أجمل قصص الأوبرا (I)... من العشق المحرّم إلى الإغواء المأساوي

الجمعة 28 يونيو 201906:21 م

ما يميّز فنَّ الأوبرا عن باقي الأنواع الموسيقيّة هو القصّة، فالأوبرا هي من الأنواع الفنيّة الموسيقيّة التي تحضر فيها القصّة بشكلٍ أساسي، وقد لعبت وماتزال عروض الأوبرا دوراً أساسيّاً في تعريف الجمهور العالمي بالنصوص الأدبيّة والمسرحيّة، فهي إحدى القنوات التي تعبّر من خلالها قصص الأسطورة، الحكايات الشعبيّة، الكتابات المسرحيّة والقصصيّة إلى المتلقّي في كافة أنحاء العالم.

هذه الخصوصيّة القصصيّة لفنّ الأوبرا تنبّه إليها الناقد الأمريكي ميلتون كروس، حين عمل على تحقيق كتابه (القصص الكاملة للأوبرات العظيمة) الذي ترجم من قبل الناقد الموسيقي محمد حنانا، وصدر مؤخراً عن دار المدى، بما يقارب 400 صفحة. ضمَّ الكتابُ القصصً الكاملة لـ 33 أوبرا من أهمِّ الأوبرات في تاريخ هذا الفنّ، كما ضمّنه مقدمةً شهيرةً لموجز تاريخ الأوبرا.

العشق المحرّم

أولى الأوبرات التي تضمنها الكتاب أوبرا عايدة، 1871، جوسيبي فيردي، وعايدة هي ابنة ملك الحبشة، أسرها المصريّون، فوقعت في غرام قائد الجيوش المصريّة راداميس، لكن حين يشرع والدها بحملةٍ لتحريرها، يصبح لزاماً عليها الاختيار بين حبّها لوالدها، وبين حبها لراداميس عدوّه.

في الأوبرا تغني عايدة "آريا" تختصر بتكثيف الحبكة الأخلاقيّة لقصّة الأوبرا. في هذه الآريا تصف كم هي ممزّقة بين إخلاصها لأبيها وحبها لراداميس، إنها تلوم نفسها، وتشتدّ عليها الرؤى حيث تتخيّل حبيبها راداميس ملطخاً بدماء إخوتها، راكباً العربة منتصراً، وخلف عربته والدها مكبلاً بالسلاسل. كلّما توسّلت للآلهة أن تكلّل والدها بالنصر، تنتحب مجدّداً متذكّرةً حبها لراداميس.

عايدة في هذه الناحية قريبة من مسرحيّة "فيدر" للإغريقي يوربيديس. فيدر تجسّد العشق الملعون، فهي تعشق ابن زوجها هيبوليتوس، فتتحوّل مشاعرها إلى لهيبٍ قاتل، تنتهي نهايةً مأساويّة.

الذنب المهلك بالجنون

أوبرا المؤلف الموسيقي موزورسكي بعنوان بوريس غودونوف، 1928، هي من نصّ الشاعر الروسي بوشكين. تتعلّق قصّتها بدايةً بالسلطة، فبعد أن يرتكب جريمة قتل ابن القيصر، يُجبر بوريس غودونوف الناسَ على قبوله كإمبراطور، وحين يعتلي العرش زاعماً أنه يستجيب لإرادة الشعب الروسي، تبدأ معاناته من وخز الضمير، ومن خوفٍ لا إرادي، هاجس ينذر بالشؤم في مناجاته الملكيّة، وتلمع في ذهنه ذكرى جريمة القتل التي ارتكبها.

تماماً كما في مسرحية مكبث، وفي رواية الجريمة والعقاب لدستويفسكي، غودونوف نموذج الشخصية الإجراميّة التي أودى بها شعور الذنب إلى الجنون والهلوسات. يغنّي فيها غودونوف بشرودٍ أن المشهد الرهيب للقتيل يلازم أحلامه بقسوة، يتخيّل شبح القتيل يلاحقه، وينتهي به الأمر إلى ما يشبه الجنون.


نبوءة بالموت

تعتبر أوبرا كارمن، 1875، للمؤلّف الموسيقي الفرنسي جورج بيزيه، ومن نصِّ الأديب بروسبير مريميه، واحدةً من أشهر الأوبرات في تاريخ الموسيقى، ورغم أن شخصية كارمن تُصوَّر لاهيةً في الكثير من القراءات لحكاية هذه الشخصية، إلا أن حكايتها هي تجسيد لنزوعٍ متعارضٍ لدى الإنسان، عميقٍ، بين الالتزام بالحب أو الالتزام بالحرية.

يخيّب الضابط دون خوسيه آمال معشوقته كارمن لأنه يتردّد بالتخلّي عن كلِّ ما حوله، والانضمام لقافلة الغجر التي تنتمي إليها. كارمن تدعوه للحرية: "لو كنت تحبني حقاً لترافقني إلى الجبال"، في إحدى أجمل مفاصل القصّة، وبينما تستكشف كارمن طالعها في أوراق اللعب كنوعٍ من قراءة المستقبل، تتنبأ بمصيرها المشؤوم: الموت، موتها أوّلاً ثمّ موته.

مصير الإغواء المأساوي

تحمل أوبرا أماديوس موزارت، دون جيوفاني، 1878، عنواناً آخراً وهو عقاب الفاجر. قصّتها تبدأ حين يكتشف الحاكم محاولات دون جيوفاني لإغواء ابنته آنا، فيبارزه ويقتل الحاكم. لكن الاستمرار باللهو، يقود جيوفاني لمصيرٍ مأساوي، فحين يعود الحاكم على شكل تمثالٍ ضخم، يطلب التمثال منه أن يتوب، لكن جيوفاني يرفض مبرّراً: "أنا أحتقر التوبة والندم، إليك عني أيها العجوز الخرف"، فيكون مصيره الموت احتراقاً، بينما تستعدّ الشياطين في العالم السفلي لتنفيذ العذابات التي تنتظره. إنها حكاية عن العقاب الذي يطال شخصية دون جوان أو دون جيوفاني، التي تلهو بإغواء النساء دون رادع أخلاقي، فيكون مصيرها مأساوياً، وهو الموت على يدي تمثال الحاكم.

طمع الخلود المُهلك

في أوبرا فاوست، 1859، وهي من نصّ غوته وموسيقى شارل غونو، يحضر فاوست كشخصيةٍ نهمةٍ للمعرفة، باحثةٍ عن معنى الحياة، بلغت أوج بأسها لأن لغز الحياة محيّر، وإثر اليأس يقرّر فاوست الانتحار، وقبل أن يتجرّع السم، يسمع غناء القرويين آتياً من الخارج، في سخريةٍ لاذعةٍ يطلق فاوست لعنةً شنيعةً على الحياة وعلى جميع المطامح البشريّة، ويدعو الشيطان لمساعدته.

من ضوء ساطع يحضر مفيستوفيليس أمامه، ويعلن عن نفسه بتهذيبٍ، وبعد محادثةٍ وجيزة يؤكّد لفاوست بأنه يستطيع أن يمنحه كلَّ ما يطلبه: المال، الشهرة، القوّة. لكن فاوست يهزأ بجميع هذه المنح، ويقول إنه يرغب بالكنز الأعظم فقط، أي شبابه. إذاً، فاوست بدقة هو ذلك الباحث عن الخلود، لكن تعاونه مع الشيطان يودي به إلى المصير المأساوي الذي وسم حكاية هذه الشخصية الشهيرة في عالم الأدب والمسرح والأوبرا.

دعوة إلى التجديد الفني

تكتسب أوبرا أساتذة نونبرغ، 1868، من نص وموسيقى ريتشارد فاغنر، أهميةً خاصّة لأن موضوعها هو الغناء نفسه. يتنافس كل من المغنّي فالتر والمغنّي بيكميسر، على أفضل أداء في المسابقات الغنائيّة، من يتفوّق سيتزوج إيفا التي أعلن والدها أنه سيزوّجها للمتفوّق في مسابقات الغناء.

لذلك هناك في هذه الأوبرا العديد من النقاشات حول أغانٍ تؤدّى على المسرح، فكلّ من المتسابقين يحاول تأليف الأغنية الأجمل. هكذا تشتمل هذه الأوبرا على العديد من النقاشات الموسيقيّة والجدالات المتعلّقة بكلمات القصائد. فمثلاً، في إحدى المنافسات يعبر فالتر بغضب عن ضيق أفق لجنة التحكيم وتزمّت قواعدهم، معلناً أنه سيغنّي من الآن فصاعداً طبقاً لما يمليه عليه قلبه. ولأن بيكمسير يسرق الأغنية التي يعدّها فالتر، فيقدّم كلا المغنيين ذات الأغنية في يوم المسابقة النهائيّة، لكن الإختلاف في طريقة الأداء هي التي ستحسم الفوز للمجدّد في الأداء فالتر على حساب التقليدي بيكمسير. تصبح الحكاية في أساتذة الغناء في نورنبرغ، كأنها دعوة للفنِّ ليكون أكثر ذاتية، وساعياً نحو التجديد.

متعة ارتكاب الشرّ، نبوءة بالموت، مصير الإغواء المأساوي، عواقب الغيرة، والعشق المحرم: هنا إطلالة على أكثر قصص الأوبرا إثارة وشهرة

الضحية المسعورة بالانتقام

تقارب حكاية أوبرا نورما، 1831، حكاية مسرحية ميديا عند يوربيديس. تتمرّد نورما على أخوية الدروديون التي تنتمي إليها، وهي أخويةٌ دينيّةٌ مارست تأثيراً كبيراً وسط القبائل القديمة لبلاد الغال وبريطانيا وإيرلندا، وكان يُنظر إليهم بوصفهم وُهِبوا القدرة على التنبؤ. كانت جميع القضايا المدنيّة والعسكريّة تتطلّب موافقتهم، وكانت سلطتهم تفوق سلطة الملوك والقادة العسكريين.

كانت نورما من الكاهنات ذوات الرتب العالية اللواتي أخضعن أنفسهن لقواعد طقسيّةٍ صارمة، وأقسمن على الحفاظ على عفّتهن وطهارتهن، لكنها تخالف القواعد وتقع في حب الحاكم الإداري الروماني بوليوني، وتنجب منه طفلين. تبدأ أحداث الأوبرا حين يكون الحاكم بوليوني قد ملَّ من نورما وغدا متيّماً بعذراء المعبد أدالغيزا. في كلا الحكايتين، نورما وميديا، تتحوّل الضحية إلى منتقمٍ شرسٍ ومهيب. أوبرا نورما من نصِّ ألكسندر سوميه، ومن تأليف الموسيقي بيلليني.

متعة ارتكاب الشر

في أوبرا عطيل، 1887، نص شكسبير، وموسيقى جوسيبي فيردي، نجد واحدةً من أكثر شخصيات المسرح والأوبرا إشكاليةً، إنه ياغو، الذي ينسج خيوط الأحداث لتودي بالأمير عطيل لأن يقتل زوجته ديزدمونة بفعل الشكّ بالخيانة.

عبر غناء الآريا، يُفسح المؤلّف فيردي لشخصية ياغو أن تغنّي أفكارها، في كريدو شهير نكتشف أن ياغو يعتقد بإلهٍ قاسٍ خلقه على شاكلته، يعتقد أن الحياة وجدت لتغذّي الموت، وأن الأخيار المخلصين هم ممثلون تعساء، وإن الفضائل التي يدعون إليها، الشفقة والحب والإيثار والشرف، ليست سوى أكاذيب.

الغيرة بين الهزل والتراجيديا

تكتسب أوبرا المهرجون، 1870، نصّ وموسيقى روجيرو ليونكافالو، أهميةً خاصّةً لأنها نموذج ممتاز للدمج بين الكوميديا والتراجيديا. قصّة الأوبرا تجري في أوساط المهرّجين، وهو لقب أطلق على الكوميديّين والإيمائيّين الجوّالين في إيطاليا في القرن السادس عشر، فتبدأ المسرحية بعالمٍ من الهزل ينتهي بمأساةٍ تراجيديّة، استوحاها ليونكافالو من حادثةٍ عايشها بنفسه في مونتالتو، وهي مكان أحداث الأوبرا، حيث قتل أحد الممثلين زوجته بعد انتهاء العرض، بسبب اختلاط شعور الغيرة عنده بين الأداء المسرحي وبين واقع حياة أعضاء الفرقة.

لعنة الضحك الحتمي

اعتبر ريتشارد فاغنر أوبرا بارسيفال، 1882، عملاً فنيّاً يتجاوز التسلية، بسبب موضوعها العميق، وهي عن الخلاص الروحي للإنسان عبر تضحية المخلّص، وقد سمّاها مسرحيةً تقديسيّة، محرّماً تقديمها في أيّ مسرحٍ غير مسرح مدينته الأصل بايروت، وفي هذه الأوبرا نقابل واحدةً من أبرز اللعنات في قصص الأوبرات.

حين ترى كوندري المخلّص المصلوب، تضحك من عذاباته، فتحلّ عليها اللعنة تجعل حياتها هيماناً في الأرض بحثاً عمن يخلّصها من اللعنة، ولكن في كلّ مرّة تقترب من الخلاص تستولي عليها ضحكة ساخرة وتحكم عليها بالإخفاق. هي لعنة الضحك في الوقت غير المناسب على الدوام.

في أوبرا ريغوليتو، 1851، نصّ فيكتور هوغو، موسيقى جوسيبي فيردي، لعنةٌ أخرى تطال شخصيتها الرئيسية ريغوليتو، وذلك بسبب سخريته من والدٍ يشتكي من محاولة الدوق الاعتداء على ابنته. يلاحق ريغولتو الوالد المشتكي بسخرياته، فيقول الأب المقهور: "لتنزل عليك اللعنة، أنت الذي يضحك من آلام الوالد".

في الأحداث التالية من الأوبرا، ينقلب الدوق لإغواء ابنة ريغولتو نفسه، يسبّب لها الدوق الآلام ويدمّر حياتها، فيخطّط ريغولتو للانتقام باغتيال الدوق، ليجد نفسه وقد قتل بمخططه ابنته بدلاً من الدوق. لقد حلّت عليه اللعنة رغم محاولاته وسعيه المحموم لتغيير القدر.

العشق السادي

من الشخصيات النسائيّة الإشكاليّة في التاريخ القصصي، شخصية أوبرا سالومي، 1905، نص أوسكار وايلد، موسيقى ريتشارد شتراوس. تنتقم سالومي بقسوةٍ من يوحنا المعمدان، الذي يرفضها بعد أن تبيّن انجذابها له، تصل فيها رغبة الانتقام إلى أن تطلب من الملك هيرود، رأسَ يوحنا المعمدان لقاء رقصةٍ تقدّمها له، يرغب الملك أن يرى جسدها يؤديها بشدة، وينفّذ لها رغبتها في النهاية.

من الحفرة التي كان المعمدان محبوساً فيها، تبرز ذراع الجلاد وهي تحمل عالياً الطبق وعليه الرأس المقطوع. تمسك سالومي الرأس بقبضتها وتبدأ بالغناء، أغنيتها الرهيبة، أغنية الشغف المُحبط والشهوة المكبوتة، في الحياة لم يدعها يوحنا تقبّل فمه، ولكنها سوف تقبّله الآن في موته، العينان التي نظرتا إليها سابقاً بغضبٍ، مغلقتان إلى الأبد الآن، واللسان الذي شجبها بضراوة صامت الآن، لكنها مازالت تحيا، تهلّل سالومي مربتةً على الرأس، ومرّة ثانية مناجيةً جسد يوحنا.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard