"عرفتُ سرّ البوكر"… جناية جوائز المال الثقافي على الإبداع

رأي نحن والتنوّع

الثلاثاء 24 فبراير 20268 دقائق للقراءة

صديقي، الذي أصابته على الكبر حظوظ قصوى من الجوائز والأضواء، لا يشبع من الجوائز ولا من الأضواء. يقابلني كلما جاء الربيع، مع إعلان جائزة البوكر العربية، ليخبرني باكتشافه: "أبشر. عرفت لك سرَّ البوكر". لا يتركني لحالي، ولا ينتظر سؤالي: "لماذا تتطوَّع؛ فتعرِف لي؟ لم أطالبك بمعرفة سرّ البوكر ولا الموكر". وهو يبوح باكتشافه أسرار الجائزة، وقد راقب القوائم القصيرة، والرواية الفائزة بالدولارات والأضواء، وما يجنيه الفائز من دلال وعطايا. يقول إن في الخلطة نِسباً مئوية من عدة عناصر: عادات شرقية تخطف عين السائح؛ جرائم تجاوزها التطور الأخلاقي البشري؛ جسور إنقاذ للشرق الغارق في الضلالات، متطلعاً إلى خلاص يقدمه النموذج الغربي.

صديقي، الذي يحرّضني ولا تفوته استهانتي، يعرف رأيي في الجوائز الأدبية العربية. داخل حدود مصر لا أثق بجائزة. إذا توفرت براءة التمويل والتنظيم فلا تسعف طبائع لجان التحكيم. من الجوائز العربية أستريح إلى ثلاث: جائزة الطيب صالح للإبداع الكتابي التي مُنحت للمرة الأولى عام 2011، وجائزة الملتقى للقصة القصيرة العربية التي تأسست عام 2015، وجائزة غسان كنفاني للرواية التي تأسست عام 2022. الثقة بالنزاهة مصدرها المرشحون للجائزة، والفائزون بها، وأعضاء لجان التحكيم. لا خلط بين الراعي والقضاة، ولا بين النصوص وآراء كتَّابها. تذكَّر غبار جائزة البوكر، عام 2019، وكتابة حبيب الصايغ مقالاً لم يحظَ بالاهتمام اللازم، عن "القائمين على الجوائز".

الصايغ، كما عرّف نفسه في إكس، "شاعر وكاتب صحفي وناشط ثقافي إماراتي، رئيس تحرير صحيفة 'الخليج'، عضو اللجنة الاستشارية للشارقة عاصمة عالمية للكتاب (2019)". آنذاك كان رئيس مجلس إدارة اتحاد كتاب وأدباء الإمارات، والأمين العام للاتحاد العام للأدباء والكتاب العرب. في مقاله "تعليق على ما حدث في البوكر" استنكر ربط الكاتبة الأردنية كفى الزعبي "بين الخليجيين والصهاينة، مؤكدة أن الخليجيين لا يمتلكون إرثاً حضاريّاً"، قائلاً إن كلامها "التافه والفجَّ لا يستحق الرد، لكن تنبيه القائمين على الجوائز واجب. هل تُدرس النصوص وحدها دون سير وشخصيات المتقدمين. ألم نتعلم من التجربة وفي المنطقة المعتمة من الذاكرة أمثال سعدي يوسف والشبرمي؟".

المال الثقافي، حين يختار المحكّمين قبل النصوص، لا يصنع ذائقةً عامة بل سوقاً مُعلّباً. وحينها يخسر الكاتب صوته مرتين: مرةً حين يكتبه على قياس الجائزة، ومرةً حين لا يفوز بها



الموت أنقذ الصايغ من التراجع عن وصف إسرائيل بالعدو الصهيوني، في العام التالي الذي شهد ريح التطبيع. بصفته الأمين العام لاتحاد الكتاب العرب أصدر الصايغ، في 22 شباط/ فبراير 2018، بياناً حادّاً يدعو إلى مقاطعة مؤسسات التطبيع، وقناة الجزيرة "للدور المشبوه الذي تقوم به تجاه التطبيع الإعلامي والسياسي والثقافي مع العدو الصهيوني، وذلك من خلال استضافة وجوه إسرائيلية معروفة بعدائها للعرب، ورفضها للحقوق التاريخية للشعب الفلسطيني في وطنه وأرضه وتراثه وتاريخه، وآخرها استضافة المتحدث باسم جيش الاحتلال أفيخاي أدرعي ضمن برنامج الاتجاه المعاكس يوم الثلاثاء الماضي (20 شباط/ فبراير 2018)، بادعاء الحياد... ولكنها في العمق تهدف إلى تمرير الرواية الإسرائيلية للمشاهد العربي".

وعن خطوة الجزيرة "الخطيرة" قال الصايغ: في حين "تتم خطوات متسارعة على الأرض للاعتراف بالقدس الشريف عاصمة للكيان الصهيوني المحتل... تأتي خطوة قناة الجزيرة لتسويق الرواية الصهيونية". وأكد الالتزام بالمقاطعة الثقافية "مع العدو الصهيوني... استجابة للتوجه الثقافي العربي العام، الذي لا يقبل التعامل ولا التعاون ولا التواصل مع مغتصبي الأرض العربية، سواء في فلسطين أو الجولان السوري أو مزارع شبعا في لبنان". وحذَّر الصايغ من سعي قناة الجزيرة "دائماً إلى استغلال المثقفين العرب لتمرير رسالة خبيثة ضد كل الحقوق العربية والتاريخ العربي، وتساند المغتصب وتعينه على هضم الأرض التي لا يملكها، بل هي حق تاريخي للشعب العربي الفلسطيني الحر المقاوم".

صديقي، الذي لا يبرأ من المرض بالبوكر وشقيقاتها، شغلني عنه الصايغ الذي أثبت أن سعدييوسف وجعٌ. علَّمهم التدقيق في سير المتقدمين إلى الجوائز والمكرمين. سألني كاتب من طائفة الصقور المخصية: هل قرأتَ رواية فلان؟ قلت: إنه ينشر بغزارة في السنين الأخيرة، وإنني زهدت عن القراءة لكاتب يكرر نفسه، وكان عليه التوقف احترامًا لبداياته المهمة، وعدم قدرته على الإضافة، وأمامه آباء يُهتدى بصمتهم، حين صار الصمت أفضل من مراكمة أرصدة تنتقص ولا تضيف. يحيى حقي والطيب صالح مثلًا. قال «إنهم» يريدون إعطاءه الجائزة. يقصد أكبر جائزة مالية في الخليج. وبعد فترة قصيرة أعلن فوزه بالجائزة، ومحدّثي أحد أعضاء لجنة التحكيم.

مات سيبويه وفي نفسه شيء من حتى. وأخشى موتَ صديقي وفي نفسه جائزة البوكر وشقيقاتها. لا يمرُّ خريف، بعد شهور على إعلان جائزة البوكر، إلا وقد نشر رواية من الحجم الكبير. كل خريف تقريبًا ينشر رواية تراعي المعايير التي اكتشفها، والنسب المئوية لعناصر ومضامين تستهوي أعضاء لجنة التحكيم، وخصوصاً الأجانب ولو كانوا لا يعرفون اللغة العربية، والأهم هو العضو الخليجي والمؤسسة الراعية. الحضور النفطي في الكثير من الجوائز ناعم، إلا إذا اقتضت الضرورة بروزه وإعلانه عن نفسه، كما قال الصايغ، في مقاله "تعليق على ما حدث في البوكر"، إن الجائزة "ترعاها وتدعمها، وبصريح العبارة، تموّلها بلادي دولة الإمارات العربية المتحدة".

صديقي، الذي لم تدخل أيٌّ من رواياته القائمة الطويلة لجائزة البوكر، لا يعي أن كوارث المال السياسي أهون من أعطاب المال الثقافي، بشقَّيه الأدبي والفني. المال السياسي أثمر برلمانيين لا يجيدون قراءة قسَم من سطرين، وقضاة يخطئون في قراءة آية قرآنية، بعضهم يُكافأ بعضوية البرلمان أو رئاسته ولا يستقيم له نطق جملة ولو آية مكتوبة. نحتمل الثمار المُرّة للمال السياسي، ونراهن على حصانة الثقافة ومناعتها، لكنها لم تصمد أمام إغراء التجربة، سواء الجوائز والبرامج ذات الذائقة الانتقائية. في برنامج "أمير الشعراء" أصاب شاعر ليبي. صمد ودافع بخجل عن صوابه. ولم ينصفه المحكمون، مجاملة للعضو ممثل الخليج "واهب اللؤلؤ والمحار والرَّدى".

الممول رأسمالي، لا يهب صدقات. يحصد أضعاف الإنفاق، ويفرض ذائقته في الفنون والآداب. وإذا لم يستطع السيطرة على اختيارات لجنة تحكيم الجوائز، فلديه قدرة على التحكم من المنبع؛ باختيار محكمين على هواه. لا فرق في ذلك بين جوائز أدبية وبرامج فنية ذات إنتاج باذخ. في برنامج "ذا فويس"، بداية عام 2014، أدَّت المطربة المصرية مروة ناجي باقتدار في دقيقتين اثنتين موال "بِرضاك" لأم كلثوم. الدهشة ليس مصدرها التمكُّن والإجادة، فهذا متوقع من موهبة أصيلة. مصدر الدهشة هو أن قدرات مروة ناجي أكبر من محكمين مهمَّتهم تدريب الأصوات المختارة. ليلتها، سألني صديق مغربي: مَن سيدرّب مَن؟ لكن البرنامج كان عصا موسى.

الجوائز حين تتحول إلى معيار وحيد للقيمة، تُبدّل وجه الأدب من مغامرة حرّة إلى سباق مُدار، وتختزل المعنى في لحظة إعلان ووميضِ كاميرا



الجوائز الأدبية أيضًا عصا موسى. إذا كانت برامج المسابقات الغنائية تصطنع نجوماً "يؤهّلهم" المال الثقافي لاستثمارهم، فالخوف أن تُنهي مهام معاهد الفنون، وتمنح الفائزين سطوة على موهوبين تخاصمهم أضواء يمتلكها الرأسمالي اللئيم محترف التزييف. وإذا جاز هذا الاختلال في الغناء، فكيف أصابت عدواه الأدب؟ قبل اللخبطة الحالية، كان في مصر كيان معنوي اسمه «الضمير الثقافي»، أكبر من العلاقات الشللية والمنافع. في هذا الفضاء، وتحت أعين الكبار، ينضج المبدعون الواعدون، في ونَس عمومي ووعود وأحلام بالتحقق، يحتمون بهذا الضمير الثقافي الغيور على المعنى، غير مبالٍ بالموضة أو الأضواء، ولا يعترف بأرقام المبيعات. ما عدا الإبداع باطل. إنهم أعضاء "نادي فن القول".

منذ القرن الثامن عشر، شكَّل أصحاب المهن والحرف اليدوية في مصر كيانات تشبه النقابات. سمُّوها الطوائف. لكل طائفة كبير. «شيخ الطائفة» يجيز الأعضاء الجدد، بعد اختبارات يُجريها الأسطوات. والجدد يتخذون محلات في المنطقة نفسها، فلا يعمل صائغو الذهب في منطقة الحدادين،ولا يفتح نجار دكانًا وسط النحاسين. ومثل هذه المظلة، بمحبة ومن دون وصاية، جعلت الموهوبين في الكتابة أعضاء "نادي فن القول"، والتسمية ليحيى حقي، أحد كبار صائغي اللؤلؤ. لم يعش ليرىالنقد يذعن لإكراهات جوائز غير مستحقة، والكثيرين من النقاد أشبه بعمال تراحيل في شاحنة سائقها أعمي، يذهب بهم إلى حيث تقوده حاسة الشمّ المنجذبة إلى مآدب الرواج التجاري.

أنتهي بصديقي الذي بدأت به الكلام. من البؤس أن يبدّد هو وأمثاله أعمارهم في انتظار جائزة أخضعت كتاباتهم لمعاييرها، ولا تزال تستعصي. خسروا أنفسهم، ولم يربحوا الجائزة. الأكثر بؤسًا أن ينصرف النقد عن الإبداع الحقيقي المنزَّه عن روائح الشواء المحببة للمستشرقين، وأن يتحول النقد إلى ترسٍ في آلة يديرها المال الثقافي. ولا يليق بالنقاد أن يتخلَّوا، متعمدين أو غير واعين، عن دور الأسطوات مانحي الإجازات للواعدين، وأن يطفئوا عيون بصائرهم مأخوذين بفتنة "القائمين على الجوائز". ألا في الفتنة سقطوا.


رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.



* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

Website by WhiteBeard
Popup Image