شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

قدّم/ ي دعمك!
الجدّات المؤرّخات... فك الرموز التاريخية في رسومات التطريز الفلسطيني

الجدّات المؤرّخات... فك الرموز التاريخية في رسومات التطريز الفلسطيني

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

حياة نحن والنساء

السبت 15 يوليو 202312:23 م

يقول المعلم البوذي البانشين لاما العاشر: " إذا اختفت لغة وملابس وحلي وعادات أمة في فترة قصيرة من الزمن، فإن تلك الأمة تختفي أو تتحول إلى أمة أخرى".

فكرة كالسابقة تدفعنا للتساؤل على الموروث الفلسطيني في اللباس الذي لم يختفِ رغم الشتات واللجوء، إذ يمكن للمتفحص في التاريخ أن يستدل بسهولة على الرسومات الكنعانية الموجودة في التطريز الفلسطيني والتي لم تتبدل كثيراً، ولعل الفضل يعود بذلك إلى توريث حرفة التطريز من يد ليد جيلاً بعد جيل كنوع من الحرص على الهوية أو المكانة الإجتماعية.
أما إدوارد سعيد فيقول في كتابه (بعد السماء الأخيرة): "الأشياء في فلسطين تمر بين الناس لربطهم بالماضي المشترك، وببعضهم البعض". لكن بالنسبة لمن تم نفيهم أو تهجيرهم فهذه "الأشياء" هي نقاط ربط فعالة بالمكان الذي قدموا منه، واستمرارية للذاكرة الثقافية المتمايزة عن غيرها، خاصة وإن كانت جزءاً من حياتهم اليومية كالطعام والممارسات الدينية واللباس. 

شواهد تاريخية 

يتساءل جان ماكدونالد في كتابه (الثوب الفلسطيني) الصادر عام 1951، عن التنوع الكبير في أنماط الثوب الفلسطيني، ويعزو السبب إلى أن هذه البلاد كانت دائماً مطمعاً للغزاة، فتعاقبت عليها الثقافات الرومانية واليونانية والتركية والمصرية والأوروبية، حيث تأثر الشعب الفلسطيني بطرق مباشرة وأخرى غير مباشرة بزي وثقافة الغازي.
فقد عُثر في "تليلات الغسول" شمال فلسطين على لوحات مرسومة بدقة تعود إلى حوالي 4500 سنة قبل الميلاد، تُظهر التطريز بالغرز المتقاطعة التي نعرفها اليوم على الثياب والأحذية. كما ظهر على تمثال آلهة الخصب في بئر السبع نقوش مشابهة، تعود إلى 4000 سنة قبل الميلاد.
وفي مصر وتحديداً في مقبرة "خنم حتبة الثاني" الذي تعود إلى 1900 عام قبل الميلاد عثر على جدارية عهد سنوسرت الثاني والتي تُظهر جماعة من الرجال والنساء الكنعانيين يرتدون ملابس مطرزة بنقوش هندسية، تتشابة إلى حد كبير مع مطرزات موجودة حالياً في الأثواب الفلسطينية.  كما وجدت رسومات في قبور مصرية في عصر الهكسوس 1700 قبل الميلاد، تظهر الكنعانين يرتدون ثياباً طويلة ومطرزة. أما على قبر طيبة من عهد تحتمس الرابع 1411-1420 قبل الميلاد، فعثر على نقش لمجموعة من الكنعانين بثياب مطرزة جاؤوا لدفع الجزية. 
عُثر في  شمال فلسطين على لوحات تعود إلى 4500 سنة قبل الميلاد، تُظهر التطريز بالغرز المتقاطعة التي نعرفها اليوم على الثياب والأحذية

كان الثوب الفلسطيني المطرز يلبس قديماً من قبل النساء والرجال، خاصة بعد تطور آليات التطريز مثل ظهور الإبر الحديدية والنحاسية مما ساهم في انتشار التطريز، إلى أن دخل الإسلام فلسطين فتخلى الرجل عن لبس المطرز.
كما كان الكنعانيون أول من استخرج اللون الأرجواني من صدف المريق، وهو حيوان بحري كان يوجد بكثرة على شواطئ المتوسط، إذ تقول الأسطورة أن الملكة هيلانة، لمحت بعد فترة من سيرها على شواطئ البحر أن فم كلبها الذي يرافقها أصبح أرجواني اللون، وأعجبها اللون، فطلبت من أي شاب يتقدم لخطبيتها أن يكون قادراً على إحضار ثوب بهذا اللون.
في حوالي العام 640 ميلادي، كانت فلسطين تحت حكم البيزنطيين، حيث ساهمت التعليمات الكنسية المسيحية في إدخال الخيط الذهبي الذي نراه اليوم، ولكن بالطريقة المتقاطعه الكنعانية. أما الإسلام فله أثر بسيط في إدخال التصاميم الهندسية الإسلامية كنمط تطريز على الأثواب الفلسطينية، مثل تطريزة الريشة التي وجدت في آثار أثرية تعود لتلك الفترة. 

الأثر العثماني على الثوب الفلسطيني 

عانى القطاع الزراعي والاقتصادي في الفترة العثمانية من التقشف وظهور التعديلات على قوانين الأراضي، التي سيطر من خلالها التجار والاقطاعيون على الفائض الزراعي، فتراجعت استقلالية أهل الريف المادية عن أهل المدينة، وزاد التمييز المادي بين الطبقات الاجتماعية. لكن رغم الفقر استطاعت بعض الزخارف والتصاميم التركية ان تكون ذات أثر، حيث تم دمج الخيط الفضي المُميز للتطريز التركي واليوناني في الثوب الفلسطيني في تلك الفترة.
أدى تقسيم البلاد خلال الفترة العثمانية إلى ولايات إلى وقوع الشمال الفلسطيني تحت تأثير ولاية دمشق، ووقوع الجنوب الفلسطيني تحت تأثير سيناء. فاكتسبت أزياء تلك المناطق بعض الخصائص من الولايات الأقرب. فاقترب ثوب الجليل إلى نموذج الثوب الجنوبي السوري، وثوب بئر السبع من ثوب سيناء.
كان التحول طفيفاً، إذ لم يكن هناك حاجة لتغييرات كبيرة على الثوب، حيث كان يعبر بنجاح عن الهوية الجمعية للقرية في تلك الفترة، لكن انعكست الحياة السياسية على مسميات وأنماط التطريز بشكل طفيف، فعلى سبيل المثال ظهر نمط "خيمة الباشا" في هذه الفترة، كما ظهر نمط "أشرطة الضابط" خلال الانتداب البريطاني لاحقاً. 
أدى تقسيم البلاد خلال الفترة العثمانية لولايات إلى تأثُر ثوب الجليل بنموذج الثوب الجنوبي السوري، وثوب بئر السبع بثوب سيناء

في نهاية القرن التاسع عشر ومع سقوط الدولة العثمانية ومجيء الانتداب البريطاني ونظراً للاهتمام الاقتصادي والتجاري المترافق مع بناء خطوط السكك الحديدية في المنطقة، نشط الدبلوماسيون والأوروبيون والمبشرون في فلسطين، ومعهم تم تقديم نمط حياة جديد.

التأثير الأوروبي 

ازدهرت الأسواق وفُتحت بعض الأديرة والمدارس، ومراكز للتدريب المهني والحرف والفنون، مثل مركز "فيستر" في المستعمرة الأمريكية خارج أسوار البلدة القديمة في القدس، والبعثات الألمانية في رام الله وبيت لحم، وتلك الروسية في الناصرة وبيت جالا، كما سنجد تأثيرات بلقانية واسكندنافية في ثوب تلك الفترة.
كما شجعت مدارس الراهبات النساء المحليات على تعلم غرز غربية جديدة عرفت باسم "غرز الراهبات" واستخدام أقمشة جديدة مثل الفرو. ودخلت كتيبات أنماط التطريز الأوروبية مثل الأزهار والورود والحيوانات والطيور، مترافقة مع استيراد خيوط الحرير الأوروبية وخاصة الفرنسية  DMC في الثلاثينيات.
أدى استيراد ماكينات الخياطة الأوروربية وافتتاح مصانع الخياطة المحلية إلى قفزة في الثوب الفلسطيني، كمركز النسيج الذي تم افتتاحه في المجدل في الثلاثينيات، والذي ضم حوالي 400 خياطة، وأيضاً مصانع مشابهة في الناصرة ورام الله ونابلس.
وكان لذلك تأثير على كثافة التطريز وثراءه بألوانه وتصاميمه مقارنة بضآلة التطريز في الفترة العثمانية المتقشفة، فأصبح بإمكان العروس أن تتحمل تكاليف تطريز ثمانية أثواب بدلاً من ثلاثة أو أربعة. وتم إستبدال الحجاب الشائع بما يسمى الحجاب الياباني أو الإسباني المستورد، كما في المناطق الساحلية المفتوحة على خطوط التجارة مثل بيت دجن بالقرب من يافا.
وتدريجياً تم افتتاح مصانع خاصة لنسج تلك الحجابات محلياً بدلاً من استيرادها، مثل مصنع هشمة في رام الله، والذي أدى إلى تقليل استخدام الحجاب التقليدي ذي الغرز المتقاطعة. 
ظهرت في العشرينات والثلاثينات طبقة ثرية من الطبقة الحضرية، اقتدت بالمحتل البريطاني في لباسه، وأما في الحياة الريفية حاولت العائلات القروية الثرية محاكاة ذلك الترف من حيث نوعية الأقمشة وكثافة التطريز، وعدد الأثواب في صندوق الزواج.
تورطت المرأة الريفية بضرورة المنافسة لمواكبة الموضة، فكن يتفاخرن بمدى انشغالهن بها. ورغم ذلك لم يحل الثراء الفردي الريفي محل التعبير عن الهوية الجماعية، فاستمرت القرويات بالافتخار بأثوابهن المطرزة. 

ثورة 1936 وكيف أرّخها التطريز 

بعد إدراك المخطط البريطاني من قبل بعض قيادات الأحزاب الفلسطينية، قامت ثورة 1936، والتي عبرت عن رفضها التام لقيام أي دولة أخرى داخل دولتها، وتصاعدت الاضطرابات، ففي يافا والقدس، والتي كانت قد تحولت بشكل شبه تام للباس الأوروبي، عادت النساء اللواتي كن يرتدين القبعات الأوروبية إلى الحجاب أو الطرحة الفلسطينية، كما عاد الرجال من القبعة الأوروبية أو الطربوش التركي إلى الكوفية والعقال. كخطوة لتضامن الشعب مع قادته، وإلتزامه التام بهويته الفلسطينية 

نكبة 1948 

مع نكبة 1948 اهتزت الثقافة والتقاليد الفلسطينية من جذورها، حيث تحول نصف السكان الفلسطينين إلى لاجئين مع إنشاء دولة إسرائيل، وسقطت الأراضي التي لم تدمج في الدولة الجديدة تحت الحكم الأجنبي، وذهبت الضفة الغربية تحت حكم الأردن، وغزة تحت الإدراة المصرية. لم يعد هناك أي وقت أو مال لإنتاج الثوب التقليدي، كما أصبحت الاكسسوارات الزخرفية مثل الحجاب المطرز أو تيجان العملات من الماضي، وضاع التمييز بين الأثواب اليومية والاحتفالية. 

مع الانتداب، فُتحت الأديرة والمدارس ومراكز للتدريب المهني والحرف كمركز "فيستر" في المستعمرة الأمريكية خارج أسوار البلدة القديمة في القدس، وشجعت مدارس الراهبات النساء المحليات على تعلم غرز غربيّة عرفت باسم "غرز الراهبات"

وبحلول حرب 1967 التي أسقطت فلسطين بأكملها تحت الاحتلال، غادر الآلاف من الفلسطينين منازلهم مجبرين إلى مخيمات اللجوء حيث الفقر وسوء التغذية، وقامت العديد من النساء ببيع أزيائهن وقطعهن الثمينة لتوفير الطعام لعوائلهن.
أصبحت الطبقة القروية التي تشكل ثلاثة أرباع المجتمع الفلسطيني هي العنصر الأساس في النضال والثورة الفلسطينية، واستخدمت كل المفردات والرموز في الشتات والداخل المحتل كالأرض والزيتون والبرتقال والتنور والزعتر في الفنون والأدب الفلسطيني جنباً إلى جنب مع ثوب المرأة الفلسطينية القروية وكأنها حامية الهوية وحاملة الأصالة والثقافة.

اللجوء والانتفاضة الأولى 

كان للجوء أثر كبير في إنتاج طابع جديد، فقد كانت النسوة داخل المخيم الواحد يستعرن أثواب بعضهن البعض لنسخ المطرزات على الثوب الجديد. انتجت هذه الحالة خيارات قليلة ومتشابهة إلى حد كبير، ولكنها في نفس الوقت نوّعت المطرزات من أماكن جغرافية متعددة داخل فلسطين في الثوب الواحد، في اندماج يحمل طابع اللجوء، أكثر من طابع قرية بذاتها.
لكن نقلة كبيرة حدثت في الثوب خلال فترة الانتفاضة الأولى 1987، حيث بدأت المرأة بالتحرك خارج دورها التقليدي، معبرة وعيها السياسي، ومحولة ثوبها التقليدي إلى بيان واضح للهوية الفلسطينية، فصنعت الفلسطينيات ما يسمى "ثوب العلم" وبدأن بارتدائه وهو يحمل شعارات كانت ممنوعة من التداول مثل العلم الفلسطيني، وعبارات مثل "القدس لنا" "سنعود يوماً" و"فلسطين" بالعربية والإنكليزية، وغيرها. 

في الانتفاضة الأولى ظهر "ثوب العلم" الذي يحمل عبارات "القدس لنا" و"سنعود يوماً" و"فلسطين" والعلم 

فخلال الثمانينينات افتتحت العديد من مراكز التدريب الحرفية للنساء في مختلف مخيمات اللاجئين، كوسيلة لزيادة الدخل، أدى ذلك لظهور نمط الـ"شاول" لأول مرة، المطرز مسبقاً وغير المقصوص، حيث يتم تجميعه من قبل المشتريات، وهو مصنوع من قماش الكتان، ويباع مع شال مطرز بنفس الطريقة. 

محاولات الأسرلة 

لا يمكن هنا تجاوز كيف تعرض الثوب الفلسطيني لعمليات انتحال وتهويد وطمس بشكل مباشر وغير مباشر، سواء بتهويده وسرقته أو بإقحام زخارف جديدة دون هوية، وخارجة عن إرادة نسائه الأصليات.
حاول المستعمر دائماً تعزيز قوانين لباسه كجزء من السياسة الثقافية، لكن منذ النكبة حتى اليوم اتخذت الفئات المظلومة والمستضعفة من الشعب الفلسطيني أنماط لباس ارتبطت ارتباطاً وثيقاً بهويتها، كشكل من أشكال المقاومة.
فمن الفريد أن تستخدم الأثواب النسائية بدلاً من الرجالية للمطالبة باستعادة الهوية وتعزيز الانتماء للمناطق والقرى المحددة داخل فلسطين، ذاك أن الاختلافات بين المناطق الجغرافية كان أكثر وضوحاً في أثواب النساء. وكأنها هي جنسية مناطقها وليس العكس.  
ما لم يفهمه الاحتلال هو أن التطريز لغة نسائية تتوارثها الفلسطينيات منذ آلاف السنين، قطبة فقطبة كحرف مع حرف تصنع الكلمات فوق القماش، ليكتبن التاريخ الذي لن يضيع بأجمل لغة ممكنة فوق أثوابهن. 

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

منبر الشجعان والشجاعات

تكثُر التابوهات التي حُيِّدت جانباً في عالمنا العربي، ومُنعنا طويلاً من تناولها. هذا الواقع هو الذي جعل أصوات كثرٍ منّا، تتهاوى على حافّة اليأس.

هنا تأتي مهمّة رصيف22، التّي نحملها في قلوبنا ونأخذها على عاتقنا، وهي التشكيك في المفاهيم المتهالكة، وإبراز التناقضات التي تكمن في صلبها، ومشاركة تجارب الشجعان والشجاعات، وتخبّطاتهم/ نّ، ورحلة سعيهم/ نّ إلى تغيير النمط السائد والفاسد أحياناً.

علّنا نجعل الملايين يرون عوالمهم/ نّ ونضالاتهم/ نّ وحيواتهم/ نّ، تنبض في صميم أعمالنا، ويشعرون بأنّنا منبرٌ لصوتهم/ نّ المسموع، برغم أنف الذين يحاولون قمعه.

Website by WhiteBeard