شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

قدّم/ ي دعمك!
زار إيران ليزرع الشَّعرَ فيها فخرج برصاصة في جسمه... السياحة العلاجية في طهران

زار إيران ليزرع الشَّعرَ فيها فخرج برصاصة في جسمه... السياحة العلاجية في طهران

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

لا تشجع صور احتجاجات المجتمع الإيراني والأحداث ما بعد هذه الاحتجاجات على وسائل الإعلام العالمية السياحَ على السفر إلى هذا البلد، لكن ثمة من يعدّ الدقائق ليتوجه إلى طهران. فإيران وجهة لعلاج مرضى الدول المجاورة، بدءاً من أفغانستان في الشرق، إلى العراق في الغرب، وصولاً إلى جمهورية أذربیجان في شمال غرب إيران.

التقينا بحامد، وهو رجل أربعيني يقطن في العاصمة طهران، وهو الأكثر معرفةً بالوافدين العراقيين للعلاج، فشرح لنا كيفية عمله: "أتلقى اتصالات هاتفيةً من المرضى في البداية، وحينها أستلم تحاليلهم وتقاريرهم الطبية وأحوّلها إلى الأطباء الأخصائيين حتى نتمكن من إيجاد أفضل طريقة علاج ،وبأقل التكاليف الممكنة. يجب أن أخطط لكل شيء: توفير المبيت، وحجز موعد لدى عيادة الطبيب، أو حجز سرير في المستشفى لإجراء عملية جراحية، وصولاً إلى الاهتمام بفترة التعافي".

يضطر حامد أحياناً إلى إرسال سيارة إسعاف مجهزة إلى المنافذ الحدودية، كي يجلب المريض إلى العاصمة طهران، فهو ليس مترجماً للعراقيين فحسب، إنما رفيقهم في جميع المراحل من العلاج إلى النزهة، ويتقاضى أجراً على كل ساعة يقضيها معهم.

إيران وجهة لعلاج مرضى الدول المجاورة، بدءاً من أفغانستان في الشرق، إلى العراق في الغرب، وصولاً إلى جمهورية أذربیجان في شمال غرب إيران

"تؤلمني كثيراً مشاهدة الأطفال المرضى الذين يأتون للعلاج، لكن عملي يستوجب مساندتهم، فمهنتي تحتاج إلى الكثير من الجرأة والصبر"؛ هكذا وصف دليل المرضى الإيراني، الذي يتراوح عمر زبائنه المرضى بين 13 يوماً إلى 80 سنةً.

حكايات مع المرضى الأجانب

حكايات حامد مع المرضى الأجانب في طهران لا تنتهي، ومعظمها تبقى عالقةً في مخيلته، من بينها استقباله لفتاة احترق جسمها بنسبة 60% برفقة أسرتها: "كانت تخرج منها رائحة كريهة عندما استقبلتها في المطار، لكنني لم أبرز أي اشمئزاز من حالتها".

يستوجب عمله المكوث لأيام في المستشفى دون العودة إلى البيت، ولكنه يبدي فرحه إذا ما تعافى زبائنه: "ذات مرة كنت بمعية امرأة تقول إنها لا تحمل، وجاءت لتلقّي العلاج من أجل الإنجاب، وبعد إجراء التحاليل كانت النتيجة أنها حامل، وسرعان ما تحولت رحلة العلاج إلى رحلة سياحية".

وإلى جانب العلاج، ثمة من يأتي لإجراء عمليات التجميل كزراعة الشعر، وتجميل الأنف، وتجديد الشباب، وشد الجلد، وشفط الدهون، وعمليات تجميلية أخرى. كل هذا من أجل الجودة العالية والأسعار المناسبة التي تتم بها هذه العمليات في إيران، حيث العملة المحلية تتراجع يوماً بعد يوم أمام الدولار وأمام عملات البلدان المجاورة.

وبينما يفضّل الأثرياء العلاج في أوروبا، يختار أعضاء الطبقة المتوسطة العلاج في إيران أو باقي دول المنطقة كتركيا، وترحّب طهران بالوافدين للعلاج أو التجميل، وتخصص مشافيها الحكومية أقساماً للمرضى الأجانب وتهتم بهم، أما العيادات والمستشفيات والمستوصفات والمراكز الصحية والتجميلية للقطاع الخاص، فلديها اهتمام أكبر باستقبال الأجانب.

وكان قد استقبل حامد نائباً في البرلمان العراقي لتلقّي العلاج، فالأطباء الإيرانيون لهم سمعتهم الطيبة عالمياً، وتحتضن أمريكا 36 ألف إيراني ضمن كوادرها الطبية.

وذكر موقع "اقتصاد أونلاين" أن مرشدي المرضى الأجانب والمترجمين في هذا الحقل، يستلمون نحو 15 إلى 20% من تكلفة العلاج، أما موظفو العيادات فصرحوا للموقع الإيراني بأن هؤلاء يتلقون نحو 40%، وأحياناً 50% من تكلفة العملية الجراحية.

فوضى الأسعار

لم تقُم الحكومة بتنظيم عمل هذه المهنة، وتالياً لا توجد لديها إحصاءات كافية وأرقام دقيقة لتشرح ما يجري في هذه السوق، فثمة مرضى أجانب يعانون من احتيال من يسمونهم بـ"المترجمين" الذين تحولوا إلى سماسرة يجنون أرباحاً من كلا الطرفين. وأكد حامد: "بعض المرشدين والمترجمين يجنون أرباحاً حتى أكثر من الأطباء أنفسهم".

لا تنتهي الفوضى هنا، بل امتدت إلى أسعار الأطباء والمراكز أيضاً، وهذا ما يقلل من ثقة المرضى الأجانب، الذين تكلفهم الفوضى مبالغ باهظةً كان يمكن ألا يدفعوها.

ثمة مرضى أجانب يعانون من احتيال من يسمونهم بـ"المترجمين" الذين تحولوا إلى سماسرة يجنون أرباحاً من كلا الطرفين.

برغم وجود العديد من القواسم المشتركة بين البلدين، لكن حامد شرح استياء بعض المرضى العراقيين مما يرونه: "دائماً يشتكي بعضهم بسبب عدم بث صوت الأذان عالياً عبر مكبرات الصوت من المساجد في العاصمة طهران، فهم أكثر التزاماً منا بأوقات الصلاة، لذا أسعى دائماً إلى أن أجد لهم مكاناً لأداء الصلاة".

وأكمل: "بالنسبة للسياحة، يفضّل العراقيون مشاهدة المعالم التاريخية، لذا نخرج في جولات سياحية نزور فيها القصور التاريخية الشهيرة، مثل قصر نياوَران (Niavaran)، وقصر سعد آباد (saadabad)، وعندما يرونها يستغربون كيف أنها بقيت على حالها بينما ترتبط بالحكم الملكي السابق، عكس المشهد في العراق حيث دمّر الحكم القائم بعد 2003، قصور صدام حسين".

وعن الاحتجاجات الأخيرة التي شهدتها البلاد جرّاء حركة "المرأة، الحياة، الحرية"، في الأشهر المنتهية من عام 2022 وبداية العام الجاري، روى لنا حامد حكايات غريبة حدثت له ولمرضاه في شوارع العاصمة طهران: "في بداية الاحتجاجات التي شهدتها البلاد، كنت برفقة أحد السياح في 'بازار' طهران. كان السائح منهمكاً بشراء بعض الحاجيات، ففوجئنا وقتها بمهاجمة الشرطة للمتظاهرين الذين كانوا بالقرب منا، حتى أصيب السائح بمقذوفة خردق. ثم شكر الله على أن المقذوفة لم تصِب رأسه، إذ كان قد زرع شَعراً للتو، وإن حصل ذلك فكانت ستضيع كل تكاليفه".

لحظات مأساوية عاشها هذا العراقي الذي جاء للعلاج إلى طهران، إلا أنه عاد بهدية إلى بلاده، يمكن أن تكون دافعاً للكثير من أبناء بلده لعدم التوافد إلى إيران "غير الآمنة".

ما زالت مشهد والأهواز وطهران، تستقبل المرضى العراقيين. أما مدينة شيراز فقد اعتادت على استقبال المرضى من سلطنة عمان 

وبرغم ذلك ما زالت مشهد والأهواز وطهران، تستقبل المرضى العراقيين لعدم وجود قطاع صحي جيد بما يكفي في بلادهم. أما مدينة شيراز، فقد اعتادت على استقبال المرضى من سلطنة عمان، حيث يعيش الكثير من سكان مدينة "لار" التابعة لشيراز، في مسقط.

أما عن الخليجيين من البحرين والكويت والسعودية، فيفضّل الشيعة منهم تلقّي العلاج في مدينة مشهد الدينية أو في العاصمة طهران. وفي شمال غرب البلاد، تحتضن مستشفيات المحافظات الأذرية الإيرانية وعياداتها، مرضى جمهورية أذربيجان، بيد أن توتر العلاقات السياسية بين البلدين وحظر السفر إلى طهران من قبل حكومة باكو، خفضا وتيرة الرحلات العلاجية.

مليون ومئتا ألف مريض أجنبي

أعلن وزير الصحة والتعليم الطبي الإيراني بهرام عين اللهي، عن علاج مليون ومئتي ألف مريض أجنبي خلال عام 2022: "معظم هؤلاء كانوا من أفغانستان والعراق وأذربيجان وباكستان وتركيا والهند وأرمينيا وتركمانستان ولبنان وطاجيكستان".

كما صرح الوزير بأن جامعات العلوم الطبية الإيرانية قامت خلال السنوات الأخيرة بتخريج 7 آلاف طالب أجنبي، وما زال عشرات الطلاب يدرسون الطب بتخصصاته المختلفة في شتى المدن الإيرانية.

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

ألم يحن الوقت لتأديب الخدائع الكبرى؟

لا مكان للكلل أو الملل في رصيف22، إذ لا نتوانى البتّة في إسقاط القناع عن الأقاويل التّي يروّج لها أهل السّلطة وأنصارهم. معاً، يمكننا دحض الأكاذيب من دون خشية وخلق مجتمعٍ يتطلّع إلى الشفافيّة والوضوح كركيزةٍ لمبادئه وأفكاره. 

Website by WhiteBeard