مدحها نزار قباني وكتبت نوال السعداوي

مدحها نزار قباني وكتبت نوال السعداوي "سقوط الإمام"… المثقفون العرب والثورة الإيرانية

ثقافة نحن والتنوّع نحن والخطاب الديني

الخميس 26 مارس 202610 دقائق للقراءة

في شتاء 1979، عاد زعيم الثورة الإسلامية الإيرانية آية الله الخميني من منفاه معلناً نجاح الثورة في إسقاط الشاه محمد رضا بَهلَوي، وبالرغم من صعود رجل الدين الشيعي لسدة الحكم في إيران، فإن فئة عريضة من المثقفين العرب الذين ينتمون إلى تيارات سياسية يسارية وليبرالية استقبلوها بتفاؤل كبير بوصفها ثورةً ضد الاستبداد ومقاومة للاستعمار.

ضمن ذلك كان من المدهش مقالة "الإسلام والثورة" التي كتبها المفكر الماركسي المصري محمود أمين العالم، وذكر فيها أن الثورة الإيرانية كانت "استنقاذاً للإسلام وانتصاراً له في قلب الحركة الوطنية والتقدمية عامة، ضد محاولات احتوائه وتوظيفه الرجعي". إلا أنه عندما أعاد نشر المقالة ضمن كتابه "الوعي والوعي الزائف في الفكر العربي المعاصر"، نبَّه في هامشها إلى أن المقال كان قبل أن "تنحرف إلى ما انحرفت إليه من تعصب ونكوص يميني وتمزيق لوحدة القوى الوطنية الديمقراطية التي ساهمت في الانتصار".

مع مرور الزمن، ومع تكشف ملامح التجربة الإيرانية، واتساع الفجوة بينها وبين مفاهيم الديمقراطية، تباينت مواقف التيارات تجاهها؛ إذ ظلت الفئة ذات النزعة الدينية الأصولية أسيرة حلم استنساخ تلك الثورة في بلدانها، في حين اتجهت فئة أخرى إلى كشف وجهها الاستبدادي القمعي، ووقفت فئة ثالثة موقف التحذير من مسارها، في مقابل فئة رابعة اتخذتها نموذجاً عملياً واختباراً حاسماً لتيارات الإسلام السياسي التي ترفع شعار الدولة الإسلامية.

انسجام وتفاؤل

مفتوناً بها ومنفصلاً عن خصومها، كان حسن حنفي أستاذ الفلسفة المصري مع الثورة الإيرانية، إذ حمل على عاتقه التبشير بها من خلال تأسيسه لمشروع "اليسار الإسلامي"، تكون مهمته استئناف ما فشلت فيه جماعات الإسلام الحركي. وفي كتابه "الدين والثورة، ج. 8"، شرح أن يساره الديني هو "تطوير لبعض أجنحة جماعة الإخوان المسلمين التي بدأت في الظهور بعد دخول الشهيد سيد قطب في الجماعة في أوائل الخمسينيات".

هذا التيار الثوري الذي تمناه على الطريقة الإيرانية سوف يؤسس لوحدة إسلامية سماها "الجامعة الإسلامية" و"الجامعة الشرقية" وتبدأ بالتدريج من وحدة الأمة في مصر، كما شرح ذلك في كتابه "الدين والثورة ج. 8".

استُقبلت الثورة الإيرانية لدى قطاع واسع من المثقفين العرب بوصفها ثورةً ضد الاستبداد ومقاومة للاستعمار، قبل أن تتحول مع الزمن إلى تجربة مثيرة للانقسام والجدل



وبحسب سيرته الذاتية "ذكريات" ذكر حنفي: "اندَلعت الثورة الإسلامية في إيران، وعاد الإمام الخميني من منفاه في باريس زعيماً لها، وكان هذا حلم حياتي أن تقوم ثورة باسم الإسلام". هذا الحلم سيكون مهمته "تحجيم الغرب، أي رده إلى حدوده الطبيعية، حتى تنتهي المركزية الأوروبية"، كما ورد في كتابه "الدين والثورة ج. 7". وفي مذكراته أقرَّ حنفي بزيارته لإيران ومقابلة الخميني، وهناك استأذن منه في نشر كتابه "الحكومة الإسلامية" فأذن له الخميني قائلاً: "انشره في كل مكان".

وخلافاً للمثقفين الذين تراجعوا عن تأييد الثورة الإيرانية، عاش حنفي مؤمناً بها، وأحياناً يناقض نفسه فيتحدث عن رغبته في الثورة الإسلامية لكن "دون تقليد لثورات إسلامية أخرى معاصرة"، بحسب كتابه "الدين والثورة ج.6".

أما الشاعر السوري نزار قباني فقد امتدح الثورة الإيرانية، معتبراً إياها نوعاً من الوحدة ضد الاستبداد، في قصيدة له أنشدها بداية ثمانينيات القرن الماضي أي بُعيد انتصار الثورة، وقد ألقاها في أمسية شعرية خصصت له في أبوظبي: "زهرُ اللوز في حدائق شيراز/ وأنهى المعذبون الصِّيام/ ها هم الفُرس قد أطاحوا بكسرى/ بعد قهرٍ وزلزلوا الأصنام/ شيع سنة جياع عطاش/ كسروا قيدهم وفكوا اللجام". هذه القصيدة لم تأت في دواوين نزار قباني لكنها كانت موجودة على شريط كاسيت، ومتاحة حالياً كتسجيل صوتي على يوتيوب.

وفي مديح الثورة الإيرانية، كتب الشاعر أحمد فؤاد نجم قصيدته: "إيران يا مصر زينا/ كان عندهم ما عندنا/ الدم هو دمنا/ والهم من لون همنا". واعتبرت نجلته الكاتبة نوارة نجم أن أباها عندما كتب هذه القصيدة كانت في إطار دأبه على أن "يُحيي كل ثورات العالم فور اندلاعها، معتبراً أن الثورة فعل مقدس، ولديه مجموعة كبيرة من القصائد التي عبر فيها عن سعادته بالثورة الإيرانية"، وفقاً لما ذكرته في كتابها "وأنت السبب يابا.. الفاجومي وأنا".

الحذر والتحذير

مُتحلياً بالموضوعية والحذر، تجنب الروائي نجيب محفوظ إصدار حكم عن الثورة الإيرانية، وذكر في حديثه مع الناقد رجاء النقاش: "أنا لا أستطيع الحكم على تجربة الثورة الإسلامية في إيران لأن أغلب معلوماتي أخذتها من خصومها، وهؤلاء يصورونها على أنها دموية وديكتاتورية، وللأسف هناك تعتيم شديد حتى الآن على هذه الثورة، فلا أستطيع أن أقول فيها رأياً قاطعاً، سواء بالسلب أو الإيجاب"، وفقاً لكتاب رجاء النقاش "نجيب محفوظ، صفحات من مذكراته وأضواء جديدة على أدبه وحياته".

بحسب حديث محفوظ مع النقاش فإن "نجاح الثورة الإسلامية في إيران واستيلاء رجال الدين على الحكم هو الذي طرح القضية بقوة على الساحة"، أي قضية حكم رجال الدين.

وفي هذه القضية، فضَّل محفوظ العودة إلى مبدأ جوهري بقوله: "ليس في الإسلام ما يدعو إلى قيام رجل الدين بشئون الحكم، بدليل أن أول حاكم بعد النبي له وهو أبو بكر الصديق كان اختياره سياسياً وليس دينياً، ولذلك حدث خلاف عند اختيار كل خليفة بعد محمد عليه الصلاة والسلام، بينما لم يحدث خلاف على الصلاة"، فلو كانت أمراً دينياً قاطعاً وجوهرياً لما حدث فيه اختلاف كما يقصد محفوظ.

ورأى محفوظ أن فكرة رجال الدين فكرة خطيرة على المجتمعات وعلى نظام الدول الحديثة، فذكر أنه يختلف مع "فكرة رجل الدين الحاكم الذي يأمر فيطاع ولا يُردّ له أمر، فهي فكرة خطيرة وضد العقل والعصر، بل وضد الدين، حيث نبع منها فكرة تكفير المجتمع والهجرة وأخذ الناس بالشبهات بل وقتلهم".

وهكذا يبدو نجيب محفوظ عقلانياً منطقياً، لا يبني رأيه على مقولات انفعالية أو صورة مشحونة بالدعاية ضد حدث ما، وفضل الرجوع والاحتكام إلى مبدأ أساسي وهو رفض حكم رجال الدين، وبحسب رأيه في حديثه المشار إليه فإن "البديل العملي العصري لكل هذه الأفكار المتطرفة هو تطبيق الديمقراطية الكاملة".

الاستيلاء على صورة الله

لخصت المفكرة نوال السعداوي رؤيتها لحكم رجل الدين في روايتها "سقوط الإمام" التي تسرد فيها قصة حاكم مستبد، عاش متقمصاً لدور الإله، وأحياناً تعبر عنه مجازياً بلفظ "الله".

حالة التضخم السلطوية لهذا الحاكم، بطل الرواية، تصل ذروتها عندما يقول: "هتاف شعوب العالم الثالث والرابع يدوِّي في أذني: يحيا الإمام مطبِّق الشريعة، وأرى وجهي في المرايا مائة وجه إلا وجهاً واحداً، تسعة وتسعين وجهاً بعدد أسماء الله الحسنى. وكلما حرَّكت رأسي يميناً أو يساراً تضاعف عدد وجهي، وأنا واقفٌ تحت الأضواء ومن تحتي العرش، ومن حولي الأعوان من حزب الله"، وهو ما يحيل المخيال الديني إلى موضع السيادة الإلهية، حيث العرش، والأسماء الحسنى التي توحي بالإحاطة والكمال.

هذه الشخصية استلهمتها سعداوي من التجارب التي عاصرتها وخاصة تجربة الخميني بعد الثورة الإيرانية، فذكرت في مقدمة الرواية: "كانت هذه الرواية تُطاردني، وكلما رأيت وجه أحد الحكام يُطل من الصورة، أو رأسه يُطل من تحت العمامة المقدَّسة أو القبعة العسكرية، أو عيونه ترمقني في الحلم وأنا نائمة".

وإلى جانب رؤيتها في أن رجل الدين في الحكم يستحوذ على سلطة الإله، رأت سعداوي بوضوح أن ما حدث للثورة في إيران كان إجهاضاً لها، ويصب في خدمة الاستعمار وليس العكس، وبحسب كتابها "امرأة تحدق في الشمس" ذكرت أن الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاءها تخاف الثورات الاشتراكية، لذا فقد "تمَّ إجهاض الثورة الاشتراكيَّة في إيران بواسطة الخميني والحكم الديني، ساعدَته في ذلك القوى الخارجيَّة في أوروبا وأمريكا، خدم الخميني الاستعمار الخارجي أكثر ممَّا خدم الإسلام".

رفض نجيب محفوظ إصدار حكمٍ نهائي، مفضّلاً الاحتكام إلى مبدأ أساسي: أن الحكم ليس شأناً دينياً بل خيار سياسي



أما مراد وهبة، أستاذ الفلسفة المصري، فقد اعتبر أن العام 1979 هو "عام الإرهاب أو عام الأصوليات الدينية"، وذكر في ذلك عدة وقائع مرتبطة بتعزيز صعود الأصوليات مثل مواجهة طالبان للاتحاد السوفياتي في أفغانستان، والأصولية المسيحية التي اعتبرها تمثلت في القس جيري فولوين الذي حرض الرئيس الأمريكي ريغان على استخدام النووي في ضرب الاتحاد السوفياتي، وذكر أنه "فى العام ذاته أيضاً قامت ثورة الخميني، وهى ثورة أصولية ضد إعمال العقل والعلم تريد أن تعيدنا لما قبل الثورة الصناعية"، وذلك بحسب حوار له على موقع جريدة "الأهرام" بتاريخ 20 آب/ أغسطس 2021.

الاختبار الحاسم

أما فؤاد زكريا، أستاذ الفلسفة المصري، فقد اعتبر الثورة الإيرانية نموذجاً عملياً للقياس، فهي إما تجربة ناجحة تصب في مصلحة جماعات الإسلام السياسي أو فاشلة فتقوض طموحاتها.

وبحسب كتابه "الحقيقة والوهم" ذكر أن الثورة الإيرانية بمثابة "اختبار حاسم لجميع الحركات الإسلامية المعاصرة؛ فإذا نجحت في إقامة مجتمع العدل والحرية والتقدم، كان معنى ذلك أن هذه الحركات ستكتسب قوة دفع هائلة يصعب إيقافها". أما لو فشلت فإن "إخفاقها سيعني إسكاتاً طويل الأمد لتلك الأصوات المنادية بالحكم الإسلامي وتطبيق الشريعة".

ويأسف فؤاد زكريا لأن مظاهر إخفاق الثورة الإيرانية "لم يتردد صداها على الإطلاق لدى المنادين بالحكومة الإسلامية"، بما يعني تجاهلهم لنتائجها، وأن الضربة التي تلقوها في المصداقية لا تعنيهم، شارحاً: "لم يتأثر هؤلاء بما انتهت إليه الثورة الإسلامية من إحكام قبضة رجال الدين على الدولة، وإنما ظلوا يردِّدون زعمهم القائل إن الحكم الإسلامي لا يعني تسليم زمام الأمر لرجال الدين. ولم يُبْدِ هؤلاء الدعاة أي استنكار لقيام حكومة الملالي بتصفية أحزاب المعارضة واحداً بعد الآخر"، وفقاً لكتابه المذكور سابقاً.

وهكذا، فإن الجماعات الإسلامية التي يعدها زكريا في كتابه "الحقيقة والوهم" بمثابة "مظهر صارخ من مظاهر نقص الوعي لدى الجماهير"، وقد تجاهلت الواقع التجريبي لأنهم "لم يُعيروا أي اهتمام لذلك الإخفاق الصارخ الذي انتهت إليه تلك التجارب السابقة"، فقد مضوا في التمسك بما طرحوه نظرياً، رغم التناقض الشديد بين ما يدعوه وما يقبلوه فعلياً، وبالرغم من النتائج الواقعية فإن هذه هي طريقة جماعات الإسلام الحركي بخصوص أي تجربة تفشل وتنتهي إلى الاستبداد والقمع؛ يتجاهلونها، ويعِدون شعوبهم بتقديم نماذج مثالية وعادلة أخرى.

وهكذا فإن كثيراً من المثقفين العرب قد تضامن مع الثورة الإيرانية لما فيها من تكاتف ووحدة وطنية، وما بين التحفظ الحذر، والحماس المفرط، والرفض الصريح. لم يكن هذا مجرد اختلاف في الرأي، بل انعكاس لإشكالية أعمق تتعلق بعلاقة المثقف بالسلطة، ومسألة حكم رجال الدين، وقدرته على قراءة التحولات التاريخية، والتنبؤ بما في التغيير من إعادة إنتاج لأشكال جديدة من الهيمنة.


رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

في زمن السرديات الجاهزة، نحن نروي الحقيقة…

استقلاليتنا هي ملك لجمهورنا. ساعدنا لنتخطى الظروف الصعبة ونحافظ على صوتنا حراً.

Website by WhiteBeard
Donation image desktop Donation image mobile