قصة التلفزيون التونسي مع الثورة

السبت 17 أغسطس 201903:29 م

أعدّ المادة أحمد بالريش (تونس)، ضمن شباب22 "You22"، برنامج زمالة رصيف22 الذي ترعاه D-Jil، بالاعتماد على منحة مشتركة بتمويل من الاتحاد الأوروبّي، تشرف على تنفيذها CFI.

مع انطلاق شرارة الثورة في مدينة سيدي بوزيد التونسية وسط البلاد، مع صبيحة يوم 17 ديسمبر 2010، بعد إقدام البوعزيزي على إحراق نفسه احتجاجاً على سوء المعاملة، في القصّة التي أصبحت معروفة، شهدت المدينة موجة احتجاجٍ غير مألوفة، تحولت بسرعةٍ جنونية إلى مطالب اجتماعية واقتصادية وسياسية بتغيير النظام، وطفت على السطح شعارات مثل "الشعب يريد إسقاط النظام، شغل حرية كرامة وطنية، خبز وماء وبن علي لا"، وسط احتقانٍ شعبي شديد.

أول صورة لبث تلفزيوني تونسي 

الثورة تندلع والتلفزيون التونسي في سبات عميق

تواصلت الاحتجاجات بصفةٍ مسترسلة لأيام كثيرة، تخللها عصيان مدني، من إغلاق للطرق وحرق لسيارات الأمن وهجوم على المراكز الأمنية، وقد كانت وسائل التواصل الاجتماعي بمثابة نافذة الشعب الوحيدة لمعرفة ما يحصل في تلك المنطقة، حيث هجر التونسيون التلفاز الرسمي إلى قناة الجزيرة والتي أعطت للخبر أهميته.

حين استشعر النظام خطورة الوضع وعدم سيطرته على المشهد الإعلامي، بدأت الماكينة بالتحرّك تدريجياً، فانطلقت أولى محاولات التضليل الإعلامي في أواخر شهر ديسمبر، من خلال بيانٍ مقتضبٍ نشرته وكالة الأنباء الحكومية وبُثَّ في مستهلّ النشرة الإخبارية، وهو أقرب إلى بيان وزارة الخارجية منه إلى بيان إعلامي: "تونس تستنكر محاولات التضليل والمغالطات الإعلامية التي تبثها فضائيات خارجية من شأنها أن تُحدث البلبلة وتستهدف الأمن العام وتدعو التونسيين إلى الاكتفاء بالمصادر الرسمية" (المصدر FRANCE 24)

كان محتوى البيان جافاً وخشبياً، الأمر الذي زاد في غضب التونسيين ودفعهم لمواصلة الاحتجاجات التي أخذت منحى خطير باتساع رقعتها وتنامي عدد المشاركين فيها. حاول النظام امتصاص غضب المحتجين، فطلب من قناة نسمة، وهي "قناة تونسية ذات توجه مغاربي، دشنها بن علي في 2009، لم تحظ بنسب مشاهدةٍ كبيرة منذ انطلاقها، اتسمت برامجها بالترفيه والموسيقى وساهمت في خدمة النظام من خلال دعم بن علي والحثّ على إعادة انتخابه" طلب منها إعداد برنامج تتحدّث فيه عن مشاكل التنمية في سيدي بوزيد، في محاولةٍ لامتصاص غضب المحتجين، واستدعى فيه عدّة صحافيين جدد عُرفوا بالمصداقية، حتى يكسب البرنامج مزيداً من القبول لدى المشاهدين.

أواخر سنة 2011، انطلقت مرحلة التعددية الإعلامية في تونس بظهور قنوات جديدة على غرار قناة "التونسية" و"تونسنا"، وتزامنت نشأة القنوات مع المواعيد الانتخابية، فبدأ المشهد التلفزي الجديد بمرحلة الاصطفاف مع القوى السياسية المتنافسة

تميزت السنوات الأخيرة بجرأةٍ لم يعهدها التونسيون في تلفزيونهم، فلقد أشعل السباق نحو الإثارة المنافسةَ بين القنوات، وطُرحت مواضيع جريئة لم تطرح من قبل، حيث أصبح التلفزيون حقل تجارب لردود أفعل التوانسة تجاه مختلف القضايا وبدأت التابوهات تسقط شيئاً فشيئاً

مثّل ذلك البرنامج المسمى بـ"ملف خاص سيدي بوزيد" نقطة تحوّلٍ هامة في التعاطي الإعلامي، حيث لأول مرة في تاريخ نظام بن علي الدكتاتوري يتم الاعتراف بالتقصير وبتهميش المنطقة، واتسم الخطاب الإعلامي بجرأةٍ غير مسبوقة، جعلت النظام يأمر بمنع إعادة البرنامج وحذفه من كل شبكات التواصل الاجتماعي.

كما تعرّضت قناة نسمة للحصار والتضييقات، من خلال استعمال أداة الجباية والضرائب، وحتى التهديد العلني بغلقها. أخذ بن علي بزمام الأمور مع بدايات شهر يناير في ثلاثة خطابات متتالية، خطاب أول تميز بالحزم والتهديد بالتعامل الغليظ مع كل من يدعو إلى الاحتجاج واشتهر لدى التونسيين بعبارة بن علي التي رددها مرتين: "بكل حزم.. بكل حزم".

ثم خطاب آخر يوم 10 يناير أقل تشدد، حيث وعد بتشغيل أكثر من 200000 عاطل عن العمل في سنتين، ولكن هذا الخطاب لم يحظ بالقبول لمعرفة التونسيين باستحالة تحقيق هذه الوعود، ثم خطاب ثالث مغاير تماماً، استعمل فيه بن علي اللهجة العامية، أعلن فيه عن إصلاحات عميقة شملت تحرير القطاع الإعلامي وإلغاء كل مظاهر الرقابة المسبقة وفتح جميع مواقع الإنترنت، في انفتاحٍ فريدٍ يحدث لأول مرة منذ الاستقلال.

ولكي تكتمل الخطة الاتصالية مثلما خطط لها، بثت القناة الوطنية مباشرةً إثر الخطاب، برنامجاً تحليلياً لكلمة الرئيس، جمع بين المدح والردح، وإبراز بعض الناس المبيوعة ضمائرهم وهم يرقصون فرحاً في الشوارع ترويجاً لقبول خطاب بن علي، ولكن سارت رياح التغيير بما لا تشتهي سفن النظام، حيث في أواخر يوم 14، غادر بن علي صحبة عائلته إلى السعودية، معلناً بذلك نهاية النظام وسقوط إمبراطوريته الإعلامية.

التلفزيون يتخبط ويكتشف الحرية

مثّل خبر هروب بن علي صدمةً لدى العديد من التونسيين حيث لم يتوقع الكثير منهم سقوط النظام بتلك السرعة وبتلك الطريقة، فأطل الوزير الأول في ذاك الوقت محمد الغنوشي، ليعلن توليه مقاليد الرئاسة إثر هروب بن علي، وتحول التلفزيون مباشرةً إثرها إلى مركز إخباري متواصل، حيث فتحت قنوات مثل "حنبعل" البثَّ الحر لمدة 24 ساعة، لتستقبل مكالمات المواطنين ونداءات استغاثاتهم بدون أدنى رقابة، حتى أن العديد من القنوات تورّطت في بثِّ الإشاعات والمعلومات المغلوطة نتيجة عدم التثبت.

انقلب الخطاب الإعلامي 180 درجة، فاستبدلت مصطلحات كاحتجاج وتخريب ومؤامرة إلى ثورة وانتفاضة والمجد للشهداء، وسارعت القناة الرسمية إلى تغيير شعارها من قناة 7 إلى التلفزة الوطنية، واستقبلت المحطات أغلب وجوه المعارضة الممنوعة من الظهور أيام بن علي، لكن مناخ الحرية المفرط الذي عاشه التلفزيون في أول أيام الثورة، لم يمنع المحطات من الوقوع في انزلاقات وأخطاء مهنية فادحة، منها مطالبة أحد الناشطين الثورين في بثٍّ مباشر بقطع رأس رئيس الحكومة، إضافة إلى تأليف عددٍ من الروايات المغلوطة حول بن علي، بل والتوغل في حياته الخاصة والتشويه والقذف، فغابت أغلب الحصص الترفيهية، ليشهد التلفزيون غزو البلاتوهات السياسية طول النهار، مع تباينها من حيث الجودة والمحتوى بين قناة وأخرى.

التلفزيون المتحزب

أواخر سنة 2011، انطلقت مرحلة التعددية الإعلامية بظهور قنوات جديدة على غرار قناة "التونسية" و"تونسنا"، عانت أغلبها من نقص في الموازنات المالية ما أثّر على محتواها، خاصةً في مرحلة انطلاقتها، وتزامنت نشأة القنوات مع المواعيد الانتخابية، حيث لم تتوان القوى السياسية البارزة عن محاولة استقطاب القنوات من أجل تمرير برامجها وأفكارها، وبدأ المشهد التلفزي الجديد بمرحلة الاصطفاف. كانت نسمة القناة الأبرز، والتي أطلقت خدمة الأخبار لأول مرة في قناة خاصة، في الدعاية المبطنة للقوى الليبرالية الحداثية، من خلال الحضور الدائم لرؤساء احزاب ونشطاء من هذا التيار (بحسب تقرير للهيئة الوطنية لإصلاح الإعلام و الاتصال).

كما اعتبرت قناة "حنبعل" من أنصار التيار اليميني المحافظ والتي تمثله حركة النهضة. كان لبرامج قناة "التونسية" كبرنامج "التاسعة مساء" لمعز بن غربية، السبق في استضافة الخصوم السياسيين من أجل التناقش في العديد من المواضيع على الهواء مباشرة، أما قناة الوطنية فلم تفلح في التخلّص من عقدة السلطة، فتراوح الخط التحريري أحياناً بين النقد اللاذع لسياسات الحكومة وبين الاصطفاف وراء المعسكر الحكومي، ما دعا الصحفيين إلى تنفيذ عددٍ من الوقفات الاحتجاجية والإضرابات، دفاعاً عن استقلالية المؤسسة والنأي بها عن التجاذبات السياسية الكبيرة والتي تميزت بها تلك الفترة.

البحث عن الموارد

تسارعت وتيرة إنشاء القنوات، فظهرت قنوات مثل المتوسط والزيتونة، وهي قنوات تتبع حركة النهضة، إما بالتمويل المباشر أو المبطن أو بإشراف أحد أعضائها (المصدر).

إضافةً إلى قنوات أخرى مثل: الجنوبية وتلفزة والحوار، والتي لم تعرف نسب مشاهدة عالية نتيجة ضعف المحتوى. ومع الانكماش الاقتصادي وضعف السوق الإعلانية، وهي المورد الأساسي لاستمرار القنوات الخاصة، لم تفلح أغلب البرامج السياسية في تحقيق موارد مهمة، خاصة مع الإشباع المتواصل لدى المشهد التونسي من هذا النوع من المنتديات السياسية المباشرة والتي ملّ منها، فبدأت البلاتوهات السياسية تتقلّص لحساب برامج الترفيه.

فتميزت قناة "التونسية" التي اندمجت مع قناة "الحوار" ليصبح اسمها الحوار التونسي، القناة الرائدة في البرامج الترفيهية، بفضل الخبرة التي اكتسبها مالكها سامي الفهري، إثر إنتاجه في القناة الرسمية ما قبل الثورة، فتميزت برامج التوك شو بمشاهدات عالية، ليتحول السباق التلفزي من البحث عن السبق والمعلومة إلى البحث عن الإثارة من أجل نسب المشاهدة، وبالتالي السباق نحو الإعلان ومداخيله.


من تلفزيون منمق إلى تلفزيون استهلاكي

تميزت السنوات الأخيرة بجرأةٍ لم يعهدها التونسيون في تلفزيونهم، فلقد أشعل السباق نحو الإثارة المنافسةَ بين القنوات، وطُرحت مواضيع جريئة لم تطرح من قبل، حيث أصبح التلفزيون حقل تجارب لردود أفعل التوانسة تجاه مختلف القضايا وبدأت التابوهات تسقط شيئاً فشيئاً.

وبحسب دراسة الأكاديمي الباحث في الميديا الصادق حمامي  "كيف أصبح التلفزيون التونسي "ردئياً"، التي اعتمدتها المقالة كمرجع، انتقلت برامج تلفزيون الواقع، مثل البرنامج الشهير "عندي منقلك"، من برامج اجتماعية هدفها إرجاع الروابط الأسرية إلى برامج فضائحية بامتياز.

فتكرّرت الحلقات التي تتحدث عن المشاكل الجنسية وعقوق الوالدين واستهلاك المخدرات والكحول والاستغلال الجنسي، في تعاطٍ مثير خالٍ من الأخلاقية الصحفية في التعامل مع هذه الحالات الاجتماعية، وخالٍ من العلمية في المعالجة الصحفية لمراعاة الفئات الهشة، خصوصاً الأطفال الذين من الممكن أن يتأثروا بهذا الخطاب العنيف والجديد.

كما غزا كمٌّ من الإعلاميين الوصوليين الذين يأتون فقط لصناعة الشهرة والاسم ونسب المشاهدة من خلال توظيف الإثارة المبالغ بها من أجل استقطاب المشاهدين خاصة من فئة الشباب.

لقد ارتفع منسوب الحرية في تونس بعد الثورة بشكل واضح، فكسر حجز الصمت وتحررت الأفواه والأقلام وتعددت الأحزاب وفتحت أبواب المجتمع المدني وتخلص الإعلام نسبياً من القبضة الحديدية المسلطة عليه، لكن الحرية هذه تأتي مشروطة ببنود الوعي والمسؤولية، وهذا ما تحتاجه تونس في قادم الأيام.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard