"المصلحة الوطنية تعلو على السياسة والأيديولوجيا"... البرلمان المغربي يقرّ "فرنسة التعليم"

الثلاثاء 23 يوليو 201902:56 م

بعد الكثير من الجدل الواسع والخلافات الحادة، أقر مجلس النواب المغربي، مساء 22 تموز/يوليو، مشروع قانون يقضي بتدريس بعض المواد العلمية والتقنية باللغة الفرنسية في المراحل التعليمية المختلفة.

ومن شأن مشروع القانون، الذي يدخل حيز التنفيذ بعد قراءة ثانية في مجلس المستشارين (الغرفة الثانية من البرلمان المغربي) ونشره في الجريدة الرسمية، التمهيد لزيادة مكانة اللغة الفرنسية في المدارس المغربية، وهذا ما يعد تحولاً لافتاً عن سياسة التعريب التي انتهجتها البلاد لعشرات السنين.

أغلبية للقانون وامتناع عن "الفرنسة"

صوت 241 نائباً مع مشروع القانون، في حين عارضه 4، اثنان من حزب العدالة والتنمية (البيجيدي)، والآخران من فيدرالية اليسار، مع امتناع 21 عن التصويت.

أما في ما يتعلق بالمادة الثانية، التي أثارت الجدل والمتعلقة بـ"فرنسة التعليم"، فصوت معها 144 نائباً وامتنع 118 عن التصويت، وهم نواب البيجيدي الشريك في الائتلاف الحاكم (يغلب عليه الإسلاميون) ونواب حزب الاستقلال المحافظ.

كما قاطع بعض نواب البيجيدي الموالين للأمين العام السابق عبد الإله بنكيران، الجلسةَ التشريعية احتجاجاً على إقرار مشروع القانون.

وتنص المادة الثانية التي يتشدد في رفضها دعاة التعريب، على أن التناوب اللغوي "يعد مقاربة بيداغوجية وخياراً تربوياً مندرجاً يستثمر في التعليم المتعدد اللغات، بهدف تنويع لغات التدريس إلى جانب اللغتين الرسميتين للدولة (العربية والأمازيغية)، من خلال تدريس بعض المواد، ولا سيما العلمية والتقنية منها، أو بعض المضامين أو الأجزاء في بعض المواد بلغة أو بلغات أجنبية".

كما تقر المادة 31 من مشروع القانون تدريس المواد العلمية والتقنية باللغات الأجنبية المقررة في البلاد. وتنص على "إرساء تعددية لغوية بكيفية تدريجية ومتوازنة تهدف إلى جعل المتعلم الحاصل على البكالوريا (الثانوية العامة) متقناً للغتين العربية والأمازيغية، ومتمكناً من لغتين أجنبيتين على الأقل، إعمالاً لمبدأ التناوب اللغوي في التدريس، كما هو منصوص عليه في المادة الثانية من مشروع القانون".

بالإضافة إلى العربية والأمازيغية، تنتشر لهجة شعبية هي العربية المغربية، وتعد مزيجاً من العربية والأمازيغية تتخللها مفردات فرنسية وإسبانية.

غير أن الفرنسية تنتشر بشكل خاص في الأعمال التجارية والحكومية وفي التعليم العالي. ويعتبر تعلم بعض المغاربة الفرنسية، عبر التعليم الخاص المكلف، ميزة كبرى.

وتشير الأرقام الرسمية إلى أنه من كل ثلاثة أشخاص لا يكمل اثنان تعليمهما في الجامعات العامة غي المغرب، لعدم إجادتهما الفرنسية.

معركة بنكيران الخاسرة

وخاض بنكيران، وهو رئيس حكومة سابق، معركة كبيرة في محاولة لإقناع برلمانيي حزبه بإسقاط القانون الذي يحدد إطار التعليم والبحث العلمي، لكنه فشل في ذلك إد صوّت معظمهم مع مشروع القانون برغم اعتراضهم على بعض نصوصه المتعلقة بلغات التدريس.

ودعا بنكيران نواب البيجيدي ووزراءه إلى "تحمل مسؤوليتهم في ما يتعلق بالنقاش الجاري حول مشروع القانون، حتى لو أدى الأمر إلى إسقاط البرلمان والحكومة"، مشيراً إلى أن "إعادة إدخال لغة القوة الاستعمارية السابقة ‘خيانة‘ لمبادئ الحزب"، ومهاجماً ما سمّاه "اللوبي الفرانكفوني".

وبعد تصويت أولي في لجنة التعليم والثقافة والاتصال في 16 تموز/يوليو، قال بنكيران إنه فكر كثيراً في ترك الحزب، مردفاً: "لم أعد أشعر بأنه يشرفني أن أنتمي إلى حزب أمانته العامة تتخذ هذا القرار مهما كانت الدوافع". لكن موقفه النهائي لم يتضح بعد التصويت العمومي.

وسبق أن اقترح حزب الاستقلال "سحب الثقة" من الحكومة التي تدعم مشروع القانون.

لن يؤثر في اللغات الأخرى؟

ورداً على مخاوف دعاة التعريب، أوضح وزير التربية والتكوين المهني والتعليم العالي والبحث العلمي المغربي، سعيد أمزازي، خلال جلسة التصويت، أن خريطة الهندسة (التناوب) اللغوية في مشروع القانون "ترتكز أساساً على تقوية التحكم في اللغتين الرسميتين، وتنمية تدريس أكثر اللغات الأجنبية تداولاً".

أضاف: "اللغة الأمازيغية تجد أيضاً مكانة تليق بها في الوثيقة المرجعية، إذ سيتم تطوير وضعها في المدرسة، ومواصلة الجهود الرامية إلى تهيئتها لسانياً وبيداغوجياً، في أفق تعميمها التدريجي على مستوى التعليم الابتدائي والثانوي".

ولفت إلى أن مشروع القانون يولي اللغات الأجنبية الأهمية التي تستحقها بسبب أهمية أدوارها الوظيفية الجوهرية، مؤكداً أن "لا تعارض في تنمية استعمال مختلف هذه اللغات مجتمعة، في أفق جعل الحاصل على البكالوريا متقناً للغتين العربية والأمازيغية، ومتمكناً من لغتين أجنبيتين على الأقل".

"المصلحة الوطنية أهم"

وفي انتقاد غير مباشر لموقف أعضاء البيجيدي، قال أمزازي "إصلاح المنظومة (التعليم) مشروع وطني مصيري يجب أن يعلو على المواقف السياسية والإيديولوجية"، ملمحاً إلى أن الجدل الذي رافق إقرار القانون يتعلق بـ"بعد هوياتي يرتبط بترسيخ الهوية المغربية، التي هي مقررة وفق الدستور، وببعد تنموي يتصل بالاندماج الاقتصادي والاجتماعي والتنمية الثقافة والانفتاح الكوني، وتطوير البحث العلمي".

بعد جدل محتدم وتهديدات بسحب الثقة من الحكومة، صوّت مجلس النواب المغربي بالأغلبية لمصلحة مشروع قانون الإطار للتعليم الذي يعيد اللغة الفرنسية إلى المدارس رسمياً
بينما يخشى دعاة التعريب، من المحافظين والإسلاميين، خطورة التدريس بـ"لغة المستعمر" على الهوية واللغتين الرسميتين، تؤكد الحكومة المغربية أن "المصلحة الوطنية أهم من السياسة والأيديولوجيا"


أضاف: "هذا القانون ليس مشروعاً قطاعياً أو حكومياً، بل مشروع وطني ومجتمعي، يهم جميع أطياف المجتمع، ومختلف مؤسساته، ويتقاطع مع المشاريع الإصلاحية لبلادنا في مختلف المجالات، من منطلق أن الاستثمار في المدرسة هو استثمار في تأهيل الرأسمال البشري، الذي هو الثروة الحقيقية للبلاد، وركيزة تحقيق التنمية، ومصدر قوة متجددة ومستدامة".

ووصف أمزازي لحظة التصويت على مشروع القانون الذي يضمن مجانية التعليم العمومي في جميع مراحله وتخصصاته، بـ"لحظة تاريخية، باعتباره سابقة تشريعية في تاريخ المغرب، تؤسس لتحول نوعي ومنعطف تاريخي في تفعيل الإصلاح الشامل والعميق للمدرسة المغربية، وتكسبه صبغة الإلزامية، التي تعتبر عاملاً أساسياً من عوامل النجاح كما يستفاد من التجارب الإصلاحية".

يشار إلى أن الموقف الشعبي كان أكثر حماسة من الموقف الحزبي والسياسي، إذ تؤيد الطبقة الوسطى (إسلاميون ومحافظون) الفرنسة لإدراكهم عدم كفاية إجادة العربية لسوق العمل العصري، وهو ما تدعمه أكثر الطبقات فقراً ولا تعترض عليه النخبة كذلك.

وصباح 23 تموز/يوليو، عممت توجيهات للمعلمين والمدارس العمومية بـ"ضرورة تدريس المواد العلمية باللغتين العربية والفرنسية وإعمال مبدأ التناوب" خلال الفصل الدراسي المقبل، وفق ما أكده موقع هيسبريس المحلي.

ويسعى المغرب إلى تحسين جودة التعليم، إذ رفع موازنته من 5.4 مليار درهم (561 مليون دولار) إلى 68 مليار درهم (7 مليارات دولار) عام 2019، في محاولة لخفض معدلات البطالة التي تنتشر بين حاملي الشهادات الجامعية.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard