هل العرب معنيون بتصميم عالم جديد؟

الاثنين 17 يونيو 201903:01 ص

يطل الليبراليّون الأميركيّون اليوم، مستجيبين للتغيّر المناخي، بتصميمٍ لعالمٍ جديد، يسمّى "الاتفاق الأخضر الجديد"، من أجل مستقبلٍ أقلّ تلوّثاً وضرراً للبيئة، يتحرّك بالطاقات المتجدّدة بديلاً عن الوقود الأحفوري، بالإضافة لحركاتٍ طلابيّةٍ واجتماعيّةٍ كبيرة تنتشر في الغرب مطالِبةً بعدالةٍ بيئيّة.

تحيلنا هذه التحرّكات لسؤالٍ بخصوص بلادنا، ماذا عن المنطقة العربيّة التي تعدّ من أكثر البلاد عرضةً لهذه الأزمة، هل ستغمرنا مياه البحر المرتفعة، أو سنكون ضحيةً لواحدةٍ من هذه الكوارث الطبيعيّة؟

حلّت سنة 2018 في المرتبة الرابعة ضمن مؤشّر سنوات ارتفاع حرارة الكوكب، بينما كانت السنوات من 2015 الى 2017 في المراتب الثلاث الأولى على التوالي، حسب وكالة ناسا، ما أدّى لكوارث طبيعيّةٍ هائلة، نرى بعض نتائجها المباشرة في القارّة الأميركيّة، فسُجّلت 14 كارثةً طبيعيّةً العام الماضي، كلّفت الدولة ما يقارب مليار دولار لكلٍّ منها، كالحريق الذي التهم غاباتٍ عديدةً في ولاية كاليفورنيا أو الإعصار الذي ضرب تكساس منذ سنتين. وتتحدّث التوقّعات على المستوى العالمي عن غرق مدنٍ ساحليّةّ بأكملها، ذات تعداد سكاني عالٍ مع نهاية القرن الجاري، ومنها مومباي في الهند، وغوانزو في الصين، ولاحقاً أضاف الباحثون مدينة نيويورك الى القائمة.

رغم أن انبعاثات الغازات الدفيئة لا تزيد عن 5% في العالم العربي من إجمالي الانبعاثات في العالم لكن تبقى المنطقة أوّل ضحايا التغير المناخي

تدور مخاوف البنك الدولي، الذي ينفق 1.5 مليار دولار لمكافحة تغيّر المناخ في المنطقة، أنه قد يتراوح عدد الضحايا ندرة المياه الشرب بحلول عام 2025، بين ثمانين إلى مئة مليون، وفي حال عدم اتخاذ الخطوات المناسبة، فسيكون من المستحيل العيش في المنطقة العربيّة وشمال إفريقيا في غضون عام 2100

ارتفاع مترٍ واحدٍ من مياه البحار سيؤدّي إلى غرق 29.93% من يابسة مدن دلتا النيل بمجملها، والمناطق الساحليّة المنخفضة في تونس وليبيا وقطر.

كما أفادت دراسةٌ جديدةٌ تنفي ما سبقها من نتائج، أن مستوى سطح البحر أصبح معرّضاً للارتفاع أكثر من مترين بحلول نهاية هذا القرن، إذا لم يتمّ الحدّ من الانبعاثات الغازيّة بأسرع وقت، وسينجم عن ذلك غرق مدنٍ كبرى. ينقسم العلماء إلى قسمين، الأوّل يدعو لتخفيض درجات الحرارة والثاني يرى استحالة إصلاح هذا الخلل، لكن يمكن إيقافه عند مستواه الحالي ومنعه من التفاقم وتخريب التوازن البيئي. في القسم الثاني يعمل العلماء مع السياسيين والاجتماعيين لمحاربة الانبعاثات الغازيّة وإيقاف العمل بالوقود الأحفوري، بذلك قد يتمكّنون من إيقاف ارتفاع درجات الحرارة التي تؤدّي الى ذوبان الجبال الثلجيّة التي بدورها تزيد من ارتفاع سطح مياه البحر، مهددةً الحياة بالغرق وندرة مياه الشرب، أو بالأعاصير والكوارث الطبيعيّة.

في تحليلٍ صدر مؤخّراً يصف التغيّر المناخي "كتهديدٍ وجودي حقيقي للحضارة الإنسانيّة"، ورغم تقدير خطرها من قبل الكثير من العلماء والسياسيين إلا أنه من الصعب تصوّره بشكلٍ حقيقي، لأن الإنسانيّة لم يسبق لها أن واجهت أزمةً مشابهة خلال الألف سنة الماضية. ويضيف التقرير للتقارير المنشورة سابقاً، بأنه في حال استمرار الاستنزاف الحالي للبيئة، واستخدام الوقود الأحفوري، فسيصل كوكب الأرض إلى مستوى لا يمكن إيقاف الضرر فيه في منتصف هذا القرن.

وذات الدراسة تتوقّع إمكانية ارتفاع درجة الحرارة ثلاث درجات مئوية في المعدل العالمي، ما سينتج خراباً كبيراً في النظام الأيكولوجي، مثل ذوبان أسرع للجبال الجليديّة، وضرر للكائنات البحريّة والشعب المرجانيّة، وغابات الأمازون الماطرة، أضافةً لهجرة حوالي مليار من السكان في العالم إلى مناطق مناسبة للحياة، وسينخفض الإنتاج الغذائي بشكلٍ كبيرٍ في جميع أنحاء العالم.

المياه والغذاء في الوطن العربي، بين الآثار الحالية والتوقّعات

لمنطقتنا العربيّة حالها السياسي غير المستقرّ، لكنها أيضاً في الخط الأمامي مع ارتفاع درجات الحرارة وأزمة المناخ، من دلتا النيل الى المناطق الساحليّة المنخفضة في تونس وليبيا والخليج العربي. رغم أن المنطقة العربية أقلّ تصديراً للغازات المضرّة في العالم، لكن في حال ارتفاع معدّل الحرارة في الكوكب درجتين مئويتين، سيتولّد ارتفاعٌ هائلٌ في درجة الحرارة في البلاد العربيّة، مع كوارث في شحّ المياه وخراب الزراعة أو غرق مدنٍ ساحليّة بأكملها. فسُجّلت مؤخّراً أعلى درجات الحرارة في المنطقة والتي وصلت الى 54 درجة مئوية في مدينة مطربة في الكويت، والبصرة 53.9 درجة مئوية في 2016، والرقم الأعلى كان من نصيب أبو ظبي 50.4 درجة مئوية في 2017، أما في 2018 فكانت بغداد أحرّ المدن بـ 50 درجة مئوية.

أكثر العواقب تهديداً هي كوارث المياه، ويتمثّل الخطر إما بندرة مياه الشرب أو بغرق مدنٍ بأكملها بمياه البحر المرتفعة، فتهديد مياه البحر للمدن الساحليّة على المستوى القريب يكمن في ازدياد نسبة ملوحة التربة ما يجعلها غير صالحةٍ للزراعة، أو أن ترتفع نسبتها فتتسرّب إلى مسارات المياه العذبة وتجعلها مالحة.

لكن في المستوى البعيد سيكون التهديد بغرق المدن الساحليّة التي ستُغمَر بمياه البحر، سيكون الغرق مصير ملايين من سكّان تلك المدن في حال ارتفاع درجتين في الحرارة. فقد أظهرت التقارير أن ارتفاعاً بمقدار 1,5 درجة مئوية قد يؤدّي الى ارتفاع ما يقارب 0.26 الى 0.77 متراً من مياه البحر خلال نهاية القرن الجاري، مع العلم أن أكبر تعدادٍ للسكان في العالم هو في المدن الساحليّة. فهل يمتلكون قوّةً لتحرير أنفسهم من خطر الكارثة؟ وكمثال فإن واحدةً من المدن المهدّدة في المنطقة العربيّة هي الإسكندريّة، وحسب نتائج الأبحاث الأخيرة فارتفاع مترٍ واحدٍ من مياه البحار سيؤدّي إلى غرق 29.93% من يابسة مدن دلتا النيل بمجملها، والمناطق الساحليّة المنخفضة في تونس وليبيا وقطر.

تدور مخاوف البنك الدولي، الذي ينفق 1.5 مليار دولار لمكافحة تغيّر المناخ في المنطقة، أنه قد يتراوح عدد الضحايا ندرة المياه الشرب بحلول عام 2025، بين ثمانين إلى مئة مليون، وفي حال عدم اتخاذ الخطوات المناسبة، فسيكون من المستحيل العيش في المنطقة العربيّة وشمال إفريقيا في غضون عام 2100. ويتحدّث برنامج التطوير للأمم المتحدة عن إمكانية زيادة في قوّة العواصف وتسرّب المياه المالحة لقنوات المياه العذبة، في بعض البلاد العربيّة، وأكثرها تعرّضاً لهذا، مصر، ليبيا، المغرب وتونس. وستؤدي ندرة المياه الى ضعفٍ في الانتاج الزراعي في المناطق الساحليّة، وتعرّض التربة الزراعيّة للتملّح. وفي مصر وحدها تشير التوقعات إلى تعرّض 12% من الأراضي الزراعية للخطر، ويعدّ نهر النيل من الأنهار المهدّدة باحتلال المياه المالحة لمجاريها.

على مستوى أقرب متعلّق بالغذاء والزراعة، تشير الأرقام أيضاً الى انخفاضٍ في إجمالي المساهمة الزراعيّة في الناتج المحلّي للدول العربيّة في السنين الماضية، لعدم استقرار المناخ الذي تعتمد عليه الزراعة في المنطقة. تتكلّم الإحصائيات عن مليون شخص يعانون من سوء التغذية و21.2 مليون يعانون من انعدام الأمن الغذائي. وعلى رأس تلك البلدان في انخفاض مستوى الإنتاج الزراعي الأردن، السودان، سوريا، تونس واليمن في السنوات الأخيرة. ومن المتوقّع أن الارتفاع بمقدار متر واحد من مياه البحر يؤدي إلى انخفاض الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 6%.

ومن المرجّح أن ينخفض الإنتاج الزراعي بنسبة تصل إلى 47% بحلول عام 2060 في مصر، مع الأخذ بعين الاعتبار التزايد الكبير في عدد السكان.

رغم أن انبعاثات الغازات الدفيئة لا تزيد عن 5% في العالم العربي من إجمالي الانبعاثات في العالم لكن تبقى المنطقة أوّل ضحايا التغير المناخي، ففي خضمّ الصراعات السياسيّة في البلاد العربيّة خصوصاً بعد اندلاع ثورات الربيع العربي، ومع ارتفاع التعداد السكّاني المتزايد، توضع مسألة البيئة في أسفل قائمة الأولويات السياسيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة، رغم قرب كوارثها، بل تنحّى خارج حلبة الصراع السياسي نهائياً. تطوّر هذه الأزمة المناخيّة بدون وعي حقيقي قد يعني انتشار أوبئةٍ ومجاعاتٍ وانعدام الحياة في بعض المناطق، ما يعني تشكيل هجراتٍ جديدةٍ قد تغير الخريطة السكّانية للبلاد، أو صراعاتٍ جديدةٍ تُخلق من أجل تحصيل أماكن أكثر أمناً للمتضرّرين وأكثر غذاءً للجائعين.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard