شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

ضمّ/ ي صوتك إلينا!
العلبة السحرية الفرنسية التي أنتجت أول فيديو كليب عربي…

العلبة السحرية الفرنسية التي أنتجت أول فيديو كليب عربي… "السكوبيتون" وذكرياته الجميلة

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

ثقافة نحن والتاريخ

الأربعاء 23 أغسطس 202311:49 ص

سَمَت الموسيقى ولا تزال بالروح البشرية إلى مراتب عليا، تسللت إليها عن طريق أصوات صدّاحة، من خلالها عرفنا آلام أصحابها وأفراحهم، أحلامهم وكوابيسهم، ماضيهم وحاضرهم، أوجاعهم التي تدرّ الدمع في قلوبهم، وفي سعادتهم التي ترتسم على وجوههم، فيتشاركون هذا الهم مع جمهورهم في حياتهم وبعد مماتهم، خاصةً إذا كان لدى تلك الأصوات ما يميزها عن غيرها، فتبقى تصدح في كل مكان وزمان، وتوثّق تلك الانفعالات مهما كان شكلها وحجمها، لتصلنا صافيةً سليمةً كما نطقها أصحابها، ومعبّرةً عن همومهم لتعكس بدرجة ما همومنا.

الفرنسيون... أسياد صناعة الجمال

الكثير من الأصوات الجميلة وجب أن تخلد وتبقى، ليتم توريثها ونشرها على أوسع نطاق، لتبقى تنساب عن طريق مسامات القلب إلى السرّ فينا، بتفاصيلها المتعددة والمتلونة، معلنةً عن احتلال أذواقنا بكل حب. من هذا المنطلق واكب الصناعيّون الفرنسيون هذه الأحداث، واستغلوها تجارياً واقتصادياً بشكل واسع، وقاموا بإيصال هذا الجمال إلى كل بقاع الأرض، فقطّروا الورود لتعطينا أجود أنواع العطور، ووزعوها في كل شبر من الأرض.

مع بداية الستينيات صنعت الشركة الفرنسية "دافيس بوير" جهازاً آخر سمّته "السكوبيتون"، تسمح لكل من يُدخل قطعةً نقديةً في جوفها بأن يستمع إلى الأغنية التي يختارها ويراها صورةً متحركةً

صُنع "السكوبيتون" لتسجّل فيه الأغاني ليستلذ محبوها وعشاقها بها، وليكون السكوبيتون في وقت ما بمثابة الذاكرة التي حفظت تراث الفنانين المرئي والمسموع، وتكون هذه الآلة بمثابة العلبة السحرية في ستينيات القرن الماضي وسبعينياته، لشريحة واسعة من الناس، من متذوقي الأغاني، ومن بينهم العرب الذين ضمن لهم السكوبيتون تواصلاً روحياً مع العديد من الفنانين العرب.

مسافة الصوت والصورة... ألوان السماع المتعددة

عاش محبّو الغناء في العالم نهاية الخمسينيات على وقع انتشار آلة غريبة نوعاً ما، هي عبارة عن علبة متوسطة الحجم، سُمّيت "جو بوكس"، يعكسها جهاز يُخزّن المئات من الأغاني لمختلف الفنانين، تم زرعه في العديد من المقاهي والحانات، وكان يكفي أن يتم إدخال قطعة نقدية حتى تُسمع الأغنية التي يتم اختيارها.

ومع بداية الستينيات صنعت الشركة الفرنسية "دافيس بوير" جهازاً آخر سمّته "السكوبيتون"، وهو عبارة عن آلة تشبه "جو بوكس"، لكنها تختلف عنه بأنها تسمح لكل من يُدخل قطعةً نقديةً في جوفها بأن يستمع إلى الأغنية التي يختارها ويراها صورةً متحركةً، عن طريق ما بات يُعرف بالفيديو كليب، لتحل هذه الآلة محل "جو بوكس".

العالم يفتح ذراعيه لصناديق الموسيقى

انطلاقاً من فرنسا، توسعت دائرة انتشار هذه الآلة لتشمل معظم دول العالم، خلال فترتي ستينيات القرن الماضي وسبعينياته، وبالعودة إلى فضاءات فرنسا، من مقاهٍ ومطاعم وحانات، كانت هناك فئة واسعة من المهاجرين العرب ترتادها، لكنها كانت لا تهتم بالأغاني المُخزّنة في ذاكرة "السكوبيتون"، لأنها أغانٍ أجنبية لا تعكس ثقافتهم واهتماماتهم وانتماءهم، ومن هذا المنطلق فكّرت الشركة المذكورة سابقاً في تزويد جهازها بأغانٍ وفيديو كليبات لفنانين عرب وأمازيغ، لمحاكاة الذائقة الفنية والسماعية لهم، خاصةً أنهم كانوا يشكلون فئةً واسعةً من إجمالي سكان الدولة الفرنسية، وغالبيتهم من العمال والطلبة.

الموسيقى العربية وحكاية أول فيديو كليب يدخل الصندوق

أوفدت الشركة المذكورة ممثلين عنها إلى العديد من الفنانين، من أجل إنتاج فيديو كليبات لهم، وعلى رأسهم كان فريد الأطرش، ليكون هذا الأخير أول فنان عربي يصوّر أغنية فيديو كليب، بعد أن تعاقد مع الشركة الفرنسية التي أنتجت له نحو 13 أغنية فيديو كليب، 10 منها أُخذت من أنجح أفلامه الموسيقية وهي "وحبيب حياتنا كلنا"، و"عش أنت"، و"يا حبايبي يا غايبين"، والبقية صُوّرت خصيصاً للسكوبيتون.

وهناك أغنيتان من المجموعة المذكورة لفريد الأطرش هما "تأمر عالراس وعالعين"، و"اشتقتلك" صُوّرتا باحترافية كبيرة، إذ تتوفر فيهما كل المعطيات والعناصر الفنية والتقنية التي تُطبَّق في الوقت الحالي على الفيديو كليب الحديث.

تعاقدت الشركة الفرنسية مع فنانين آخرين، من بينهم أم كلثوم، التي خزّن لها السكوبيتون أغنيةً واحدةً بالألوان، بعنوان "ليلة حب"، وقد ذهب بعضهم إلى القول إنها تخصّ الحفلة التي صوّرها المخرج يوسف شاهين، بالإضافة إلى أغاني عبد الحليم حافظ، ومحمد عبد الوهاب، وصباح، ووديع الصافي، وطروب، وشادية وفائزة أحمد، وفهد بلان، وفيروز، وسميرة توفيق، ووردة الجزائرية، وسميرة توفيق، ونورة، وغيرهم.

كان السكوبيتون في وقت ما بمثابة الذاكرة التي حفظت تراث الفنانين المرئي والمسموع، وتكون هذه الآلة بمثابة العلبة السحرية في ستينيات القرن الماضي وسبعينياته، لشريحة واسعة من الناس

أما الفنانون المغاربة فقد صنعوا الاستثناء، وهذا بتسجيل العشرات من الأغاني التي لاقت نجاحاً كبيراً، بحكم أن الغالبية الكبرى من المهاجرين في فرنسا ينتمون إلى الدول المغاربية، من أمازيغ وعرب، من بينهم الفنان الكبير عبد الوهاب الدوكالي الذي سجلت له أنجح أغانيه وهي "كتعجبني"، "ديني معاك"، "أنت كذاب"، "لهلا يزيد أكثر"، "مرسول الحب"، والحاجة الحمداوية رائدة الغناء الشعبي، والهادي بلخياط. من الجزائر كانت هناك العديد من الأسماء، على رأسهم الفنان الأمازيغي سليمان عازم الذي قالت له إحدى النادلات الفرنسيات: "لا أفهم ما تقول لكنك تغنّي بشكل رائع"، بالإضافة إلى مازوني وآخرين صنعوا مجد هذه الآلة.

موت السكوبيتون... بداية جديدة مع التكنولوجيا

مع نهاية السبعينيات وبداية الثمانينيات، انطلقت حكاية جديدة مع التكنولوجيا الحديثة، بدأت معها التلفزيونات في الانتشار الواسع داخل البيوت، ليتم القضاء بشكل تدريجي على آلة "السكوبيتون"، بعد أن انتشرت الأغاني والفيديو كليبات على الشاشات التليفزيونية، وصار بإمكان العائلات داخل بيوتها مشاهدتها دون إدخال قطعة نقدية، لتصبح آلات "السكوبيون" عبارةً عن تحف فنية داخل الحانات والمقاهي والمطاعم، يتم من خلالها استرجاع الماضي بحميمية بالغة.

قناة فرنسية تكتشف كنوز الطرب العربي المنسية

أما الغريب في كل هذا، فهو أن الكثير من الفنانين العرب من الجيلين الأول والثاني، لم يحظوا بمشاهدة أعمالهم التي أنتجت وخُزنت في ذاكرة "السكوبيتون"، وقد جاء اكتشاف هذه الثروة الفنية الكبيرة سنة 1996، عن طريق فريق من قناة "كنال بلوس" الفرنسية، قام بإجراء بحث داخل أرشيف الشركة الفرنسية "دافيس بوير"، وعن طريق الصدفة وجدوا أربع علب كبيرة كُتب عليها "سكوبيتون عرب"، فعثروا على هذا الكنز المخبوء داخل علب مركونة داخل دهاليز "دافيس بوير" وأعادوا اكتشافه.

وبعد ثلاث سنوات من هذا الاكتشاف أي سنة 1999، عرضت القناة المذكورة في أحد برامجها بعض هذه الفيديو كليبات، وكان عنوان هذا البرنامج "كنوز السكوبيتون العربية والأمازيغية"، وقامت القناة بدعوة العديد من الفنانين من الجيلين، ممن لا يزالون على قيد الحياة، من بينهم عبد الوهاب الدكالي، والشاب مامي وخالد، وكمال حمادي، ورشيد طه، وصالح السعداوي. وحين تم عرض هذه الكنوز عليهم، كانت دهشتهم كبيرةً لا توصف، بحكم أن كثيرين منهم لم يروا هذه الأعمال منذ 25 سنةً تقريباً، والبقية يرونها لأول مرة. المهم أن الدهشة واقع تشارك فيه الجميع، بعد أن تم إحياء حب قديم وحكاية عشق وشجن لآلة أنسنها الفن، كان اسمها "سكوبيتون".


رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

WhatsApp Channel WhatsApp Channel

ماضينا كما يُقدَّم لنا ليس أحداثاً وَقَعَت في زمنٍ انقضى، بل هو مجموعة عناصر تجمّعت من أزمنة فائتة ولا تزال حيّةًً وتتحكم بحاضرنا وتعيقنا أحياناً عن التطلّع إلى مستقبل مختلف. نسعى باستمرار، كأكبر مؤسسة إعلامية مستقلة في المنطقة، إلى كسر حلقة هيمنة الأسلاف وتقديم تاريخنا وتراثنا بعين لا تخاف من نقد ما اختُلِق من روايات و"وقائع". لا تكونوا مجرد زوّار عاديين، وانزلوا عن الرصيف معنا، بل قودوا مسيرتنا/ رحلتنا في إحداث الفرق. ساعدونا. اكتبوا قصصكم. أخبرونا بالذي يفوتنا. غيّروا، ولا تتأقلموا.

Website by WhiteBeard