شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

قدّم/ ي دعمك!

"بيت الروبي"… معالجة قديمة لقضايا جديدة

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

ثقافة

الثلاثاء 4 يوليو 202310:59 ص

هل تذكر عدد المرات التي شاهدت فيها أعمالاً فنية -مكتوبة أو مصورة- تحذّرك من خطورة الحياة في عالم ما بعد اكتشاف مواقع التوصل الإجتماعي؟ هل سألت نفسك عن الامتيازات التي حصلت عليها من خلال هذه المواقع جنباً إلى المساوىء التي حدثت؟ باتت هذه المواقع في نظر كثيرين هي "الشيطان الأعظم" لعالمنا المعاصر، إلا أنها باتت كذلك أكثر ما يميّزه، وغالباً ما يحمل الخطاب الذي يتناولها مآسي تقع على عاتق المهووسين بها، بينما في المقابل يبدو الإنسان البعيد عن هذا "البعبع" أكثر هدوءاً ورحابة وتناغماً مع الحياة.

هذه الأفكار تشكل الحبكة الرئيسية لفيلم "بيت الروبي" الذي يواصل تحقيق إيرادات لافتة في صالات السينما في مصر والسعودية ويتربع على عرش أفلام موسم عيد الأضحى في البلدين.


تلك المشاعر السيئة تجاه مواقع التواصل، تقفز على تساؤل أولي يخص مدى دقة هذه النتيجة التي تدينها، خاصة على مستوى الخطابات المتجاوزة للأفراد إلى المؤسسات والحيوات الإجتماعية والسياسية التي باتت أكثر تفكيكاً ووضوحاً بسبب مشاعية المعلومات التي أتاحتها هذه المواقع. إلا أن الخطاب الذي تواصل الإنتاجات الدرامية والعربية تبنيه لا يعكس سوى الرعب الشائع تجاه تلك المواقع التي "تخرب العقول والبيوت" عبر طرح جانبها الأكثر ظلامية وتوحّشاً على الإطلاق، باعتباره يمثلها كتجربة كلية السلبية، لا تحمل أي استثناء.

تلك الأفكار والمشاعر السلبية تجاه وسائل التواصل الاجتماعي، تقفز على تساؤل أولي حول مدى دقة إدانتها، خاصة مع ما حملته السوشال ميديا من إتاحة وشيوع للمعلومات بين الأفراد، وكشف كثير من الأمور المسكوت عنها التي لم تكن لتُعرف لولا ما أتاحته تلك الوسائل من تشاركية

تغوّل مواقع التواصل الإجتماعي على اختلافها في حياة الجميع، ربما يبدو خطاباً سلطوياً مهووساً ضد المكاسب التي حققتها هذه المواقع للمعرفة العامة، وما أسهمت في كشفه، ما جعلها هدفاً لعديد من الأعمال الدرامية والسينمائية التي تناولتها بالتركيز على ذلك الجانب السلبي منها، وأحدثها فيلم "بيت الروبي" للمخرج بيتر ميمي، وتأليف محمد الدباح وريم القماش، ومن بطولة الكريمان (كريم عبد العزيز وكريم محمود عبد العزيز).

فيلم بيت الروبي يفتح ملف تأثير مواقع التواصل في إطار إجتماعي بسيط خفيف الظل، وربما من خلاله يمكن أن نفكك تلك النظرة التي تبدو صادقة أحياناً وأحياناً كثيرة أحادية مجحفة، على الأٌقل في حق مواقع التواصل التي تتوقف على مستخدمها.

بيت الروبي... حيرة كل بيت

تُظهر التسمية التي اختارها صنّاع الفيلم توفيقاً شديداً في الاختيار في مقابل الفكرة التي يتناولها؛ امتياز يتحقق من خلاله التساؤل الأوّلي الذي يخص التداخل بين مواقع التواصل التي تمثل الكيان الغريب البعيد الغامض كمؤسس للحبكة السينمائية؛ في مواجهة "بيت" مستقر هاديء يبدو أنه لا ينقصه شيء، لتبدأ المعركة؛ يقف بيت الروبي هنا والآن ككل بيت آخر في مواجهة إلزامية مع هذا الغريب ليحدّد موقفه منّه.

يبدأ الفيلم من قطعات مونتاجية خفيفة على أسرة إبراهيم الروبي، الأخ الأكبر في العائلة، المتزوج طبيبة تقاعدت عن عملها عن دون رغبة منها لأسباب كان لها علاقة مباشرة بمواقع التواصل الاجتماعي، مع ولد وبنت، يسكنان منزلاً رائعاً على البحر مباشرة. كل شيء مستقر وهاديء وسعيد بدرجة مقلقة، حتى حين.

الإيقاع الذي خلقه سيناريو محمد الدباح وريم القماش، الثنائي الذي يبدو أن بينهما توافقاً يزداد مع كل عمل، كان أكثر عناصر العمل اكتمالاً؛ خفيف ومسلٍ ومتدرج بالدرجة التي لا تجعلك تقفز لتلاحق الأحداث أو تمل وتنظر في ساعتك، ساعده اختيار موفق لطاقم العمل وتحديداً نجمهم كريم محمود عبد العزيز، الأخ الأصغر في العائلة الذي يثبت ذاته مرة بعد أخرى في مشروع تلك الأفلام العائلية الخفيفة التي يستقبلها الأطفال والكبار بسعة صدر.

فيلم بيت الروبي يفتح ملف تأثير مواقع التواصل في إطار إجتماعي بسيط خفيف الظل، وربما من خلاله يمكن أن نفكك تلك النظرة التي تبدو صادقة أحياناً وأحياناً كثيرة أحادية مجحفة، على الأٌقل في حق مواقع التواصل التي تتوقف على مستخدمها

لا تقف الأسرة في حالة هدوء كثيراً كما يُتوقع، فقط عندما يدخل الأخ الأصغر الذي عاد من الخارج يود أن يفتتح مشروعه الخاص في مصر، يطلب من الأخ الأكبر إبراهيم أن يرافقه في رحلة إلى مدينة القاهرة التي توقف الرجل عن النزول إليها هو وأسرته منذ سبع سنوات لأِسباب تظهر مع حبكة الفيلم، فقط لتخليص إجراءات روتينية حتى يتمكن من فتح الكوافير.

تحتاج الأسرة البعيدة التي تشاهد النجوم في الصحراء كل ليلة في أوقات فراغها أن تعود للقاهرة مرة أخرى في حالة الأبوين وأولى على الإطلاق لطفليهما، لتحتكم إلى تركيبة العاصمة التي تستلزم الزحام والمناكفة والتشابك أو تخطي الملل بأشياء أبسطها التليفون والتواجد على مواقع التواصل الاجتماعي.

بالتزامن مع الفيلم المصري يستقبل المهتمون بالسينما والتلفزيون في العالم جزءاً جديداً من المسلسل الناجح "مرآة سوداء" Black mirror الذي حصد على مشاهدات مليونية منذ موسمه الأول في جميع أنحاء العالم، كانت فكرته الأثيرة منذ بدأ هو انقلاب التكنولوجيا - بما فيها وسائل التواصل الاجتماعي- على الإنسان، لتكون عوناً على إظهار اسوأ ما في النفس البشرية من خلال سيطرتها على العقول، وإبعاد الأحباب، وتضييق المسافات وتضليل العدالة. وفقاً لـ"بلاك ميرور"، أوجدت وسائل التواصل الاجتماعي الشيطان بيننا في كل خطوة.

مع مرور الوقت بات خطاب الرعب من السوشال ميديا خطاباً مستهلكاً شعبوياً أكثر من كونه يحمل رصانة

مع مرور الوقت بات خطاب الرعب من السوشال ميديا خطاباً مستهلكاً شعبوياً أكثر من كونه يحمل رصانة. ينتصر المسلسل البريطاني الأشهر لتحقير مواقع التواصل المضللة، فالحبكات التي اختارها المسلسل كانت تهويماً جيداً للتغطية على تساؤلات جادة تخص تلك المواقع وبنيتها في ذاتها، وليس تفاعل الإنسان المعاصر معها ومحاولته استغلال امتيازاتها لأقصى درجة، أو حتى تركها في سلام بدلاً من احتقارها والتخويف من الاقتراب منها.

في "بيت الروبي" يقف ماضي الأخ الكبير على المحك، كل اختبار تصوّر هو أنه أجاب أسئلته وحسمها بالفعل؛ يعود للطرح ويتبادر إلى أذهان الجميع مع نزول العائلة المنعزلة إلى "القاهرة" القاهرة، ومع مقابلة زوجة الأخ الأصغر "البلوغر (بلوجر)" تتحوّل الحياة الهادئة البعيدة عن مواقع التواصل إلى مشاع يعاد استهلاكه ويستعيد ماضي الأخ الأكبر الذي سعى لاستبعاده لسنوات.

رحلة الفيلم تصبح مساحة تأملية في جدوى البعد أو الهروب الذي قرره الأخ بسبب أشياء حدثت كان سببها مواقع التواصل الاجتماعي. الرهاب الذي تسببت فيه هذه المواقع أو الجانب المظلم منها؛ هل كان يحتاج المواجهة أو الاحتقار والتخفّي؟ هل تقتل السوشيال ميديا المشاعر والحياة الحقيقية أم يتوقف ذلك على استخدامها فقط؟ يبدو أن الفيلم يُجيب في سؤاله الخاص بعائلة الروبي.

رعب أكثر مما يجب؟

قبل وقت قصير نشر موقع هافينغتون بوست بيانات استقصائية - توصل إليها عبر استطلاعاته الخاصة- حول الأشياء التي نفتقدها جميعاً عن الحب في التسعينيات، من خلال تساؤل الكاتب الذي انطلق من خلاله: هل دمرت التكنولوجيا الرومانسية؟

كان الجواب الأكثر انتشاراً وتأييداً أن فترة التسعينيات كانت الفترة الأخيرة التي كان فيها علاقات عاطفية "حقيقية" بين البشر، كان السبب في فشل العلاقات فيما بعد وفقاً للتقرير هو "وجود مواقع التواصل الإجتماعي" في ذاته، وربما من ذلك يبدو التساؤل حول جدوى وجودها ومساحة تأثيرها، تساؤلين إلزاميين للتفاعل والنقاش على دائرة أكثر اتساعاً.

ربما يبدو هذا التحقيق ملاذاً كاشفاً للمحاولات الأدبية والسينمائية المستمرة لشيطنة مواقع التواصل الإجتماعي، باللجوء إلى المساحة الشعورية الفردية التي تخص الأفراد في مقارنة الحياة الشخصية ما قبل مواقع التواصل وما بعدها، وفي هذا السياق دون غيره، بالتركيز فقط على النماذج الأكثر مشاعية ورداءة، في العلاقات التي تسببت فيها أو العلاقات التي قطعت وصالها، أو الجرائم التي بدأت من خلالها، أو المشاعية التي قطعت أوصال العائلة بسببها، فجعلت من الآلة وفق كل هذه المساحات أكثر طغياناً وتحكماً من البشري الذي يفترض أنه يتحكّم فيها، حتى لو حاول الإنسان منع نفسه عن الوقوع في بئر سيطرتها عليه.

حتى أنه وفقاً لتحقيق استقصائي نشرته وكالة أسوشيتد برس، فإن محرك البحث غوغل يتعقب كل حركتك وحياتك ويخزّن معلوماتك الشخصية حتى لو كنت تحاول إبعادها عن المساحة العامة الجماهيرية كما يفعل مشاهير الإنترنت، سيتبعك جوجل من خلال تطبيقات الطقس والخرائط، وسجلات بحثك السابقة، ومن ذلك يخلص التحقيق إلى مساحات سوداء أكثر يقع فيها الإنسان المعاصر بمجرد وجوده على الإنترنت ومواقع التواصل الإجتماعي عموماً.

تتكفل الخوارزميات بتثبيت أنماط المعرفة، بمعنى أنه إذا كانت المعلومات التي تُعرض إليّ تُشيطن وسائل التواصل الاجتماعي، سيظل هذا هو النمط الذي يظهر مرة بعد الأخرى مهما كان خطؤه، وربما هذا عينه ما يحدث مع الأعمال الفنية غير المحدودة التي باتت تخبرنا بخطورة مواقع التواصل

وفقا لمقال كتبه كريستوفر ميمز في صحيفة وول ستريت جورنال، وترجمت نشرة إنتربرايز الاقتصادية العربية مقتطفات منه، قال الكاتب إن "التحيزات التي كانت ذات يوم مفيدة لأجدادنا الأوائل، مثل الرغبة الشديدة في الحلويات، أصبحت ضارة في عالمنا المعاصر"، وأن "في العصر الرقمي المعاصر، يُغذِّي توافر المعلومات والخوارزميات التي تُبنى عليها وسائل التواصل الاجتماعي؛ عملية إظهار المعلومات التي سبق أن تعرضنا إليها مهما كانت أيدلوجيتها".

أي أنه إذا كانت المعلومات التي تُعرض إليّ تقبح وسائل التواصل على سبيل المثال، ستظل تظهر هذه المعلومات مرة بعد الأخرى مهما كان خطؤها، وربما هذا عينه ما يحدث مع الأعمال الفنية غير المحدودة التي باتت تخبرنا بخطورة مواقع التواصل، متجاهلة الامتيازات غير المحدودة التي حصل عليها الإنسان المعاصر سياسياً وإجتماعياً وثقافياً من خلال تلك الوسائل وبفضلها، ربما أبسط تلك الفوائد وأكثرها مباشرة هو المساحة التي يُكتب من خلالها هذه المقال، والتي لولا رحابة استقبالها على مواقع التواصل لم تكن لتخرج في بيئة ثقافية محدودة مؤدلجة لم تكن تسمح بالعديد من الأفكار التي أتاحتها مواقع التواصل الاجتماعي.

من هنا، ربما علينا أن نعيد النظر في أبعاد تلك الخطابات الأيدلوجية، التي إن كانت تحمل بعض الوجاهة والأحقية أحياناً في طرحها للأضرار التي تسببت فيها مواقع التواصل الاجتماعي؛ إلا أنها لا ينبغي أن تعوقنا عن تجاوز الرؤية الضيقة التي تنظر من نافذة المشكلات الفردية؛ إلى مساحات أكثر رحابة نعترف من خلالها بما لم يكن من الممكن أن ندركه من انفتاح لولا تلك المواقع.

تبدو أصالة التساؤل الفلسفي الذي يخص استخدام مواقع التواصل وغيرها في فردية التعامل معه، من دون شيطنة أو تنزيه، هي ما يحاول هذا المقال تفكيكه وإعادة النظر إليه من خلال التذكير بالمساحات التي يفقدها الأفراد بسبب التخويف من مواقع التواصل الإجتماعي التي كانت وسيلة المعرفة الأكبر في السنوات الأخيرة، سياسياً وإجتماعياً وثقافياً، حتى لو كانت تحمل بعض العيوب التي يبدو من الصعب اختصار قيمتها في تلك المساوئ فقط دون غيرها، ونتساءل من خلال "بيت الروبي": بدلاً من رهاب مواقع التواصل المبدأي، هل نسأل نفسنا كيف نستفيد منها بشكل مثالي وأقل قدر من الحماقة قبل أن نتركها للأبد؟

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

Website by WhiteBeard