد انسحاب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من الاتفاق النووي، أن تجبر إيران على تغيير سياستها الخارجية في لبنان وسوريا واليمن، لكن محببيان يقول: "لماذا يجب على إيران أن تفعل ذلك؟"

- من السهل رفض تحليل محبيان باعتباره بعيدًا عن الحقيقة التي تدور في إيران. مع ذلك، فإن سبعة أيام من إجراء المقابلات مع عشرات الأشخاص في طهران والمناطق المحيطة بها، تقدم لنا بعض الأدلة التي تؤكد صحة تحليله، على الأقل في الوقت الراهن.

"برج ميلاد"، المعروف أيضًا باسم "برج طهران"، يسيطر على أفق العاصمة الإيرانية. لا تزال طهران نابضة بالحياة، لكن التضخم مرتفع. فهل إيران على وشك الانهيار؟

- تبدو طهران، التي يبلغ عدد سكانها أكثر من 14 مليون نسمة، نابضة بالحياة. المحلات التجارية مفتوحة، على الرغم من ارتفاع الأسعار بسبب التضخم. وقد تم فتح متاجر ومطاعم جديدة، حتى إن لم تكن دائمًا مليئة بالعملاء. مبانٍ جديدة قيد الإنشاء، حتى لو كان تقدم بعضها بطيئًا. مساء الاثنين من الأسبوع الماضي، في الليلة التي سبقت العطلة، استغرق الأمر ثلاث ساعات حتى تحركت سيارتنا حوالي 10 أميال في المدينة؛ كانت الشوارع مزدحمة بالسيارات حيث كان الناس يتجولون في المدينة باتجاه منازل أقاربهم أو لقضاء عطلتهم.

تبدو طهران، التي يبلغ عدد سكانها أكثر من 14 مليون نسمة، نابضة بالحياة. المحلات التجارية مفتوحة، على الرغم من ارتفاع الأسعار بسبب التضخم. وقد تم فتح متاجر ومطاعم جديدة، حتى إن لم تكن دائمًا مليئة بالعملاء

- بالقرب من ميدان تجريش في طهران، دخلنا محلًا لبيع اللحوم، فقال لنا مدير هذا المحل إن سعر اللحوم قد تضاعف ثلاث مرات خلال فترة قصيرة، وارتفعت نفقاته إلى جانب ارتفاع الأسعار، وانخفضت عائداته من بيع اللحوم. وقال إن عائلته كانت تعمل في هذا المجال منذ أجيال، وإنها لم تر مثل هذا الوقت الصعب وغير المستقر؛ ووصف العامين الماضيين بأنهما "كارثيتان". مع ذلك، كنا واقفين في محلّ جديد تمامًا ونحن نتكلم معه، وقد افتتحت عائلته هذا الفرع الجديد من أعمالها منذ بضعة أشهر فقط. فيبدو أن الأزمة الاقتصادية في إيران بسبب العقوبات لم تكن كافية لمنعهم من العمل.

- كيف تمكّن الاقتصاد الإيراني من البقاء أمام العقوبات الأمريكية المدمرة؟ جزء من الإجابة هو أنه لا يزال من المبكر للغاية رؤية التأثير الكامل للعقوبات الأمريكية. فرضت الحكومة الأمريكية عقوباتٍ جديدة على إيران قبل أكثر من عام، لكنه من المحتمل أن تستمرّ هذه العقوبات لفترة أطول وتكون فعالة. تستمر رئاسة ترامب لمدّة عام ونصف، وهو يسعى إلى إعادة انتخابه مرة أخرى. وحتى إن خسر فإن خليفته قد لا یلغی العقوبات بسهولة.

- جزء آخر من الإجابة هو أن إيران لديها مزايا اقتصادية تفوق النفط. إنها دولة كبيرة، تضمّ أكثر من 80 مليون شخص، كثير منهم يحملون شهادات تعليم عالية. أثناء القيادة في غرب العاصمة، مررنا بمجمّعات ومصانع السيارات كانت تمتدّ لأميال. تتمتع إيران أيضًا بصناعة وتاريخ زراعي غني، كما أنها تاريخياً بلد تجاري يتمتع بخبرة لسنوات عديدة في تخفيف آثار العقوبات.

- خلال التسعينيات فرضت الولايات المتحدة ودول أخرى عقوباتٍ على العراق، جارةِ إيران الغنية بالبترول. وكان العراق بلداً أصغر بكثير من إيران، وكان اقتصاده أقل تنوعًا، وفي عهد صدام حسين، كان لديه نسخة متطرفة من نظام استبدادي يحكمه شخص واحد، ومع ذلك، فإن العقوبات لم تطيح بصدام حسين، وسقوط صدام جاء مع الغزو العسكري الأمريكي في عام 2003. مقارنة بالعراق، فمن المنطقي أن نستنتج أن الاقتصاد الإيراني معارِض أقوى من العراق للعقوبات الأمريكية.

في إيران، لا توجد حرية التعبير (على غرار الدول الغربية)، ولكن الضغوط التي يتعرض إليها الإيرانيون، تجعلهم يجدون طرقًا للتعبير عن أنفسهم

- حتى لو كانت الأزمة الاقتصادية الإيرانية تؤدي إلى اضطرابات اجتماعية، فإن رجال الدين الذين يمارسون السلطة المطلقة يحتكرون سلطة البلد. ولقد استخدموا هذه السلطة لسجن النقاد وحتى الأشخاص الذين يمكن اعتبارهم تهديدات محتملة. إنهم يراقبون الإنترنت. لا توجد حرية للتعبير ولا حرية في الصحافة كما هو في الغرب. تقدم الصحف مجموعة محدودة من وجهات النظر، حيث يحاول المحررون والمراسلون نشر مقدار ما يمكنهم الإفصاح عنه؛ وهم يعرفون أن السلطات يمكنها إغلاق صحفهم في أي وقت.

- قابلنا ثلاث نساء في مقهى في مدينة كرج المجاورة لطهران. كانت تجلس على طاولة بجانب نافذة في الطابق الثاني. في بداية الحديث تساءلت واحدة منهن عما إذا كان يمكن أن تتعرض لمشاكل بسبب هذه المقابلة، ثمّ غيرتْ موضوع الحديث نحو الولايات المتحدة دون دفاعها عن النظام الإيراني. تساءلت صديقتها فاطمة، عن سبب اهتمامي بمشاكل إيران عندما تواجه الولايات المتحدة مشاكل خاصة مثل العنصرية. في محادثتنا تطرقنا أيضًا لبعض الأسباب التي تجعل قيادة إيران تقلق. ثلاثتهن كنّ متفقات على أن المحاكم فاسدة، وأن سوء الإدارة  والفساد في الحكومة أصبحا رائجين إلى حد كبير في السنوات الأخيرة، مما أجبر القادة السياسيين على السماح بمناقشته علنًا.

- واجهنا أشخاصاً في عدة مجالات ومن طبقات مختلفة من المجتمع يلومون الفساد وسوء الإدارة في بلادهم، بدلاً من الولايات المتحدة. أعرب مدير سوق اللحوم الذي تأثر من التضخم، عن اهتمامه بالعقوبات، وقال "لدينا مشاكلنا الداخلية."

- في حديقة في منطقة للطبقة العاملة في جنوب طهران، أخبرنا بعضُ الناس أن أقلية نخبة تحكم عليهم. حتى أن البعض انتقد المرشد الإيراني الأعلى آية الله علي خامنئي بالاسم - وهو أمر نادراً ما سمعتُه في زيارات سابقة لإيران على مدار العقد الماضي-.

- الحقيقة هي أن إيران، وعلى الرغم من عزلتها النسبية، تواجه العديد من الضغوط العالمية: التحضّر، والتغير التكنولوجي، وتغير المناخ، وعدم المساواة في الدخل، والبوبوليسم. ويجب على حكومتها الآن إدارة هذه الضغوط إلى جانب الصعوبات الإضافية بسبب العقوبات الأمريكية. سيشعر الجمهور الإيراني بهذه الضغوطات إذا فشلت الحكومة في حلّها. وليس هناك شكّ في أن جزءًا من السكان قد خاب أملهم بالفعل من تجربة الحكم الديني التي حافظت عليها إيران منذ ثورة 1979.

- في حديقة في كرج، التقينا بعائلة كانت جالسة على أرض الحديقة. للوهلة الأولى، كانت العائلة تبدو عائلة فرحة من الطبقة الوسطى، يرتدي أعضاؤها ملابس ملونة مع أطفال يتمتعون بصحة جيدة، ويستمتعون بمشروب العيران الإيراني المصنوع من اللبن الحامض، ما بعد الظهيرة. كانت العائلة قد أتت إلى كرج لقضاء عطلة، بحثًا عن استراحة بعيدة عن الحرارة الشديدة في جنوب إيران، حيث يعيشون. ومع ذلك، لم يستغرق الأمر سوى بضع دقائق من المحادثة للإشارة إلى مدى هشاشة فرحِهم. كان اثنان من الرجال أخين، وقالا إنهما فقدا عملهما في الاستيراد والتصدير قبل تسعة أشهر. وكان أحد أقربائهما معهما: امرأة مطلقة تدرّبت كخبيرة تجميل لتعيش هي وابنتها. ولم تكن تعتقد السيدة بأنها يمكن أن تعمل في إيران، فكانت تحاول معرفة كيفية الوصول إلى ألمانيا.

- يقول رجل في العائلة يدعى أمير، إن عائلته انقسمت إلى معسكرين: "الموالين للغرب" و"الوطنيين". وقال إن المؤيدين للغرب والموالين له يريدون الهروب من إيران، بينما "الوطنيون" (مثله) مصممون على البقاء فیها.

- تختلف معه مريم، وهي أحد أقربائه، وتقول إنها ذهبت إلى أوروبا، وكان الوضع هناك أفضل مما رأتْه في ظلّ حكم إيران من قبل "الملالي". كما قالت مخاطبة إياه إنك لم تكن تصنفنا على هذا النحو إذا كانت لديك معلومات أكثر، والسبب الوحيد الذي يجعلنا نفتقر إلى المعلومات هو أننا لا نملك حرية التعبير.

في إيران، لا توجد حرية التعبير (على غرار الدول الغربية)، ولكن الضغوط التي يتعرض إليها الإيرانيون، تجعلهم يجدون طرقًا للتعبير عن أنفسهم.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard