شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

اشترك/ ي وشارك/ ي!
اتُّهمت بالبهائية والفسق، فأعدمها الثوار... فرُّخ رو بارسا، أول وزيرة إيرانية

اتُّهمت بالبهائية والفسق، فأعدمها الثوار... فرُّخ رو بارسا، أول وزيرة إيرانية

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

ثقافة

الأربعاء 31 مايو 202311:06 ص

برغم مرور 43 عاماً على النهاية المأساوية لحياة أول وزيرة في تاريخ إيران، إلا أنها ما زالت حاضرةً في المجتمع، خاصةً بين الناشطات النسويات، لما قدّمته طوال حياتها المهنية دفاعاً عن حقوق المرأة والأطفال، ولما فعله بها الثوار حينما وثقت بهم وعادت إلى وطنها بعد انتصار ثورة 1979.

ولدت فَرُّخ رُو بارسا (Farrokhroo Parsa)، في عام 1922. أمها فخر آفاق، ناشطة في حقوق المرأة ومديرة مجلة "جهان زنان"، (في الفارسية: عالم النساء)، ووالدها فَرُّخ زين، موظف حكومي ومدير مجلات اقتصادية.

نالت فرّخ رو شهادة البكالوريوس في العلوم الطبيعية، وبدأت عملها كمعلمة في المدارس الثانوية في العاصمة طهران، ثم أكملت دراستها في علم الطب وتخصصت في طب الأطفال. وبين فتحها عيادةً كطبيبة، والتدريس كمعلمة، اختارت المهنة الثانية طوعاً وحباً بالمدرسة وطلابها، حتى أصبحت بعد سنوات مديرة ثانوية الإناث.

تم اختيارها كرئيسة أمانة الجامعة الوطنية الإيرانية، وبعد ذلك حصلت على مقعد برلماني برفقة 5 نساء أخريات، ليدخلن التاريخ كأولى إيرانيات أصبحن نائبات في المجلس من قبل حزب "إيران نُوِين" 

وإلى جانب نشاطها التعليمي، لم تنسَ المطالبة بحقوق المرأة، سائرةً على خطى والدتها، فدشنت برعاية زميلاتها "جمعية المعلمات"، وقالت عن فعالياتها آنذاك: "عندما كنت أتفرغ من إدارة المدرسة، كنت أذهب إلى السجون، كي أدرّس السجينات".

أول نائبة برلمانية في تاريخ البلاد

تم اختيار فرّخ رو كرئيسة أمانة الجامعة الوطنية الإيرانية، وبعد ذلك حصلت على مقعد برلماني برفقة 5 نساء أخريات، ليدخلن التاريخ كأولى إيرانيات أصبحن نائبات في المجلس من قبل حزب "إيران نُوِين" (Iran Novin Party)، أحد الأحزاب المتنفذة آنذاك.

هناك أيضاً قامت بارسا بإنشاء مجموعة نسائية أخرى بعنوان "جمعية الأكاديميات"، وتابعت نشاطها السياسي والقانوني تحت قبة البرلمان لصالح حقوق النساء، وبعدها اختيرت لمنصب معاونية وزارة التربية والتعليم، ثم صوّت البرلمان لتكون وزيرة التربية والتعليم، وبذلك أصبحت أول وزيرة في تاريخ البلاد، سنة 1968.

نقلت الوزيرة فَرُّخ رُو، عن رئيس الوزراء أمير عباس هويدا، أنه قال لها عندما اختارها لهذا المنصب: "أريد أن أعطي مسؤوليةً كبيرةً لإحدى الأمهات. أريد أن أترك تعليم أطفال الوطن لإحدى الأمهات. وأريد من وزيرة التربية والتعليم أن تعدّ أبناء الشعب أبناءها".

حقوق المرأة والطفل أولاً

هنا أيضاً استمرت في الدفاع عن حقوق المرأة ورفع مستوى المطالبة من الحكومة، إذ ساندت وسهّلت وساهمت مع آخرين في تشكيل المجلس الأعلى للتنسيق بين النقابات النسائية، ومؤسسة النساء الوطنية، وبيت المرأة، والمجلس الرياضي النسائي.

وطبّقت الوزيرة قانوناً يسمح للنساء بأن يشاركن في عملية التعليم والصحة في عموم البلاد، بحيث يمكن بعثهن إلى مناطق مختلفة، خاصةً النائية منها، لتقديم خدمات حكومية بالمجان للنساء والأطفال، وهذا ما يساهم في رفع وعي المجتمع وسلامته، وتوظيف عدد أكبر من الخريجات تحت عباءة وزارة التربية والتعليم، إذ كانت تؤمن بمشاركة متساوية بين الرجال والنساء في جميع الأنشطة الاجتماعية والسياسية.

كما أصرت فَرُّخ رُو، على الالتزام بارتداء البدلة الرسمية للطالبات، وهي بدلة مكونة من قميص وتنورة طويلة بلا غطاء الرأس، فمنعت ارتداء "الشادور"، أي الحجاب الكامل، والتنورة القصيرة معاً، كي تخلق توازناً بين المجتمع المحافظ وبين الحكومة التي تسعى إلى تطبيق الثقافة الغربية بسرعة.

وحذفت الوزيرة مادة تعليم اللغة العربية من الثانويات، ثم اضطرت إلى أن تضيف مادة تعليم القرآن، والتعاليم الدينية، بعد ضغوط من رجال الدين.

حرمان رجال الدين من الشهادات العلمية

وكانت الوزارة حينها تقوم بمنح شهادة علمية لطلبة المدارس الدينية التي تخضع لسلطة علماء الدين الشيعة، حيث كان العلماء يمنحون الطلبة إجازة الاجتهاد في المذهب بعد سنوات من تحصيل العلم، وعلى أساسها تمنح الوزارة الشهادة الرسمية، فقامت الوزيرة بحل اللجنة المخصصة في الوزارة، لتحرم رجال الدين من الشهادات العلمية، وهذا ما زاد من غضب الفئات الدينية عليها.

وبعد ست سنوات ونصف من العمل في الوزارة أحيلت إلى التقاعد، فلم تدخل أروقة السياسة من جديد، بل فتحت عيادةً طبيةً، وركزت على النشاط التطوعي الطبي والتعليمي في طهران.

"المحكمة تميز بين الرجال والنساء بشكل كبير، فآمل أن يكون مستقبل المرأة الإيرانية أفضل. أما نقودي التي معي فوزّعوها بين السجينات".

لكن نشاطها للدفاع عن حقوق المرأة لم يتوقف؛ فشاركت في الإذاعة الوطنية لعامين متواصلين قدمت خلالهما برنامجاً توعوياً للسيدات، كما استمرت في حضورها في جمعية الأكاديميات التي قامت بتأسيسها سابقاً.

بعد أربع سنوات من نهاية عملها كوزيرة، انتصرت الثورة الإسلامية ضد النظام الملكي مطلع 1979، وحينها كانت فَرُّخ رُو في لندن، فوصلتها نصائح تشدد على عدم عودتها إلى وطنها، بسبب الحالة الثورية التي تسيطر على الدولة والبلاد، لكنها ردّت: "أنا لم أفعل شيئاً كي أخاف، وسأعود حتماً".

عند عودتها، كان الثوار يبحثون عن رجال النظام السابق في البلد ليحاكَموا محاكمةً ثوريةً، ومع ذلك لم تقبل بمغادرة البلاد، وقالت لأهلها: "لا أريد الذهاب إطلاقاً"، وبدأت مطاردتها، فاختفت في منزل ابنتها، ثم في منزل أحد أقاربها، وبعدما جاءت إلى منزل ابنها، حيث قبض الثوار عليها وعلى زوجها.

أُطلق سراح زوجها، ثم بدأت محاكمتها واستمرت لـ9 جلسات، وأصدرت المحكمة حكم الإعدام بحقها بتهمة: "هدر بيت المال، المساندة في تفشي الفسق والفجور في نظام التربية التعليم، والتعاون الفعال مع أجهزة الأمن في إخراج المعلمين والمثقفين الثوريين من وظائفهم".

صرّحت في دفاعها في المحكمة الثورية: "يؤسفني توجيه اتهامات ضدي لا أساس لها، وهذه الاتهامات أربكت أفكاري، ومنها التشكيك في إسلامي"

كما كان الثوار يصفونها بأنها بهائية، بل من أبرز شخصيات هذه الطائفة التي تسللت إلى داخل النظام الملكي، وقامت بالترويج لمعتقداتها ومعتقدات الثقافة الغربية في المجتمع الإيراني.

وصرّحت في دفاعها في المحكمة الثورية: "يؤسفني توجيه اتهامات ضدي لا أساس لها، وهذه الاتهامات أربكت أفكاري" و"لا أقول إنه لم يكن هناك فساد في النظام السابق، لكنني طالما حاولت ألا أتلوث به"، وطالبت المحكمة بإثبات ادعاءاتها وقدّمت ما لديها من أدلة ووثائق لكن دون جدوى.

"آمل أن يكون المستقبل أفضل للمرأة الإيرانية"

وكتبت فَرُّخ رُو: "ليست لدي وصية، لأني لا أملك أموالاً كثيرةً وما أملكه تمت مصادرته... أعلم وضميري مرتاح أنني لم أرتكب تلك التهم والجرائم التي نُسبت إليّ في لائحة الاتهام. أعطوا سجادة الصلاة التي فيها مسبحتي وخاتمي وساعتي إلى زوجي كي يوصلها إلى ابنتي. المحكمة تميز بين الرجال والنساء بشكل كبير، فآمل أن يكون مستقبل المرأة الإيرانية أفضل. أما نقودي التي معي فوزّعوها بين السجينات".

تم تنفيذ حكم الإعدام عام 1980 بحق أول وزيرة في تاريخ البلاد التي كانت تبلغ من العمر 57 عاماً، ولكن حبل المشنقة انقطع أثناء تنفيذ الحكم، فأُعدمت بالرصاص.

بعد أيام قليلة من دفنها، جاءت الجرافة لتهدم قبرها، حتى لا تبقى علامة منه على الأرض، ثم وضعت أسرتها حجراً على القبر واكتفت بكتابة كلمة "الأم" عليه، لكن الجرافة جاءت من جديد لتهدم شاهدة القبر، فمحت كل أثر لها من وجه الأرض.

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

Website by WhiteBeard