هل تعمل السعودية على إنقاذ صندوق استثماراتها في واشنطن من سياسات ولي العهد؟

الاثنين 18 مارس 201907:24 م

في ظل تصاعد الانتقادات الدولية لولي العهد السعودي محمد بن سلمان على خلفية مقتل الصحافي جمال خاشقجي، تعاقد صندوق الاستثمارات العامة في السعودية قبل فترة مع شركة علاقات عامة أمريكية بهدف الترويج لفكرة أن القيادة السياسية في المملكة منفصلة عن صندوق الاستثمار.

وأظهرت وثائق نشرتها وزارة العدل الأمريكية أن الصندوق وقّع عقداً مع شركة "كارف كومينيكيشنز" KARV Communications، وهي شركة علاقات عامة مقرّها في نيويورك، بـ120 ألف دولار شهرياً، من أجل تحقيق مجموعة من الأهداف، أوّلها وأبرزها الترويج لوجود فصل بين سياسات ولي العهد محمد بن سلمان والصندوق.

وتكشف بنود العقد اتفاق الجانبين على تقديم الشركة خدمات استشارية ونصائح إعلامية للصندوق السعودي، وتحسين علاقات الصندوق مع كبار المستثمرين الدوليين وشركات إدارة المحافظ الاستثمارية والإعلام، والمساعدة في إدارة الأعمال.

ما هو صندوق الاستثمارات العامة السعودي؟

أسست السعودية صندوق الاستثمارات العامة عام 1971 لدعم مشاريع ذات "أهمية استراتيجية"، لتنمية الاقتصاد الوطني في المملكة. ويمتلك حالياً أصولاً تبلغ قيمتها ما بين 240 و360 مليار دولار.

يسعى الصندوق إلى أن يصبح "جهة استثمار رائدة وذات تأثير على مستوى العالم وأن يدفع عجلة التحوّل الاقتصادي للمملكة العربية السعودية، وذلك عبر الاستثمارات الفاعلة الطويلة المدى، مع الالتزام بأعلى معايير الحوكمة والشفافية".

ومن استثمارات الصندوق خلال السنوات الماضية، استثماره 3.5 مليارات دولار في شركة "أوبر تكنولوجيز"، واستحواذه على 50% من مجموعة "ادبتيو" المالكة لنسبة 67% في شركة أمريكانا، و38% من "بوسكو للهندسة والإنشاءات" الكورية في صفقة بلغت قيمتها 1.1 مليار دولار.

واستثمر الصندوق أيضاً 45 مليار دولار في صندوق التكنولوجيا العملاق لمجموعة "سوفت بنك" اليابانية، ويعمل الطرفان مع جهات أخرى على عدد من المشاريع الضخمة التي تتكلف مليارات الدولارات وترتبط بقطاع الطاقة الشمسية.

وأعلن مدير الصندوق ياسر الرميان قبل أشهر أن الصندوق استثمر في 50 أو 60 شركة عبر صندوق رؤية التابع لمجموعة سوفت بنك وأنه سيجلب معظم تلك الشركات إلى السعودية.

وفي سبتمبر الماضي، أعلن الصندوق استثمار أكثر من مليار دولار في لوسيد موتورز الأمريكية لإنتاج السيارات الكهربائية.

وفي نوفمبر الماضي، أعلنت شركة "فيو" التي تعمل في تصنيع الزجاج وشركة زومي التي تستخدم الروبوتاتات في تصنيع البيتزا، عن الحصول على استثمارات بـ1.5 مليار دولار، مموّلة من صندوق رؤية-سوفت بنك المدعوم من الصندوق السعودي.

وفي الشهر نفسه، أعلنت صحيفة "وول ستريت جورنال" أن السعودية، عبر صندوقها السيادي، أصبحت أكبر ممول للشركات الناشئة في "سيليكون فالي" في الولايات المتحدة في السنوات الأخيرة.

ويخطط مسؤولو الصندوق لزيادة أصوله إلى 400 مليار دولار بحلول عام 2020، ورفع حصة الاستثمارات الأجنبية في محفظته من 10% إلى 50% بحلول عام 2030. وكان ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، وفقاً لرؤية 2030 التي أعلن عنها عام 2016، قد كشف عن خطط لتقليص اعتماد الاقتصاد السعودي على النفط وتنويع المصادر، ولنقل حصة 5% من شركة النفط الوطنية السعودية "أرامكو" بعد طرحها في البورصة إلى صندوق الاستثمارات، ليصبح الصندوق الأكبر على وجه الأرض. لكن من غير المعروف ما إذا كان هذا طرح سيجري قريباً، بسبب وجود العديد من العقبات.

ما الذي يخشاه الصندوق في أمريكا؟

خلال الشهور الماضية، تعرّضت الشركات الغربية ورجال الأعمال في "السيليكون فالي" في الولايات المتحدة لحرج أخلاقي شديد وضغوط وانتقادات لاذعة من وسائل الإعلام الأمريكية، بسبب استمرارها في تلقي تمويلات واستثمارات من صندوق مرتبط بولي العهد السعودي.

وقرّرت وكالة المواهب المرموقة ويليام موريس إنديفور مؤخراً إعادة استثمار سعودي يُقدَّر بـ400 مليون دولار إلى الصندوق، مع أن هذا التمويل كان من شأنه أن يوسّع نطاق الشركة إلى حد كبير، وكانت المملكة تعوّل عليه لخلق مصدر جديد للدخل يساعدها في جهودها لتنويع مصادر دخلها.

وفي مقال نشرته صحيفة هآرتس الإسرائيلية، ذكر الكاتب تسفي بارئيل أن المدير التنفيذي لإنديفور آري إيمانويل غير عاطفي، وعندما يقرر رجل مثله إعادة مثل هذا الاستثمار الهائل، فمن المحتمل أن يكون لديه فهم شامل للضرر الذي قد يحدثه الارتباط بولي العهد السعودي.

ويعتبر الزميل في معهد بروكينغز والمتخصص في متابعة الشأن السعودي بروس ريدل أن ولي العهد محمد بن سلمان بات "ساماً" في الولايات المتحدة و"سمعته أصبحت مشوهة"، ولا يتحالف معه سوى البيت الأبيض فقط، خاصة صهر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، جاريد كوشنر، "ربما لأسباب تجارية غير أخلاقية".

ويضيف ريدل الذي عمل مستشاراً لأربعة رؤساء أمريكيين، لرصيف22 أن عالم قطاع الأعمال الذي يتعيّن عليه العمل مع السعودية يتوق إلى فصل علاقته مع المملكة عن ولي العهد محمد بن سلمان.

وفي أكتوبر الماضي، قطع مؤسس مجموعة "فيرجن" العالمية للترفيه محادثات مع السعودية بشأن استثمارات محتملة في مشروع للسفر إلى الفضاء.

تقول صحيفة "فايننشال تايمز" البريطانية عن أهمية صندوق الاستثمارات السعودي إنه بات يُوصَف بأنه "دولة موازية" يقودها ولي العهد، مشيرة إلى أنه أداة محمد بن سلمان لدفع عملية تحديث الاقتصاد المعتمد على النفط.

لكن مقتل جمال خاشقجي وضع الصندوق، على المحك، وبات مهدداً بفقدان بريقه، وأصبح ما يواجهه مثالاً صارخاً على الأضرار الاقتصادية التي تعرّضت لها المملكة جراء هذه الجريمة.

يقول الإعلامي المصري حافظ الميرازي إن تعاقد الصندوق مع الشركة ربما يهدف إلى منع أيّة أضرار قد يتعرّض لها في المستقبل جراء الربط بين قضية خاشقجي وولي العهد.

وأضاف لرصيف22 أن وكالات الاستخبارات الأمريكية تصرّ على تورط ولي العهد في القضية، والكونغرس يصرّ على اتخاذ إجراء ضده، وبالتالي "يأتي هذا التعاقد في إطار إبعاد أيّة أضرار عن استثمارت الصندوق".

هل تنجح حملة تسويق الفصل؟

من المتوقع أن يكون من الصعب على الشركة الأمريكية أن تقنع أي شخص بوجود فصل بين الصندوق وولي العهد لأن إدارة الصندوق تحوّلت في مارس 2015 من وزارة المالية إلى مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية الذي يترأسه محمد بن سلمان شخصياً. فكيف ستروج الشركة لهذا الفصل؟

في ديسمبر الماضي، كشفت صحيفة "وول ستريت جورنال" الأمريكية عن أزمة داخل الصندوق وهي استقالة عدد من المدراء التنفيذيين الأجانب بسبب عدم الاكتراث بآرائهم وعدم وجود استقلالية ووجود دائرة مصغرة يتحكم فيها ولي العهد السعودي محمد بن سلمان تتخذ القرارات لتنفيذ رؤية 2030.

مقتل جمال خاشقجي وضع صندوق الاستثمارات العامة في السعودية على المحك، وبات مهدداً بفقدان بريقه، وأصبح ما يواجهه مثالاً صارخاً على الأضرار الاقتصادية التي تعرّضت لها المملكة جراء هذه الجريمة
"أعتقد أن الأمر سيستغرق عاماً أو عامين قبل أن يبدأ الناس في القول إن المملكة العربية السعودية هي المكان الذي نريد أن نكون فيه"... هل تجاوزت السعودية الآثار السلبية لجريمة مقتل خاشقجي على اقتصادها واستثماراتها؟
وأوضحت الصحيفة أن مدير الصندوق للاستراتيجيات إريك إبرماير ترك منصبه بعد أسابيع من تعيينه، على الرغم من راتبه المغري، بعد أن شعر بأنه لن يكون له أي دور في تقرير استراتيجية صندوق يسيطر عليه محمد بن سلمان.

واشتكى المدراء المستقيلون من إدارة ولي العهد للصندوق وعدم وضوح استراتيجية الاستثمار وظروف العمل المتقلبة التي تتناقض مع أجواء العمل في المصارف في لندن ونيويورك، كما اشتكوا من الانتظار لساعات طويلة لتقديم عروض لولي العهد.

واشتكوا من أن الأفكار والعقود تأتي من الأعلى إلى أسفل، مشيرين إلى أن الرميان يقضي معظم الوقت مع ولي العهد، ما يعني أن الموظفين لا يرونه إلا قليلاً.

المشكلة الأخرى وفقاً للصحيفة هي أن مقتل خاشقجي عرقل عملية البحث عن بدلاء للمدراء الراحلين، وهو ما أدى إلى قلة الموظفين الكبار في الصندوق.

وفي فبراير الماضي، كشف الرميان عن خطة لفتح مكاتب جديدة في نيويورك وسان فرانسيسكو ولندن، وقال لشبكة "سي أن أن": "نحن نوظف أشخاصاً من كل مكان، ومن السعودية ومن المنطقة ومن جميع أنحاء العالم".

ونشرت الشبكة، في التقرير ذاته، تصريحات لرجل الأعمال المصري نجيب ساويرس أكد فيها أن هذه الاستراتيجية لن تجدي بسبب قضية خاشقجي وغياب الشفافية.

وقال ساويرس: "كل هذه القصص مع خاشقجي لا تساعد"، وأضاف: "لا أقول إنني لن أستثمر أبداً في السعودية. أقول حالياً إننا بحاجة إلى بعض الشفافية، دعنا نفترض أن لدي خلافاً مع شريكي السعودي وأريد أن أذهب إلى المحكمة. أي محكمة سأذهب إليها؟".

هل سيستعيد الصندوق بريقه؟

يقول المحامي والمحلل السياسي المقيم في الولايات المتحدة ماك شرقاوي إن هناك "زمرة" يتزعمها السناتور الجمهوري ليندسي غراهام ترفض التعامل مع ولي العهد السعودي، كحاكم، وتطالب الرئيس الأمريكي بمعاقبته على تورطه في مقتل خاشقجي.

وكان الكونغرس قد فعّل قانون ماغنتسكي الذي يفرض عقوبات على منتهكي حقوق الإنسان، ومنح ترامب مهلة 120 يوماً، انتهت في الثامن من فبراير الماضي، لتقديم تقرير عمّا جرى التوصل إليه في مسألة مسؤولية محمد بن سلمان عن مقتل خاشقجي.

ولكن الإدارة الأمريكية لم تقدّم تقريرها. وقال شرقاوي إن عدم رد ترامب على الكونغرس "يعود إلى حرصه على الحفاظ على العلاقات مع ولي العهد بسبب المصالح الاقتصادية"، مشيراً إلى أن الرئيس الأمريكي بات يحمل الكثير من الود لمحمد بن سلمان بعد توقيع الأخير على صفقات أسلحة بمليارات الدولارات مع شركات أمريكية.

وأضاف شرقاوي لرصيف22 أن الملك سلمان يحاول في المرحلة الحالية تغيير فكرة ارتباط تصرفات ولي العهد بسياسات المملكة، وهذا ما ظهر من خلال تمثيله شخصياً المملكة في القمة العربية الأوروبية التي انعقدت في شرم الشيخ في فبراير الماضي.

وأشار إلى أن هناك جهوداً واضحة، منها التعاقد المذكور مع شركة العلاقات العامة، لعدم إلقاء قضية مقتل خاشقجي بظلالها على الاستثمارات السعودية.

رغم كل هذه المخاوف، نشرت وكالة "رويترز" في 11 مارس تقريراً ذكرت فيه أن العديد من الشركات الأمريكية والغربية أكدت استمرار استثمارتها في المملكة العربية السعودية، وأن رجال الأعمال بدأوا ينسون قضية خاشقجي، وصبّوا 6.94 مليار ريال (1.85 مليار دولار) في السوق السعودي في أول شهرين من عام 2019، وفقاً لبيانات البورصة السعودية.

فهل هذا مؤشر على احتمال عودة الصندوق إلى بريقه؟ تنقل "رويترز" في التقرير نفسه عن دبلوماسي غربي أنه إذا عُقد المؤتمر الاقتصادي، الذي عقده الصندوق خلال العام الماضي في الرياض وقاطعه العديد من المستثمرين، مرّة أخرى، من المتوقع أن يجذب أسماء كبيرة، وأن "رجال الأعمال يميلون إلى النسيان بسرعة أكبر من الضمير الاجتماعي".

ونقل التقرير قول مارك موبيوس، وهو مستثمر بارز في الأسواق الناشئة، للصحافيين في دبي: "أعتقد أن الأمر سيستغرق عاماً أو عامين قبل أن يبدأ الناس في القول إن المملكة العربية السعودية هي المكان الذي نريد أن نكون فيه".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard