شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

لنبدأ من هنا!
عندما يصبح التسوّل

عندما يصبح التسوّل "وظيفة" والجمال "مؤهلاً"... تحقيق "التارجيت"

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

مدونة نحن والفئات المهمشة

الأربعاء 13 مارس 202411:16 ص

في إحدى المرات، بينما أهرول من عيادة لأخرى لأتمكن من اللحاق بموعد الطبيب، استوقفني شاب يرتدي تي شيرت يحمل لوجو تطبيق إلكتروني يعمل على تسويقه. لم أتوقف إلا بعد سماع نبرة صوته الحزينة، والتي تكاد تقترب من التسوّل، وهو يخبرني: "خمس دقائق فقط يا فندم تساعدني في تحقيق التارجت".

أعطيته هاتفي لتنزيل التطبيق، ولكن جعلتني هذه الدقائق القليلة أفكر معه بصوتٍ عالٍ في هذا الموقف الذي، رغم بساطته وعاديّته، يحمل كثيراً من أوجه الشبه بيني وبينه. وفجأة أخبرته بأنني أيضاً أجري وراء "تحقيق التارجت"، لكن لا أقف في الشارع، بل أنتظر في العيادات بالساعات لكي أتمكن من اقتطاع دقائق قليلة من وقت الطبيب. أجدني أتسوّل أيضاً لكي يقتنع الطبيب ويكتب منتجي في روشتة مرضاه، ولكن بدلاً من ارتداء تي شيرت يحمل اسم المنتج، أذهب وأنا في كامل أناقتي، بملابس يغلب عليها الطابع الرسمي، قميص وبنطلون وحذاء، وأحياناً في المقابلات الهامة، لابد من ربطة عنق. كل هذا من أجل تحقيق التارجت أيضاً.

في الوقت الذي تتزايد فيه قصص الناجحين، نجد تزايداً من ناحية أخرى بأعداد ضحايا عيش الوهم، الذين يتماهون في حالة دائمة من التمنّي اللاواعي

أسئلة كل يوم

أحياناً يقود الانسياق وراء أسهل التفسيرات إلى العديد من الأفكار المُضلِّلة، والتي ترى في الآخرين وطباعهم سبباً كافياً للمشاكل وتبريراً للفشل، مثلما ظنّ الشاب بأن المشكلة تكمن فقط في الناس، الذين لا يمتلكون قدراً من الذوق وتقدير الغير لكي يمنحوه مجرد دقائق.

وفق هذه الرؤية البسيطة يصبح الناس أنفسهم بمثابة عائق يحول بينه وبين إنجاز عمله، كما تصرف النظر عن الطريقة الساحرة التي وضعت الناس وجهاً لوجه في سوق ضخم، بينما يرون بعضهم عبارة عن أرقام ومصالح وصفقات. بدلاً من ذلك، أليس من الأجدى أن نسأل عن الطريقة التي جعلت التسوّل من الآخرين "وظيفة"؟

من الممكن أن أشاركه نفس القدر من التسوّل بشروط أفضل بعض الشيء، لكنها لا تبتعد عن إطار "العيّان والميت" الشهير. وبغض النظر عما فعله العيّان بالميت، إلا أن الأجدر هو البحث عن سبب حصر الاختيارات بين العِلّة أو الموت، وكأن لم يعُد هناك إمكانية أخرى لما هو سوي!

ربما أدرك هذا الشاب أن ما جعلني لا ألتفت له في البداية لم يكن كِبراً أو عجرفة بقدر ما هو اضطرار مشابه لما يفعله، ولكن هل تُدرك الغالبية وتضع أيديها على الأسباب الحقيقية التي ألقت بنا في وضعية بائسة لا تخرج بين ثنائية العيّان والميت؟

لا أقصد من قصتي استجداء نظرات العطف والشفقة من الآخرين، بل تجاوز هذه النظرة للتفكير فيمن يشبهوننا حقاً وتتقاطع أحوالهم معنا. يبدو أن كل هذا يخفى على الشاب، لكنه ليس وحده الذي يجهل، وفي الغالب يداعب خياله، مثل كثيرين ينتظرون ضربة حظ تغير مسار حياتهم، ولا أعلم من أين تأتي هذه الثقة بأن هناك عدالة في توزيع الحظوظ.

أخلاقيات عالية جداً

بخصوص الحظوظ، أتفهّم جيداً من يدافع عن ثروته وما يملك، وهذا تقبّلته من أحد الأصدقاء القدامى، والذي يكمن حظه في كونه الابن الوحيد لأحد كبار المقاولين، وبغض النظر عن أفكاري وأفكاره، إلا أنه من الطبيعي أن يدافع عن جدارته واستحقاقه لهذا الموقع الطبقي، عن وجوده وشكل حياته وما يتوافر بها من خدمات ورفاهيات. كل هذا مفهوم تماماً، حتى أن أغلب حديثي معه من السهل أن يُرى باعتباره "كلام ميأكلش عيش"، على حد قوله.

ما لم أفهمه طول الوقت، من يدافعون عن مالكي الثروات من العاديين، الذين يبدون "ملكيين أكثر من الملك نفسه". أتذكر قول أحدهم: "من حق أصحاب الملايين أن يتمتعوا بثرواتهم، يا للحظ إذا امتلكت عشرة مليون جنيه"، ورغم أنه يعلم استحالة مراده، إلا أنه يرى في هذا حلماً جميلاً، أما حديثي عن الأوضاع الطبقية، وما يلاقيه أمثالي وأمثاله من صعوبات وعثرات يفرضها الواقع الذي نعيشه، كل هذا يُعدّ في اعتباره وهماً.

تُجسّد هذه النوعية "القماشة الفكرية" التي نستقي منها أغلب تصوراتنا عن الحياة وأشكال العمل وسبل العيش، كما يخرج منها الأبطال الملهمون، من استطاعوا جني الأموال بالفهلوة وتشغيل الدماغ. وفي الوقت الذي تتزايد فيه قصص الناجحين، نجد تزايداً من ناحية أخرى بأعداد ضحايا عيش الوهم، الذين يتماهون في حالة دائمة من التمنّي اللاواعي، يتحول الفرد فيه من تمنّي الشيء المفقود لنفسه، لتمنّي استدامة وجوده عند غيره، بدون أن يشغل باله بأسئلة كبيرة وعويصة مثل: لماذا تفقد؟! وعلى أي أساس تكتسب؟! ويغلّف هذا بنفحة ايمانية ورعة: "ربنا يزيده أو يعطيه من وسع"، حتى يمنع نفسه من الوقوع في الحسد، فالحسد خطر حقيقي، أما الوهم فلا.

تضامن أعمى

قرأت منذ فترة كتاباً بعنوان "أكبر من أن تُرى"، يتحدث فيه الكاتب عن مساحات العمى والإدراك التي تنتجها الأزمات الاقتصادية. لكني أود الرجوع خطوات للخلف، لا للحديث عن الأزمات وما تحدثه، بل عن طريقة التعايش المتخيّلة، وما يمكن أن نراه في أوقات "السِلم الاجتماعي" بينما تسير الأمور بانسيابية تامة، وتتدفّق حركة السلع والبضائع، ومعها الوظائف والأعمال، وفي قلبها هذا التزاحم على فرص التوظيف.

في إحدى مقابلات العمل، وبينما أنتظر دوري مع أربعة شباب وفتاة، وما إن دخلت الفتاة لتجري مقابلتها، حتى بدأ الحديث يدور بين الشباب عن مدى الفرص التي تستحوذ عليها الفتيات في وظائف الدعاية والتسويق. فمن وجهة نظرهم: "طُز" في خبرتك ومهاراتك وما تمتلكه من مقومات وكفاءة كرجل أمام فتاة تمتلك من الجمال والأناقة وكلام معسول يتخلله "English accent".

نظرت إليهم. لم أر إلا شعوراً طاغياً بالحقد، لا تجاه الفتاة وحدها، بل النساء عموماً، كونهن منافسات لنا، نحن الرجال، على الفرص المحدودة. كما يبدون امتعاضاً كبيراً وعدم رضا عن المعايير غير المتكافئة التي يُحكَم بها عليهم، بالإضافة لتوافقهم على رأي مفاده أن المرأة غير مضطرة للعمل بالأساس، لأنها بالنهاية ستؤول لرجل ما ينفق عليها.

أحياناً يكون لدينا قضية عادلة فعلاً، لكن طريقة مناقشتها وما يُطرح من حلول يجعلها غير عادلة بالمرة، يصبح الشكل النهائي عبارة عن صراع مفتوح بين الرجال والنساء، أو بين الناس وما يرونه من أخلاق غائبة

يبدو شعور هؤلاء الشباب مستحقاً وفي محله، طالما عبّروا عن خلل المعايير التي يتحدد وفقها الاختيار بالاعتماد على المؤهلات الشكلية البحتة، لكن طرحهم المشكلة أوقعهم في مأزق أكبر، وهو تصوّر أن صراعهم ومعاناتهم ضد النساء، وليس ضد سياسات المديرين والمسؤولين عن التوظيف.

أما الأكثر غرابة فهو مدى النظرة المعيبة والتي يشوبها العوار كلما تعمّقوا أكثر في الحديث عن مشكلتهم، واتفاقهم الضمني بأن كل هذا بسبب "الصحوة النسوية" التي منحت النساء مساحات جديدة في العمل والحياة، ما قلّص حظوظ الرجل وانتقص أيضاً من سلطاته. على إثر هذه الرؤية يتكون شكل من التضامن بينهم، يفرض عليهم حقداً أكبر تجاه النساء. تضامن نعم، لكنه بكل بساطة أعمى.

تشير هذه القصة إلى أنه أحياناً يكون لدينا قضية عادلة فعلاً، لكن طريقة مناقشتها وما يُطرح من حلول يجعلها غير عادلة بالمرة، يصبح الشكل النهائي عبارة عن صراع مفتوح بين الرجال والنساء، أو بين الناس وما يرونه من أخلاق غائبة، بالضبط مثل ثنائية "العيّان والميت" المناسبة لوصف حالة أفراد عاجزين، تزداد لديهم مساحات العمى وتسود على حساب مساحات الإدراك الاجتماعي، ما يجعل أزماتهم وصراعاتهم بالنهاية أكبر من أن تُرى.


رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

WhatsApp Channel WhatsApp Channel


* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

قد لا توافق على كل كلمة ننشرها…

لكن رصيف22، هو صوت الشعوب المضطهدة، وصوت الشجعان والمغامرين. لا نخاف من كشف الحقيقة، مهما كانت قبيحةً، أو قاسيةً، أو غير مريحة. ليست لدينا أي أجندات سياسية أو اقتصادية. نحن هنا لنكون صوتكم الحرّ.

قد لا توافق على كل كلمة ننشرها، ولكنك بضمّك صوتك إلينا، ستكون جزءاً من التغيير الذي ترغب في رؤيته في العالم.

في "ناس رصيف"، لن تستمتع بموقعنا من دون إعلانات فحسب، بل سيكون لصوتك ورأيك الأولوية في فعالياتنا، وفي ورش العمل التي ننظمها، وفي النقاشات مع فريق التحرير، وستتمكن من المساهمة في تشكيل رؤيتنا للتغيير ومهمتنا لتحدّي الوضع الحالي.

شاركنا رحلتنا من خلال انضمامك إلى "ناسنا"، لنواجه الرقابة والترهيب السياسي والديني والمجتمعي، ونخوض في القضايا التي لا يجرؤ أحد على الخوض فيها.

Website by WhiteBeard