الأزهر والأوقاف: خلاف "العمائم المصرية" عرض مستمر

الجمعة 30 ديسمبر 201611:48 ص
ازداد الحديث عن أوضاع المؤسسات الدينية في مصر تزامناً مع اشتعال جذوة الصراع المعلن أحياناً والخفي في أحيان أخرى، بين الأزهر والأوقاف. وهو ما تجلت آخر محطاته قبل مؤخراً، في إعلان هيئة كبار العلماء التابعة للأزهر بالإجماع، سحب قياداتها من لجان المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية التابعة للأوقاف. وتعددت الأقاويل بشأن أسباب الخلاف بين أكبر مؤسستين تسيطران على الشؤون الدينية داخل "المحروسة"، فضلاً عن دار الإفتاء، بعدما فشلت جهود مؤسسة الرئاسة نفسها في مصالحة الطرفين. وعلى الرغم من الانتصار المعنوي للأزهر، خصوصاً في أزمة الخطبة المكتوبة، تميل كفة الدولة نحو دعم مواقف الوزارة، في ظل عدم استجابة المشيخة لاستدعاءات مواجهة تصاعد تيار الإسلام السياسي داخل البلاد، بحسب مصادر مقربة من الأزمة.

الأستاذ والتلميذ: طموح إلى كرسي المشيخة

في 17 يوليو 2013، تم تعيين الدكتور محمد مختار جمعة وزيراً للأوقاف، بتوصية من شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب. وعيّنه الطيب أيضاً عضواً في مكتبه الفني، بعد أن كان عميداً لكلية الدراسات الإسلامية. لكن الطيب تلقى بعدها تقارير بشأن تقديم الوزير نفسه على أنه شيخ الأزهر المقبل، بدعوى نجاحه في ما فشل فيه أستاذه، باستبعاده الداعمين للإخوان من المساجد. لكن الطيب وقف ضد تعيينه رئيساً لجامعة الأزهر، لقطع الطريق على طموحه في الجلوس مكانه مستقبلاً. وفي مطلع 2015، استبعد الطيب وزير الأوقاف من عضوية مكتبه الفني، الذي ترأسه وكيل الأزهر الدكتور عباس شومان، ما أغضب جمعة، الذي بات بعيداً عن المشيخة، سوى في جلسات هيئة كبار العلماء ومجمع البحوث. فقرر الرد بعزل شومان من رئاسة مجلس إدارة مسجد الحسين، واستبعده من لجنة الدراسات الفقهية بالمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية. وغاب شيخ الأزهر عن مؤتمر الأوقاف العالمي، متعللاً بمرضه وسفره إلى مسقط رأسه في الأقصر. وغاب عن حضور المؤتمر الدولي الـ24 للمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية للسبب نفسه، على خلاف العرف المتبع. وهو ما فطن إليه رئيس الوزراء حينها إبراهيم محلب، فاجتمع بالطرفين محاولاً الصلح بينهما. فكان اللقاء الذي انتهى بتقبيل جمعة يد الطيب، مؤكداً عدم وجود خلاف مع الإمام الأكبر. بعد عامين من دعوة الرئيس عبدالفتاح السيسي المؤسسات الدينية إلى تجديد الخطاب الديني، خلال احتفالات ليلة القدر في 2014، تسارعت الوزارة والمشيخة إلى عقد مؤتمرات نبذ الإرهاب وتصحيح الصورة. حتى إحداها كانت تعقد مؤتمراً وتتبعها أخرى بمؤتمر مماثل وبيان منفصل، خلال فترة متقاربة دون تنسيق مشترك. الأمر الذي أظهر صراعاً محموماً على كرسي زعامة الإرشاد الديني، كما حرصت المؤسستان على إطلاق قوافل دعوية منفصلة للمساهمة في تجديد الخطاب، في مواصلة لمسلسل الفتور المعلن في العلاقات.

"فتنة التابلت" وشخصية العام

وتزامناً مع إعلان جمعة توزيع أجهزة  Laptop على أوائل الدعاة والواعظين في الدورات التي تعدها الوزارة، وصف الإمام الأكبر المستعينين به في عملهم بأنهم "فاضيين من العلم". ما برره شومان بأن شيخ الأزهر يقصد اعتماد الأئمة على الكتب الأصلية في تحصيل المعرفة، بدلاً من الأجهزة التكنولوجية التي تتيح المعلومات من دون مصادر. مؤكداً أن مكتب المشيخة يعتمد على الـLaptop في عمله. وظهر الخلاف بين المؤسستين مجدداً في لافتة كبيرة علقها العاملون في هيئة الأوقاف على مدخل المبنى، مهنئين فيها الوزير بحصوله على جائزة أفضل شخصية دينية في مصر، في استفتاء إحدى الصحف. وحل الطيب ثالثاً بعد الحبيب علي الجفري، ما أفردت بوابة الأوقاف الإلكترونية خبراً له تحت عنوان "خبر سار". فاعتبر عدد من شيوخ الأزهر ذلك محاولة من الوزير لتلميع نفسه إعلامياً.

رد الصاع صاعين

أعلن القطاع الديني في وزارة الأوقاف في يناير 2014 توحيد الخطبة في جميع المساجد، بدعوى "جمع الشمل وتوحيد الكلمة والاجتماع على كلمة سواء". وتوعد بضم أي مسجد تابع لأي جمعية، لا يلتزم بالخطبة الموحدة، ومحاسبة أي إمام أو خطيب لا يلتزم بها، الأمر الذي أزعج شيخ الأزهر وقياداته. فدعا الطيب إلى اجتماع عاجل لهيئة كبار العلماء، أسفر عن رفض القرار بالإجماع. لكن الأزمة انتهت بإقرار خطبة استرشادية، وليست إلزامية، ترضية للمشيخة، التي تعد مسؤولة عن الدعوة دستورياً.
الخلافات بين أكبر مؤسستين تسيطران على الشؤون الدينية في مصر... عرض مستمر و"شيّق"
في الصراع الدائم بين الأزهر والأوقاف، حتى السيسي يعجز عن التدخل
وبعد استبشار الكثيرين خيراً بهدوء الأوضاع بين الطرفين، استبعد مختار جمعة، مستشار شيخ الأزهر الدكتور محمد مهنا، ووكيل الأزهر الدكتور عباس شومان، وآخرين من علماء المشيخة، من لجان المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، بدعوى انشغالهم بأعمال أخرى تتعارض مع مصلحة المجلس. وقرر تعيين آخرين موالين له بدلاً منهم، ما دعا الطيب إلى إعلان اعتذار هيئة كبار العلماء عن المشاركة في عمل هذه اللجان.

الإخوان والسلفيون وشبهات الفساد

أثارت تصريحات الوزير، المتماهي مع السلطة، داخل الأوساط الدينية بوجود قيادات داعمة للإخوان داخل الأزهر، وفي مقدمتهم حسن الشافعي ومحمد عمارة، حفيظة الإمام الطيب، الذي نفاها تماماً. ليظهر الوزير فيديوهات سابقة لوكيل المشيخة، تشير إلى دعمه الرئيس الأسبق محمد مرسي، آملاً في إحراج الطيب، كما أكدت مصادر على اطلاع بالأزمة، لكن محاولة الوزير فشلت بتأكيد استمرار شومان في منصبه. وتزامناً مع تأجج الخلاف بين الطرفين، استضاف شيخ الأزهر عدداً من قيادات حزب النور، في الوقت الذى رفض الوزير منح الكوادر السلفية تصاريح بالخطابة، ورفض صعود غير الأزهريين إلى المنابر. لكن ضغوط القيادات السلفية في مصر والسعودية، أسفرت عن قبول جمعة بمنح نائب رئيس الدعوة السلفية ياسر برهامي، ورئيس "النور" يونس مخيون وآخرين تصاريح الخطابة، بشرط تجديدها شهرياً. وما زاد الضغط على وزير الأوقاف انتشار شائعات باتهامه في قضية فساد وزارة الزراعة، ما نفاه مؤكداً أن وراءه "خلايا نائمة تريد السيطرة على الخطاب الديني في مصر". بينما كشفت تقارير رقابية عن إهدار قرابة مليون جنيه، لتجديد مكتب الوزير في هيئة الأوقاف، وملايين أخرى لإقامة معسكرات ومؤتمرات ودعاية خاصة بالوزارة والهيئة، من أموال المجموعة الوطنية لاستثمارات الأوقاف "المحمودية سابقاً". فضلاً عن تقاضي ألوية شرطة مجهولين مبالغ دون وجه حق، وتعيين نحو 100 موظف وعامل من أبناء المسؤولين والإعلاميين بمرتبات خرافية، ما دعا عدداً من قيادات الأزهر إلى المطالبة بعزل الوزير.

وساطات السيسي لا تشفع

استقبل السيسي شيخ الأزهر أخيراً، وعلى الرغم من تصريحات المتحدث الرسمي باسم الرئاسة السفير علاء يوسف، ووكيل الأزهر الدكتور عباس شومان، أن اللقاء تطرق فقط إلى جهود تصويب الخطاب الديني، وتصحيح صورة الإسلام وتنقيتها، عبر جلسات الحوار المجتمعي التي تنظمها المشيخة في المحافظات، إلا أن تزامنه مع أزمة انسحابات هيئة كبار العلماء من مجلس الشؤون الإسلامية، جاء كإشارة إلى ترجيح تطرق السيسي إلى وساطة جديدة بين الوزارة والمشيخة. ولم تكن هذه الوساطة الأولى للرئيس، لحل خلافات أكبر مؤسستين دينيتين. إذ اجتمع قبلها بشيخ الأزهر في بداية أغسطس الماضي، بعد وضوح تأثير هذه المعارك على صورة علماء الدين، وقد تزايدت حدة الصراع بشأن الخطبة المكتوبة، والتراشق الإعلامي بين الطرفين. فاستدعى الطيب وزير الأوقاف ومفتي الجمهورية، للاجتماع به وبحث تهدئة الأوضاع، في لقاء وصفه جمعة بـ"الأبوي". كما التقى الرئيس بالشيخ الطيب في فبراير الماضي، مؤكداً دعم الدولة الكامل لمؤسسة الأزهر الشريف العريقة جامعاً وجامعة، ومواصلة جهود التعريف بصحيح الدين، وتقديم النموذج الحضاري الحقيقى للإسلام، في مواجهة دعوات الغلو والتطرف. وهو اللقاء الذي شهد أيضاً حديثاً بشأن تهدئة الأوضاع بين الطرفين، إلا أن جميع هذه الوساطات بدت كأنها لم تأت بثمارها في ظل استمرار الخلاف.

خلاف أم اختلاف؟

وفيما رفض مستشار شيخ الأزهر الدكتور محمد مهنا، ورئيس القطاع الديني في وزارة الأوقاف الشيخ جابر طايع، التعليق على الأزمة، يرى رئيس جامعة الأزهر سابقاً والرئيس الحالي للجنة الشؤون الدينية في مجلس النواب الدكتور أسامة العبد، أن الخلاف بين الطرفين لا يتعدى كونه اختلافاً في الرؤى، وليس من شأنه التأثير في علاقة الود المشتركة. وأوضح أن اللجنة الدينية عقدت عدة اجتماعات بين قيادات المؤسستين لتقريب وجهات النظر، والتوفيق بين الفكرين. وأضاف العبد لرصيف22 أن على الوزارة والمشيخة الحرص على التوافق في إطار جهود تجديد الخطاب الديني، من أجل مصلحة الوطن والأمة الأسلامية، مع ترجمة خلافاتهما إلى صيغة إيجابية تخدم مصلحة الطرفين. على الجانب الآخر، اعتبر رئيس جبهة علماء الأزهر الدكتور يحيى إسماعيل أن المؤسسات الدينية أصابها ما أصاب العالم العربي من تدهور في الفترة الأخيرة. وأضاف: "كلتا المؤسستين ليستا بعيدتين عن سلطة الدولة، تعملان تحت ظل رئاسة واحدة وحكومة واحدة، ما يعني عدم وجود نزاع بينهما في ظل هذه الظروف، إلا إذا كان مقصوداً".

التقارب طريق النجاة

استبعدت أستاذة الفقه المقارن في جامعة الأزهر الشريف، وعضو مجلس النواب، الدكتورة آمنة نصير، رغبة وزير الأوقاف في اعتلاء كرسي شيخ الأزهر. مؤكدة أنه ليس لديه الطموح لذلك، أو الرغبة فيه. وأشارت إلى أن الجماعات السلفية داخل مصر قد تستغل أزمة الطرفين لمحاولة بسط نفوذها داخل الشارع، واصفة ذلك بـ"الخطر الكبير". ودعت المؤسسات الدينية في مصر إلى أن تكون أكثر تقارباً وتسامحاً بعضها مع بعض، إدراكاً لمسؤولياتها الجسيمة خلال هذه الفترة. وأن تطرد أي صوت يشجع على الشقاق، مشددةً على أن أي سوء تفاهم لن يصب في مصلحة أي جهة.
إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard