مذكرات "سامر"، فتىً آخر من حركة حماس | الجزء الأول

الأحد 12 فبراير 201712:31 م

في ركن صغير داخل المسجد الواقع وسط غزة، مطلع عام 2003، وفي وقت لا صلاة فيه والمسجد خالٍ من المصلين، يجلس رجل في مطلع الثلاثين من العمر، تزين وجهه لحية خفيفة، يمسك بكتاب صغير وعيناه مسمرتان باتجاه باب المسجد، الذي دخل منه فتى في مقتبل العمر، يسير باتجاه صاحب اللحية الخفيفة، الذي انفرجت أساريره برؤية الفتى.

الفتى: السلام عليكم.

الرجل: عليكم السلام ورحمة الله وبركاته... كيف حالك يا أخ «سامر»؟

الفتى: الحمد لله يا «أبو البراء».

بعد أن جلسا، ظهرت ابتسامة عريضة على وجه «أبو البراء»، ليبادله «سامر»، صاحب المظهر الحسن والهندام الراقي، بابتسامة، ظهرت خلالها أسنانه الناصعة البياض.

قطع «أبو البراء» لحظات الصمت، التي سادت المكان، بقوله: كيف الأهل إن شاء الله بخير؟

ليرد سامر: الحمد لله. ربنا يهديهم.

أبو البراء: "إنت عارف إنك أول واحد من عائلتك يلتزم معنا في الحركة مع الإخوة في مرحلة الأشبال (في الجماعات الإسلامية الأشبال هم الفتية من سن 12 إلى 16 عاماً)".

فيقول سامر مبتسماً: «إن شاء الله يا أبو البراء».

مد أبو البراء يده ممسكاً الكتاب الذي كان أمامه وأعطاه لسامر قائلاً: "تفضل هذا الكتاب اقرأه سيعجبك كثيراً".

أمسك سامر بكتاب «ماذا يعني انتمائي للإسلام»، نظر إليه قليلاً وقال: "أنا قرأت جزءاً من الكتاب في الفترة الماضية".

أظهر أبو البراء اهتماماً بما قاله سامر، لقد اطلع على الكتاب الذي تتخذه غالبية التيارات الجهادية المنبثقة من جماعة الإخوان المسلمين، كمنهج أساسي لتربية أجيالهم على قاعدة «الولاء والبراء».

أبو البراء: «شوف يا سامر. مناصرة الإسلام والمسلمين فرض على كل فرد في المجتمع، لكن الناس ألهتهم شؤون الدنيا ونسيوا أننا في أرض مغتصبة من الصهاينة وبنعاني كمان من ظلم اللي اتبعوهم من أبناء جلدتنا. عشان هيك إحنا الآن في مرحلة الإعداد والبناء لجيل آخر غير الجيل اللي خرج مع بداية الانتفاضة الأولى (بدأت الانتفاضة الفلسطينية الأولى عام 1987). طبعاً إنت شايف الجيل اللي نشأ في نهاية الثمانينيات وفترة التسعينيات، هما اللي اتقدموا بالصفوف الأولى خلال الانتفاضة الثانية (بدأت الانتفاضة الفلسطينية الثانية عام 2000)».

بدا «سامر» منتبهاً لكل كلمة يتفوه بها أبو البراء، ويحاول أيضاً التركيز على الأسلوب الذي يتبعه خلال الحديث، فيتعمد التشديد على مخارج بعض الحروف، ويستخدم اللغة العربية الفصحى غالباً.

أسهب «أبو البراء» في حديثه: «الفترة اللي إحنا فيها وصراعنا مع عدونا بيحتاج منا التجهيز والبناء، واعتمادنا الأول والأخير على إعداد الإنسان المسلم، اللي بنعتبروا الأساس في خلق توازن الرعب بين الحق والباطل. والباطل لا يقتصر على اليهود فقط. إنما على كل من يحارب المجاهدين ويعذبهم ويحبط عملياتهم ويهرول للجلوس مع العدو الصهيوني. إحنا الجيل القديم رح تيجي علينا فترة نكون خلالها مش قادرين على التحرك في أي اتجاه. إنتو الجيل الجديد اللي رح تكونوا مسيطرين على الساحة بكل تفاصيلها».

قصة انضمام شاب إلى حماس... تفاصيل استقطابه من قبل عناصر الحركة والمهامات الموكلة إليه

كان سامر يستمع لكلامه لكنه لم يفهم شيئاً، بل كان يهز رأسه ليوحي لأبو البراء أنه فهم المطلوب منه.

أبو البراء: «يوم الجمعة بعد صلاة العصر رح يكون عنا جلسة لمرحلة الأشبال حاول إنك تكون متواجد عشان تتعرف على الإخوة وتشاركهم النشاطات».

وقفا، تصافحا، وتبادلا الابتسامات، وانصرف كل منهما في طريقه. اتجه سامر إلى منزله القريب من المسجد، وحين وصل إلى باب المنزل وقف يتأمل الكلمات المنقوشة فوق الباب: "يا داخل هذه الدار صلي على النبي". منزل يتكون من سبعة طوابق تعيش فيه عائلته الكبيرة، ويتدلى من سطح المنزل علم فلسطين، تجاوره الراية الصفراء الخاصة بحركة فتح، التي تعتبر العدو اللدود للتيارات الإسلامية وخصوصاً حركة حماس.

يوم الجمعة، وفي الموعد المحدد، أخبر والدته أنه سيتأخر قليلاً لأنه ذاهب إلى المسجد، وهي لم تستغرب، فابنها اعتاد القيام بأشياء غريبة.

مضت الأيام والشهور، ومضى عامان وسامر على حاله، ملتزم حضور الجلسات والاجتماعات، يذهب إلى كافة الفعاليات التي تنظمها الحركة، الاختلاف الوحيد أنه ارتقى لحضور اجتماعات المرحلة الثانوية (مرحلة الشباب).

في تلك المرحلة بدأت الأمور تأخذ اتجاهاً آخر. ففي أحد أيام صيف 2005، تلقى سامر اتصالاً هاتفياً من شخص عَرّفَ نفسه بـ«أبو محمد»، وطلب منه الحضور إلى عنوان لا يبعد كثيراً عن المسجد. كان سامر يعرف العنوان جيداً لأنه عنوان منزل مسؤول الحركة في تلك المنطقة.

وفي الموعد المحدد توجه سامر إلى العنوان. رن جرس المنزل ليخرج شاب في نهاية العقد الثاني من العمر يدعوه للدخول. حين دخل التفت إليه كل من كانوا في المجلس، فهيئته لا تظهر أنه ابن لـ«حماس». ملابسه أنيقة وشعره مصفف بعناية وذقنه حليقة ورائحة العطر تفوح من هندامه. كل ذلك يوحي بأنه شخص من عائلة مرموقة.

وقف أبو العبد (مسؤول الحركة في المنطقة)، داعياً سامر للجلوس بجانبه. جلس سامر صامتاً يستمع لحديث عن قرار الحركة خوض الانتخابات البرلمانية للمرة الأولى. مضى الوقت ثقيلاً قبل أن ينسحب كل من في المجلس، ليبقى الأمير «أبو العبد»، و«أبو محمد»، صاحب الاتصال الذي عرفه بنفسه لاحقاً.

"كيف حالك يا سامر" سأل أبو العبد، فرد سامر وهو ينظر إلى قدميه اللتين تهتزان بتوتر شديد: «الحمد الله يا أستاذ أبو العبد».

فابتسم الأمير قائلاً: «حلوة كلمة أستاذ. أول مرة حد يحكيلي ياها. الشباب في الحركة بيحكولي الشيخ. بس إنتا هيك اختصرت عليا الموضوع، اختلافك عن شباب الحركة لازم نستفيد منو ونسخروا لخدمة الإسلام والمسلمين. إحنا واثقين من انتمائك ومحتاجين شخص زيك يكون عين إلنا في أماكن أولاد الحركة ما بيقدروا يدخلوها بسبب إنهم مكشوفين وهيئتهم معروفة، خصوصاً بعد انسحاب الصهاينة من غزة، الأوضاع صارت الآن أفضل، والتحرك صار سهل على الجميع، لكن في أماكن وأشخاص ما بنقدر نختلط فيهم بسبب الحذر".

بدأ سامر يوازن الأمور بعقله ويفكر: "الحركة تريد استغلال اختلافي عن عناصرها وقدرتي على الاختلاط لاختراق أماكن لا يمكنهم الدخول إليها".

واتخذ القرار بخوض تلك التجربة «لعلها تكون مغامرة جريئة لم يفكر في خوضها يوماً».

انتهى أبو العبد من حديثه، ليفسح المجال أمام أبو محمد ليقول: «يا سامر أنا اللي رح أشتغل معاك من الآن. أي حاجة بتدور خلال لقاءاتنا مع بعض لازم تنساها بمجرد خروجك من المكان. وإحنا رشحناك لبيعة الجماعة في سن مبكرة وإنتا عارف إنو البيعة ليها شروط وأسس لازم تقوم عليها. لكن إحنا معلقين عليك أمل كبير. وكل شي رح تعرفوا بوقتو المناسب».

شعر سامر بالسعادة حين سمع بأمر البيعة، فهي تعني أنه أصبح عضواً رسمياً في الحركة، لكنه كان قلقلاً بشأن ردة فعل عائلته التي تنتمي إلى فتح.

وفي غرفة خلت من كل شيء سوى مكتب وكرسي ونسخة من القرآن، تمت البيعة، وتم الاتفاق على موعد اللقاء الأول بين سامر وأبو محمد.

كان لقاؤهما الأول في منزل أبو محمد، وكانت تلك المرة الأولى التي يرى فيها سامر السلاح عن قرب ويمسكه. كان سعيداً جداً وأراد أن يأخذ لنفسه صورة مع أنواع الأسلحة المختلفة التي تملأ المنزل، لكن أبو محمد طلب منه أن يهدأ قليلاً ويتعامل بشكل طبيعي مع أي شيء جديد يراه حتى لا يلفت الانتباه بانبهاره. وذكره بضرورة السرية.

"خود نفس عميق وروق أعصابك. رح أعملك كباية شاي. معلش العيال (الزوجة والأبناء)، اليوم في بيت جدهم»، قال أبو محمد، وتوجه إلى المطبخ. مضت بعض الدقائق قبل أن يعود وهو يحمل كوبين من الشاي، وسأله: "هل تعرف (ع.ن)؟".

عقد سامر حاجبيه مبدياً دهشته من السؤال، فالجميع يعرف أن هذا الشخص يعاني من اضطراب نفسي ويخضع للعلاج بشكل دائم. ثم عاجله: «إنتا عارف إنو هادا الشخص عليه علامات استفهام كتيرة إنو بيتعامل مع اليهود. لكن محدش (لا أحد)، قادر يمسك عليه حاجة، عشان هيك متابعة هادا الشخص رح تكون أول مهمة إلك... بدنا متابعة لمدة أسبوع، وخط سيرو معروف، وإنتا كمان بتقدر تدخل بيتو لأنو إبن أخوه صاحبك زي (مثل) ما بنعرف».

فوجىء سامر، فيبدو أنهم يعرفون عنه وعن علاقاته الكثير، لكن ما طرحه أبو محمد، كان مثيراً بالنسبة له ويجب الموافقة عليه. فهو يرى أنه طالما يشتبه بأنه جاسوس لإسرائيل، لا بد من كشف حقيقة الأمر أو تبرئته من تلك الشبهات".

بعد الانتهاء من الحديث عن تلك المهمة، بدأ أبو محمد يدرب سامر على استخدام السلاح، وهو مسدس من طراز «براونينج». كان شكل المسدس مثيراً لسامر، الذي تخيل نفسه وقطعة السلاح تلك تحيط بخاصرته، وهو يتبختر في الشارع متفاخراً بها.

في نهاية اللقاء فاجأه أبو محمد، بأنه تم قبوله في أحد التدريبات الخاصة بـ«كتائب القسام» (الجناح المسلح لحماس)، وأنه سيبدأ التدريب قريباً. كانت المفاجأة التي لطالما حلم بها، وقد أبهرته، فالجناح المسلح لحماس، منظمة ذات شأن كبير، والانتماء إليها يعني أنه بات في مصاف المتميزين من الشباب على الأقل داخل الحركة نفسها.

انتهى سامر من المهمة الأولى التي أوكلت إليه بتبرئة ذلك الرجل المشتبه بعمالته لإسرائيل. وتوالت المهمات تباعاً، وغالباً ما كان الأشخاص الذين يقوم بمتابعتهم أبرياء من التهم التي توجهها حماس إليهم. وكانت غالبية التهم مرتبطة بالعمالة لإسرائيل أو الفساد الأخلاقي وممارسة الدعارة. وكان سامر سعيداً بهذا العمل، وينجزه على أكمل وجه، فهو يعتبر شكلاً من أشكال «الجهاد في سبيل الله»، وهدفه الحفاظ على الجبهة الداخلية من الاختراق الإسرائيلي والانحلال الأخلاقي، من وجهة نظره.

يتبع...

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard