بعد أن كانت مصممة للرجال فقط...مدن اليوم تحاول حماية النساء من التحرّش الجنسي

الجمعة 21 يونيو 201904:03 م

في يومنا هذا باتت قضايا العنف الجنسي على كل شفةٍ ولسانٍ، فمنذ أن إنتشرت فضائح منتج الأفلام هارفي وينشتاين في أكتوبر2017، تحولت هذه القضية إلى موضوعٍ عالمي وقضية رأي عام، خاصة وأن الأمم المتحدة كشفت أن واحدة من كل 3 نساء سبق وأن تعرضن لعنفٍ جنسي أو جسدي، مع إرغام 120 مليون فتاة من حول العالم على بعض الممارسات الجنسية.

في الحقيقة إن العواقب تتجاوز الخسائر المادية والنفسية، لكون التحرش والخوف من العنف قد يعيقان حرية تحرك الفتيات والنساء، مما يحول دون وصولهنّ إلى تحقيق ذواتهنّ سواء كان ذلك على الصعيد الإجتماعي والإقتصادي.

أما المشكلة الأبرز والتي تواجهها النساء في مجتمعاتنا الحديثة فتكمن في كون أغلبية تصاميم المدن لا تأخذ في الحسبان توفير السلامة والأمان لهنّ، ووسط هذا الوضع المأساوي تحاول بعض المدن الإستفادة من التكنولوجيا الحديثة والتصاميم المبتكرة والتعليم من أجل الحدّ من خطر العنف في الشوارع.

من مصر وصولاً إلى رواندا كيف تحاول بعض المدن حماية المرأة من العنف الجنسي في الشوارع؟

مدن مصممة للرجال فقط

الخوف لا يمنع من الموت ولكنه يمنع الحياة...

إن شبح الخوف يلاحق معظم النساء في يومنا هذا، وهذا الشعور يكبّلهنّ ويقف حاجزاً أمام إبداعاتهنّ وتقدمهنّ في المجتمع، وفق ما أكدت عليه "لورا سوموغي" التي تدير جائزة Womanity  لمكافحة العنف ضد النساء بالقول:"الخوف يقوّض قدرتهنّ على العمل أو الذهاب إلى المدرسة أو الجامعة، مما يؤثر على تمكينهنّ وحقوقهنّ"، مشيرةً إلى أن الخوف من الإعتداءات الجسدية هو عائق أمام النساء للإفلات من الفقر.

وفي التفاصيل التي ذكرتها صحيفة الغارديان البريطانية، أنه أثناء الزيارة التي قامت بها مؤخراً "سوموغي" إلى دلهي، لاحظت بشكلٍ مباشرٍ الآثار طويلة الأمد: "إذا تعرضت الفتاة للتحرش وأبلغت والديها بذلك، فحينها سيقرر الأهل منعها من الذهاب إلى المدرسة، عوضاً عن محاولة حلّ المشكلة، وهذه قضية إجتماعية ضخمة".

تعتبر "سوموغي" أن جزء من المشكلة يكمن في أن المدن "خططها الرجال من أجل الرجال"، وفي حين أنه لا يمكن ببساطة هدم المدن المترامية الأطراف وإعادة بنائها من جديد، فإنه بالإمكان إتخاذ عددٍ من الإجراءات لجعل الشوارع أكثر أمناً والمحافظة على أمان وسلامة النساء عند التنقل في أنحاء المدينة، وعليه يتم إستشارة النساء الآن وأخذ رأيهنّ في عملية التخطيط وتصميم مشاريع التنمية الجديدة.

دلهي...إعادة رسم المدينة من منظور نسائي

في يونيو وجدت لجنة مؤلفة من بعض الخبراء العالميين الذين تم إستطلاع آرائهم حول قضايا النساء العالمية من قبل مؤسسة تومسون رويترز أن الهند هي من أخطر البلدان على النساء، فقد أدى الإغتصاب الجماعي ثم القتل لطالبة الطب "جيوتي سينغ" على متن حافلةٍ في دلهي في العام 2012، إلى نزول النساء إلى الشوارع للإحتجاج، ومن خلال غضبهنّ وحزنهنّ وخوفهنّ أتين بأفكارٍ قويةٍ من أجل التغيير.


وهكذا في العام 2013 شاركت "كالبانا فيسواناث" في تأسيس التطبيق SafetiPin الذي يهدف إلى مساعدة النساء على البقاء في أمانٍ من خلال السماح لمستخدميه بتقييم الشوارع والمناطق إنطلاقاً من معايير السلامة، كالإضاءة ووضوح الرؤية وكثافة المارة والتنوع بين الجنسين والأمن والنقل، هذا ويقوم التطبيق الهاتفي بتجميع بيانات السلامة وتقديمها إلى الحكومة المحلية وهيئات التخطيط.

ومن وظائف التطبيق كذلك أنه يسمح للمرأة بأن تفسح المجال أمام شخصٍ تثق به لكي يتتبع طريقها.

وعن نجاح هذا التطبيق لجهة توفير الحماية للنساء، تقول فيسواناث: "نجد أن الكثير من السيدات أصبحن قادرات على السفر ليلاً من خلال استخدام هاتين الميزتين، لكونهما يمنحان النساء الثقة لكي يتجولن حول المدينة"، مشيرةً إلى أنه كلما إزداد عدد النساء في الخارج، كلما أصبحت الشوارع أكثر إزدحاماً وأكثر أماناً.

القاهرة...فضح التحرش الجنسي

في مايو، اشتكت الممثلة والناشطة السابقة "أمل فتحي"، من أنها تعرضت للتحرش الجنسي خلال ذهابها إلى المصرف، وقامت بتحميل مقطع فيديو يوضح تفاصيل الحادثة قائلةً أن الحكومة فشلت في حماية النساء، فتم إعتقالها على الفور.

وفي سبتمبر، حُكم على فتحي، بالسجن لمدة سنتين لحيازتها مادة خادشة للحياء ولنشرها "أخباراً كاذبة"، كما تم تغريمها نتيجة توجيهها الإهانات في العلن.

في الواقع وجد إستطلاع للرأي أجرته مؤسسة تومسون رويترز في العام 2017 أن القاهرة هي "أخطر مدينةٍ كبرى في العالم بالنسبة إلى النساء"، وقد كشف استطلاع للأمم المتحدة في العام 2013 أن 99.3% من النساء المصريات تعرضن للتحرش الجنسي، في حين أن الأرقام الرسمية للعام الماضي زعمت أن أقل من 10% من النساء تعرضن للتحرش.

مناخ الخوف والإنكار كان سبباً وراء إطلاق  HarassMap، فعلى غرار SafetiPin يقوم هذا التطبيق بتجميع البيانات من مستخدميه، ولكنه عوضاً عن تقييم الشوارع بناء على معايير السلامة، فإنه  يسجل حالات التحرش الجنسي والعنف.

وعليه عندما يقوم أحد المستخدمين بالإبلاغ عن حادثةٍ ما، فإنه يتلقى فوراً رداً يضم نصائح وأرقام هواتف للاتصال بها من أجل الحصول على الدعم والمساعدة.

أما الهدف من هذا التطبيق فهو الكشف عن درجة تفشي هذا الوباء وإظهار أنه يؤثر على جميع النساء وأن ذلك ليس خطأهنّ، فضلاً عن كونه يكشف عن مكان وقوع المضايقات التي تحصل في العادة في الشوارع ووسائل النقل العام.

واللافت أنه منذ إطلاق HarassMap في العام 2010، تم الإعتراف في نهاية المطاف بالتحرش الجنسي كجريمةٍ في مصر، هذا وأعيد تكرار مفهوم HarassMap في 80 دولة أخرى، بما في ذلك اليونان وتركيا والمملكة العربية السعودية وأفغانستان.

برشلونة...تصميم مساحات عامة إيجابية للإناث

يتألف فريق Collective Point 6 من مهندسات عمارة وعلماء اجتماع ومهندسات تخطيط مدني يسعين جميعاً ومنذ عقود إلى تحقيق المساواة في شوارع برشلونة.

تعتبر العضو "سارة أورتيز" أن وضوح الرؤية هي المفتاح، ولكن تؤكد أن هناك ما هو أكثر من الإنارة:"في الأماكن المضاءة بشكلٍ جيدٍ التي تخلو من النشاط، لا توجد عيون في الشارع وبالتالي لن يشعر الناس بالأمان على أية حال"، وتشرح مسألة"العيون في الشوارع" بالنشاط في الشوارع من حيث إقبال المارة وما يحدث في المباني على جانبي الطريق، والتي، وفق رأيها، "سواء كانت أملاك تجارية أم لا، فإنه يجب أن تكون هناك شفافية من أجل رؤية الخارج من الداخل والعكس"، خاصة وأن العنف ضد النساء غالباً ما يحدث وراء الأبواب المغلقة، وعليه يمكن أن تكون الأحياء الميسورة الأسوأ في هذا الصدد لأن جدرانها العالية تحمي المنازل مما يجعل الشوارع وكأنها نفق.

وفي برشلونة، تقول "أورتيز" أنه يمكن تعديل وتغيير أماكن حاويات النفايات الكبيرة ومواقف السيارات ومناطق الكثافة الشجرية لتقليل أماكن الإختباء، وفي هذا الصدد، يوصي فريق Collective Point 6 بعدم جعل الغطاء النباتي يتجاوز المتر الواحد كي تتسنى رؤية ما خلفه، إضافة إلى ضرورة الإعتناء بالأشجار لكي لا تمنع الإنارة.

وفي حين أنه من الصعب مراقبة الزوايا والسلالم والأزقة وغيرها من المباني إلا أنه في مدينة سان سيباستيان على الساحل الشمالي تمت الموافقة مؤخراً على نظامٍ داخلي يضمن أن تكون جميع مداخل المباني السكنية الجديدة على مستوى الشارع لتجنب توفير أماكن للإختباء.

وفي الأحياء التي يتم فيها إعادة بناء المباني القديمة، يكون فريق Collective Point 6 جاهزاً للتأكد من أن تكون هذه المباني مخصصة لجميع الأعمار والأجناس.

وتسلط "أورتيز" الضوء أيضاً على جانبٍ رئيسي آخر وهو كيفية تمثيل النساء في الشوارع، فإنتظار المرأة بمفردها عند موقفٍ للحافلات يعرض إعلاناً تمييزياً يخلق بيئة عدائية ضد النساء، من هنا أقيمت عدة حملات في إسبانيا لإعادة تسمية الشوارع بأسماء النساء أو المهن المرتبطة بالإناث.

كيغالي رواندا: خلق مساحات عمل آمنة

بحسب المنتدى الإقتصادي الدولي تعد رواندا رابع أفضل بلدٍ في العالم من حيث المساواة بين الجنسين.

وفي العام 2017 أعلنت الأمم المتحدة أن رواندا هي واحدة من دولتين فقط في كل العالم توجد في حكومتيهما أعداد من النساء تساوي أعداد الرجال (الدولة الأخرى هي بوليفيا)، لكن هذا لا يعني أن الحياة ليست صعبة وخطيرة على البائعات المتجولات اللواتي يبلغ عددهنّ 5 آلاف إمرأة في شوارع العاصمة، وعليه على مدى السنوات الأربعة الماضية، تم بناء 16 "ميني ماركت" آمن لتوفير أماكن آمنة ومنظمة لهؤلاء النساء، مع تخصيص أيضاً أماكن للرضاعة فيها.

يذكر أن هذه المتاجر الصغيرة لم توفر عملاً أمناً فقط، بل إن العمل في سوقٍ منظمٍ قد ساعد هؤلاء النساء على كسب رزقٍ أفضلٍ، علماً أن تحسين الوضع الإقتصادي هو أفضل حماية ضد التحرش والعنف في جميع أنحاء العالم.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard