شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

ضمّ/ ي صوتك إلينا!

"كيف تقتل الأرنب"... سيرة الاستباحة في منافي العرب

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

يقول الروائي الأرجنتيني أرييل دورفمان: "نحن نعيش في عصر اللاجئ... عصر المنفى". لم يعد أحد بعيداً عن هذا المصير مع تنامي ظاهرة العنف والتطرف والنزاعات المسلحة والحروب الأهلية والأزمات الاقتصادية في العالم. ورغم ذلك، فإن المنفى لم يتحوّل أبداً إلى شيء طبيعي وآدمي ولا إلى تجربة سياحية، بل ظل إلى اليوم حالةً من الاجتثاث المصاحَبة بمشاعر الإكراه والألم.

لم يتوقف المَنفِي عن التألُّم، لكنه صار لا يتحدث كثيراً، أو ضاع صوته في أصوات الحشود النائحة، أو صار محاطاً بالكثير من التعتيم والحظر. فمع هذا الانفجار الإعلامي ووسائل التواصل الاجتماعي لم تعد للمنفي حرمة، ولم يعد يكتب الحقائق، وصار يقدّم صوراً مزيفةً عن حياته أحياناً قصداً، وأحياناً بلا قصد.


تلك الصورة المزيفة من دون قصد، هي التي تجعل البعض يحسدونه بمجرد أن يرونه في حديقة غنّاء أو في غابة خضراء أو أمام بناية جميلة أو قطار مكيّف. وأما ما هو عن قصد، فهو ذلك الصمت عن الألم والاكتفاء بتلك الصور التي غالطت الحسّاد قبل المحبين وضاعفت عددهمK فلا يردفها بأخرى تعكس حياته الحقيقية في المنفى.

صمت يبرره أحياناً المنفي، خاصةً أولئك المنفيين لدواعٍ سياسية. فالأنظمة تلاحق المعارضين حتى في المنافي  لتجعل منهم أمثلةً لأفراد الشعب، وتهديداً بأن هذا مصير من يعارضها، وهي بالتشهير بهم وبأوضاعهم ترسّخ نفسها وتكبت أي نية للفرد في الداخل في معارضتها أو الاحتجاج عليها. بينما يظل المنفي يعيش غربتين؛ غربته عن وطنه وإبعاده، وغربته عن الذات التي يعرضها للعالم، ليبقى، كما يقول إدوارد سعيد، "شجن دفين لا يمكن التغلب عليه البتة. فهو ينبع من الواقع الأساسي للمنفي، من الانفصال أو الشرخ الذي لا برء منه بين شخص ما ومكانه الأصلي، بين الذات وموطنها".

في روايته "كيف تقتل الأرنب"، يخرج العراقي صلاح صلاح عن صمت المنفيين، ليكتب مسار المنفى منذ الأيام الأولى للبطل، في عمل سردي متوحش يتقاطع فيه التخييل مع التجربة الشخصية حتى تغيب الحدود

كيف تقتل الأرنب؟

في روايته "كيف تقتل الأرنب"، استطاع بعض الروائيين العرب أن يتخلّصوا من هذا الضغط، ويكتبوا عن عالم المنفى من دون أي تجميل. ويمكن أن نعثر على صورة ذلك المنفى مع الروائي اللبناني راوي الحاج، في روايته "الصرصار"، والروائي العراقي صلاح صلاح في روايته "كيف تقتل الأرنب"، التي يخرج فيها عن صمت المنفيين، ليكتب مسار المنفى منذ الأيام الأولى للبطل في عمل سردي متوحش يتقاطع فيه التخييل مع التجربة الشخصية حتى تغيب الحدود.

اللعب مع الذات

ينتهج صلاح أسلوباً خاصاً في تشييد روايته، وهو دمج تجربته الذاتية مع التخييل، حتى أن أحد أعماله نُشر تحت علامة أجناسية "سيرة رواية"، قبل أن يعيد نشرها ويخلصها من تلك العلامة معيداً إياها بالكامل - دون لبس - إلى التخييل، ويثبت على غلافها كلمة رواية، مع أن العلامة التي حملتها لا تشير إلى سيرة الشخص بل إلى سيرة الأثر "الرواية".

في حوار معه، يجيب صلاح على الصحافي والناشر حكمت الحاج الذي سأله بثقة: "المتتبع لرواياتك الصادرة إلى الآن يستطيع أن يتلمس بسهولة أنه أمام سِيَرٍ ذاتيةٍ في حلقات زمنية. هل تكتب نفسك وحياتك أم تكتب حيوات الآخرين؟". ليجيب صلاح: "هكذا تبدو، لكنها ليست كذلك. أنا لا أكتب سيرةً ذاتيةً بالمعنى الشائع. أعني أن سيرتي الذاتية ستكون موجودةً حتماً، أو على الأقل أجزاء منها، إنها مبثوثة هنا وهناك. أنا أكتب عن حياة آخرين، لكني أعيش سيرتهم وأعيش هواجسهم باعتبارها أنا. أنا أكتب سيرةً مبتكرةً لشخص حاضر وغائب، هو نحن".

إن هذا التصريح الواضح والدقيق يجعلنا نتوقف عن عدّ ما يكتبه الروائي العراقي - الكندي شكلاً من أشكال السيرة الذاتية، لأن أول شروط السيرة الذاتية التعاقد، والميثاق " إعلان السرد عن الذات" وهو الغائب في أعمال صلاح بقصد. ثم إن كل ما يحيل إلى سيرة الكاتب التي نعرف، ليس إلا من قبيل اللعب، وهو أسلوب شائع في الكتابة عند الكتّاب في الغرب، بدايةً من بوكوفسكي وهنري ميللر وكيرواك ووليام بوروز، إلى فيليب روث ومايكل أونداتجي وألبرتو مانغويل، وعربياً تشكل تجربة الروائي اللبناني رشيد الضعيف وتجربة راوي الحاج أهم النماذج العربية في هذا الإطار.

واستناداً إلى ما تقدّم، علينا أن نتعامل مع البطل الراوي الذي يضطلع بمهمة السرد بضمير المتكلم باعتباره شخصيةً مغايرةً للكاتب، وألا ننجرّ وراء تجميع التقاطعات ونقاط التشابه والاختلاف إلا ما يخدم قراءة النص إبداعياً.

في "كيف تقتل الأرنب"، يحسم الروائي أمر جنس الكتابة منذ العتبة الأولى، وهي تشكل ميثاقاً سردياً واضحاً عندما يصدر روايته بالعبارة التالية: "كتبت هذه الرواية تحت تأثير السموم الرائعة"

قد يكون صلاح صلاح، الذي فاجأ حكمت الحاج بإنكاره كتابة سيرته، قد انطلق من فكرة أعمق حول كتابة السيرة الذاتية باعتبارها نشاطاً مستحيلاً، وتصور أنه ليس هناك شيء اسمه السيرة الذاتية الخالصة، لأن مجرد الشروع في تحويل المعيش إلى كتابة، يُفقد تلك الوقائع واقعيتها، وتدخل عالم التخييل، كما قد تكون إجابته منبعها أننا كما يقول الروائي التشيكي ميلان كونديرا: "نموت دون أن نعلم من نحن"، فكيف نكتب ذاتنا ونحن لا نعرفها أصلاً؟

في روايته الأخيرة "كيف تقتل الأرنب"، يحسم الروائي العراقي أمر جنس الكتابة منذ العتبة الأولى، وهي تشكل ميثاقاً سردياً واضحاً عندما يصدِّر روايته بالعبارة التالية: "كتبت هذه الرواية تحت تأثير السموم الرائعة: إفكسور، ولبتيرن، سيركويل، رسبدين، زايبركسا" .

ويعود في الفصل الأول ليثبت ما يشبه الميثاق الثاني المربك، والذي يعود في ظاهره ليناقض الأول عندما يشير إلى علاقة التاريخ الشخصي بالنص المكتوب، إلا أن الاكتفاء بالتلميح إلى الذات دون تحديدها يحمي التخييل ويدرج كل هذا ضمن ألاعيب السرد.

في بداية الفصل الأول من الرواية يكتب صلاح: "هذا إعلان كتاب أرواحنا في الهجرة، اللجوء، الزرائب، الذي أوحي إليّ به دبر ذي القعدة الموافق بلعيد سمسمائيل، أنا الأنونكي، من العام الذي أوله مبعرة وآخره إرهاص وفكوك مجروشة.". ويضيف: "أكتب هذ الزبور بفيض استدلالات تاريخي الشخصيّ، وهو الوطوطة والهروب. حدا بي الأمر أن أكون، وينبغي أن يكون، ثم ما عاد بعد ذلك شيء مما كان". ثم يشير الراوي إلى أن ما سيحكيه متعلق برحلة لجوئه إلى كندا.

إن كل هذه العلامات لا يمكن أن تجعل هذا العمل يُقرأ على أنه سيرة ذاتية، ما دام الميثاق روائياً خالصاً. إنما أراد الكاتب عبر هذا التقاطع الإيهام بالواقعية، وهو أحد أهداف فن الرواية كما يقول كولن ولسن؛ أن يجمع في هذه الشخصية نماذج من المنفيين وتجاربهم لتكون التجربة الذاتية عنصراً من جملة العناصر المكونة لشخصية الراوي، الشخصية الرئيسية، أو ما يمكن أن نسميه: المَنْفِيّ.

السرد السوريالي

إذا كانت رواية الواقعية القذرة في أمريكا نشأت في الرحلة الحرّة والحياة الوحشية في البرية وعلى الطرق الصحراوية، حيث الحانات الرخيصة والتقاء الغرباء حول الجنس والشراب والرصاص، والتي كان من روادها ريتشارد فورد والجيل الضائع بعد حرب فيتنام والحرب العالمية الثانية، فإن السرد السوريالي المستنقعي نشأ في رحلة المنفيين والمدحورين كرهاً من أوطانهم وبيوتهم. فالأولى رحلة اختيار والثانية رحلة إكراه.

ضمن رحلة الإكراه هذه، يتنزل نص صلاح صلاح. فمسار المنفي والمطارد هو مسار التيه الذاتي المغموس في ورق المؤسسات وحقائب الأمم المتحدة، حيث يتحول المنفي إلى مجموعة من الأوراق المحشورة في حقيبة تجرّه عبر مطارات الدنيا إلى منفاه الذي يسمّى تجاوزاً فضاء النجاة.

يقول الراوي المنفي متحدثاً عن دخوله طائرة النفي إلى كندا واصفاً وضعه بسوريالية:" أنزلق مع الأطفال في رعونة الخرطوم، خرطوم البهجة، خرطوم حياتي الجديدة. أشتبه في أني أبتلع معلقاً من منقار قائر، لكن لا طائر هنا، هناك، في كل مكان. أنا قملة دبّت إلى المنافي الباردة بفعل الأيديولوجيات. أين تقع كندا، أين تقع روحي؟ أحتاج إلى جهاز ثوري لتحديد الأمكنة وإستراتيجيات الدماغ المغلّف بالصمت. أحتاج إلى زبابير تلدغ، تلسع حياتي في السأم، أحتاج إلى أنا ضمن المدرك" .

إن السرد السوريالي في هذه الرواية يرحل بحوادث الواقع من معناها العام والمشترك، نحو صورة مركبة وغامضة، شرعها لها بمحفزات الخلق الفني منذ البداية، عندما أشار إلى أنه كتب تلك الرواية تحت تأثير تلك الأنواع من الأدوية والمخدرات. ومن ثم؛ فالجملة في كثير من الأوقات تتحرر من منطق اللغة لتؤسس منطقها الخاص عبر استعارات الذهن السردي، حيث يتعانق المعقول واللا معقول لرسم واقع المنفى.

يقول الراوي متذكراً لحظة محاولته التبول: "أقف عاجزاً، أمام المبولة. عضوي الذهبي، خزعة نوستالجية، في النهاية سافرت عبر الحروب ورجال الأمن والجنرالات، والجنود الجدد يعرفونه أيضاً... عندما أستدير لأغسل يدي بصابون بهجتنا العظيمة مستدركاً أناي، أفاجأ بصرصار يدبى، أًرخ فزعاً: رحماك يا أبا لهب ويتقدم الصرصار مني، دافعاً لوامسه إلى أنفي خالطاً الشعر بالشعر، المتعة بالمتعة، التوهان بالتوهان، ثم يجلس على الحنفية الصرصار الإنكليزي، قائلاً: وصلت أخيراً. أقول: من أنت؟ يقول: أنا الذي أمام كل الذين يجيئون، مثلك، من عالم ما قبل الطوفان، أقول سأبدأ حياةً جديدةً... أريد البدء بمشروع كتابي، هل تفهم؟ الجوع الحروب والحصارات في العراق حرمتنا فرصة التأمل والكتابة. أشعر أني سأعيش هنا من جديد. ثقافة، جاز، مكتبات وفلسفة. يضحك الصرصار هابطاً: ستكتشف أشياء رائعةً هنا. أقول مثل ماذا؟ يقول: لاحقاً" .

وهم النجاة للمنفيّ

كان ذلك الاستقبال الكافكاوي الساخر مؤذناً بالخراب الذي لقيه المنفي في بلد الأحلام والنجاة: كندا.

كان المنفي طوال الرحلة يعيش حالةً من الانتصاب والشبق التي تسيطر على الناجي الواهم بعد سنوات من الكبت والخصي اللذين تعرضت لهما الذات في أراضي الأنظمة الديكتاتورية، لذلك كان جسده في المطار والطائرة المحلقة في حالة من التوتر والشهوانية الوحشية تجاه كل شيء: المسافرات المنفيات اللواتي خلعن الأثواب الطويلة والحجاب، والصور على الجدران والملصقات والأفيشات، وموظفات المطار والمضيفات، كل شيء كان ينادي خلايا جسده الذي اعتقد أنه مات لحياة جديدة مشتهاة.

تبدأ عذابات المنفي من المطارات حيث يفقد فجأةً ومن دون مقدمات لسانه، وتبدأ مراسم الخصي الجديد على الأرض الجديدة، حيث ينزل التواصل إلى أدنى درجات الكائنات وتفقد أول ما يميزك عنها: الكلام.


استقبلته الأرض الجديدة بعد 14 ساعة من الطيران بأشنع الأحاسيس هو واطفاه وزوجته: الجوع! وبدأت نبوءات صرصار المرحاض تتحقق

يقول الراوي: "الأولاد كانوا مثل قرود مع مرقصات. زوجتي لا، مسكينة كانت كدب حيثما تسير تصرم هذا الولد وتلك الأيقونة، نقيق الكلمات الإنكليزية تتقافز على وجوهنا. حيثما تولي وجهك تراه، الصليب مدندل بخيط شليلة. عندما نقف في ازدراء منتظرين إجراءً والأعرج بجانبنا والسيدة تبحث عن المغاليق، يهجم علينا في مرارتنا... كنت أفكر برعة باحثاً عن مكنون هتك شعور الاستلاب، والخصاء، والطعن بالسماهر، أشعر بشعور من بخصيته تآكل، بصليل آلامه، يهرب العقل مثل كلب إلى الفلوات، عاوياً على الموتى والبيارق والسبايات وأيقونات سيد مالك ووليد الفلوجي، يقرأ سورة فاطر في باص ريم والشهداء على الجدران واللبلبي رائع واللوطية في الكوسترات والانضباط العسكري يجول".

في أول يوم في المنفى، في الأرض الجديدة، أرض الأحلام والحياة الجديدة التي حلم بها المنفي يعيش الراوي أول أيام الجوع فكل شيء في الأرض الجديدة بتوقيت، لا أكل خارج أوقات الأكل. وهكذا تكون الأرض الجديدة قد استقبلته بعد أربع عشرة ساعة طيران بأشنع الأحاسيس هو وأطفاله وزوجته: الجوع، وبدأت نبوءات صرصار المرحاض تتحقق.

هذا الوضع الكابوسي جعل الشخصية طوال الرواية تفاحش اللغة بأسلوب غاضب، تتصدر فيه كلمة "قحبة" كل القواميس المستعملة. فكل ما يحدث حوله قحب وتقاحب، وجل من حوله قحاب وأخوات قحبة. يقول الرواي: "في النهاية تنتهي المغامرة إلى هذا المكنون المخيف أو الصدمة التي ما فكرت بها يوماً، وأنهض بخراعيب عقلي المشوش مكفهراً مرهقاً وأقول مع دربكة كبكبة خيل رأي، حسناً نريد أن نأكل الآن يا أخوات القحبة، الجوع حطمنا. وأسير بجوعي في ممرات البناية كمهلوس أو نبي يعاني من اضطراب ثنائي القطب ويتنبأ على اليهود. وأقول للموظفة التي استقبلتنا، نحن جياع من ميزوبوتاميا. ولا تفهم، وبعد بربرة ورطن ولعثمة أفهم منها، أن وقت وجبة العشاء قد انقضى. وأصاب بالإحباط، بالنثيث والضوء ينزف من المصباح والذباب على الجثث. وتعود ثانيةً، دربكة الخيول والفحيح في تشنجات الأذان وأكاد أبكي في الممر وتأخذني المرأة المتشحة بالصليب وتسير بي كمومياء، وفي انبهار نجمة الصباح الخرافي، إلى ثلاجة صغيرة وتريني الشيبس والشوكولاتة والحليب. وأقول: نريد همبركة، كتشب، منسف أردني، دليمية، سمك زوري، محروك إصبعة، حليب نيدو، قلية، وأشرح محاولاً إفهامها أننا نريد لحم غنم وإذا أمكن مع الليّة على الرز. لا تفهم وأمعمع مثل طلي وتقول: أوه سوسوري، حديقة الحيوانات مغلقة الآن، عليك الالتزام بالمواعيد سيدي" .

يتذكر المنفي وطنه وحريته في الأكل في أي وقت وأي شيء يريد، صار الآن محاصراً بالتوقيت وبالنوعية، فيصرخ: "يا للجحيم، يا للعنة، دمرتمونا بالتوقيتات... فكرت في سلق أحذية أطفالي كما فعل شارلي شابلن، لكن لا قدر، طنجرة، طاوة أو روث البقر المتكتل لنشعل عليه موقدنا في برد شباط والنذر السماوية تجتاحنا منهكين، تفو، قلت متوقفاً وساهماً أمام النافذة الكبيرة في الغرفة" .

شيئاً فشيئاً يصطدم المنفي باختلاف القيم والعادات ويجد نفسه محاصراً بقوانين الأرض الجديدة التي لم يفكر فيها أبداً فيرويها في كوميديا سوداء وهو يتلقى التعليمات من الصراصير التي سبقته إلى المنفى والتي صارت تساعد أهل البلد في رعاية اللاجئين الجدد، أولئك الأجانب الذين سرعان ما يسلمون المنفي بعد أيام إلى أبناء ملّته الذين أعادت رسكلتهم المنافي حتى صاروا يتحيلون على أبناء البلد نفسه لكي يعيشوا.

ويندفع السرد السوريالي شيئاً فشيئاً مع نوبات التشنج والاكتئاب إلى مستوى السرد الهيستيري الغاضب حيث تتحول العبارة إلى غمغمة والكلام إلى زبد يشي باستحالة إدراك المعنى في واقع فقد كل ملامحه ومعانيه.

كوميديا سوداء لواقع مظلم

لا يمكن أن يغيب عن القارئ أن هذا الأسلوب السوريالي المستنقعي للرواية ينتج طبقةً من الكوميديا السوداء في كل مرة عبر كوميديا الموقف التي يتعرض لها الراوي، فجدّية المواضيع التي تطرحها الرواية يقابلها هذا السرد الساخر والهازئ بالنفس والآخر، مما يذكرنا بعنوان الرواية "كيف تقتل الأرنب"، لنتساءل: هل فيها شيء من محاكاة الرواية الأمريكية الخالدة "أن تقتل طائراً ساخراً" للكاتبة الأمريكية هاربر لي التي قادت قرّاءها إلى مواضيع غايةً في الجدية المؤلمة كالتمييز العنصري عبر السخرية؟

فهذا المنفي الذي يتخلص من صمته تحت أثر المخدرات يتحول إلى ذات الطفلة الساردة في رواية هاربر لي، التي تكتب مذكراتها عن أهلها وجيرانها ومحيطها بصدق طفولي وحقائق العلاقات، ومن ذلك الصدق جاء أثر تلك الرواية على المجتمع الأمريكي، فالكاتب الذي يرفع عنه القلم عبر تصديره وإشارته إلى أنه كتب ما كتب تحت تأثير تلك الأدوية المهدئة لا يرفع عن الحكاية الصدق بل يورطها فيه باعتبارها حكاية كل منفي رواها شخص قد تخلص من وعيه الذي من شأنه أن يحرف الأحداث والوقائع وقال كل شيء دفعةً واحدةً.

يروي أبو زهرة، وهو من الشخصيات العربية التي التقاها المنفي متحدثاً عن قوانين الخيانة الزوجية: "عليك أن تكون ماصوصاً كبيراً، جنتلماناً بكل معنى الكلمة. عليك أن تقول للزوجة إذا فوجئت بأحدهم يمتطيها، أو ماي كاد، انتبه، لا تضربها ولا تزعجها، أقصد اتركها حتى تكمل عملية الحب الفموي. يمكنك الانتظار في الغرفة الجانبية أو تذهب لحلاقة وجهك في الحمام ويجب أن تغنّي، نعم تغنّي ليمكّنك هذا نسيان الكلب الذي نام على شرفك. لخاطر داحي الباب، لم كل هذا؟ كم نحن مناويك، بالمناسبة، يمكنك بعد إتمام الحلاقة أن تذهب وترجع الماكنة إلى السوبر ماركت وتقول لهم إنها لا تعجبني وتأخذ نقودك..." .

يتوغل الكاتب بعد ذلك في فضح عوالم المنفى وآلياته وشتى أنواع الانتهازيين الذي "يتمعشون" منه خاصةً المغتربين الذين يتلقفون المنفي الجديد بالتوجيه والإرشاد والذي عادةً نصفه تحيّل عليه ونصفه تدريب له على ضروب التحيّل على الآخرين وعلى القوانين والتهرب من التاكس وكسب الأموال غير المشروعة، ليرسم الكاتب صورةً قاتمةً عن العرب في المنفى وكيف يعيشون من مص دماء بعضهم البعض تحت شعارات دينية وهوياتية حولوا وجهتها في المنفى.

يحدث أبو زهرة المنفي الجديد: "ستتعلم الكثير عن بلد الكفار هذا. حسناً... سأدلّك على الجامع أو الحسينية. ستتعرف هناك إلى مؤمنين، ستتعلم منهم كل ما هو رائع. ستتعلم كيف تتهرب من التاكس، إيجاد عمل أسود، فائدة صنع أطفال جدد، الجنس الفموي. كيف تتفق مع أحد الأخوة ليسرق سيارتك أو يضربها لك، لتستلم تأميناً. كيف نحافظ على حبنا لآل البيت. هذا البلد يحكمه آل أمية... خوات قحبة يسيطرون على كل شيء..." .

يلاحق صلاح صلاح في هذه الرواية المؤلمة الذوات العراقية المستباحة في المنافي بسبب الحروب العبثية التي أطلقها الساسة والطوائف، والتي شكلت هذه الدياسبورا العراقية العنقودية في المنافي وفي كندا

يلاحق صلاح صلاح في هذه الرواية المؤلمة الذوات العراقية المستباحة في المنافي بسبب الحروب العبثية التي أطلقها الساسة والطوائف، والتي شكلت هذه الدياسبورا العراقية العنقودية في المنافي وفي كندا، والتي رحّلت معها أمراضها وفرقتها وتآمرها على نفسها والآخرين في ظل قسوة الغربة والرأسمالية المتوحشة التي تنهش لحم المنفيين وقلوبهم لتظل النوستالجيا مجرد عواء كلب مصاب بفالج على هضبة الثلوج. فكل شيء في المنفى يذكّر بحماقات الوطن وكيف انهار، واقع وصفه الراوي مختصراً: "بعيداً عن الله، ميتاً في الموت وهالكاً في الحياة" .

عبر شخصية روائي، يكتب تحت أثر أدوية انفصام الشخصية واضطراب المزاج ثنائي القطب وحالات الهوس الحاد، وحالات الاكتئاب المستعصية وحالات القلق الشديد والسلوك المهتاج أو العنيف أو الخطير التي تشير إليها الأدوية التي ذكرها الراوي في تصدير الرواية، ويحرر المؤلف الحقيقي شخصيته لتقول كل شيء دون أي قيود.

الكاتب العراقي صلاح صلاح

هناك في المنفى حيث يتزاور العرب حاملين وروداً ومقلدين الكنديين لكنهم جمعوها من فوق مقابر الأجانب، يقف المنفي الجديد وأسرته مندهشين من هذا العفن البشري الذي لوّح بهم الله فيه. ويلاحق صلاح صلاح أوجاع المنافي في لغة موجعة مثقلة بالعواء الفردي لاستنطاق الألم الجامعي في الشتات، لينحت عبر استعارات مركبة وصعبة صعوبة محاولة العيش، تلك المحاولات اليومية في أرض كندا حيث ما يسمون ناجين يموتون كل لحظة في موتهم السرمدي ليعارض به ما ادّعاه يوماً المخرج الليتواني المنفي في أمريكا جوناس مايكس، عندما قال سنة 1958: "أنا إقليمي، هذا ما أنا عليه الآن. أنا دائماً أنتمي إلى مكان ما.

أسقطني في أي مكان، في مكان حجري جاف، بلا حياة، ميت، حيث لا أحد يحب أن يعيش وسأبدأ في النمو والتجذر، مثل الإسفنج. لا قومية مجردة عندي. كما أنني لا أراهن على المستقبل: أنا الآن وهنا. هل هذا لأنني طُردت من منزلي بالقوة؟ هل لهذا السبب أشعر دائماً بالحاجة إلى بيت جديد لأنني لا أنتمي حقاً إلى أي مكان سوى هناك، في ذلك المكان الوحيد، الذي كانت فيه طفولتي والذي ذهب إلى الأبد؟"، ليؤكد صلاح صلاح أمراً آخر هو أن المنفي لحظة مغادرته بلده يكون قد مات فعلاً لتبقى روحه تتعذب في السرّ وعلى الملأ داخل المستقنع الذي يُسمّى المنفى.

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

قد لا توافق على كل كلمة ننشرها…

لكن رصيف22، هو صوت الشعوب المضطهدة، وصوت الشجعان والمغامرين. لا نخاف من كشف الحقيقة، مهما كانت قبيحةً، أو قاسيةً، أو غير مريحة. ليست لدينا أي أجندات سياسية أو اقتصادية. نحن هنا لنكون صوتكم الحرّ.

قد لا توافق على كل كلمة ننشرها، ولكنك بضمّك صوتك إلينا، ستكون جزءاً من التغيير الذي ترغب في رؤيته في العالم.

في "ناس رصيف"، لن تستمتع بموقعنا من دون إعلانات فحسب، بل سيكون لصوتك ورأيك الأولوية في فعالياتنا، وفي ورش العمل التي ننظمها، وفي النقاشات مع فريق التحرير، وستتمكن من المساهمة في تشكيل رؤيتنا للتغيير ومهمتنا لتحدّي الوضع الحالي.

شاركنا رحلتنا من خلال انضمامك إلى "ناسنا"، لنواجه الرقابة والترهيب السياسي والديني والمجتمعي، ونخوض في القضايا التي لا يجرؤ أحد على الخوض فيها.

Website by WhiteBeard