شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

غيّروا، لا تتأقلموا!
إحساس غريب بالأمان يشعر به "المصري" في ألبانيا

إحساس غريب بالأمان يشعر به "المصري" في ألبانيا

رود تريب

السبت 21 يناير 202303:57 م

"إذا كنت تبحث عن وجهة سياحية أوربية لصيف مختلف بدون تأشيرة أو إجراءات سفر، وذات تكلفة منخفضة، فألبانيا هي وجهتك المثالية".

كان هذا نص إعلان مدفوع نشرته شركة سياحية على أحد مواقع التواصل الاجتماعي لحث المصريين على السفر إلى ألبانيا.

أكثر ما لفت نظري في الإعلان هو تكلفة الرحلة التي حددتها شركة السياحة وهي 14,000 جنيه "470.15 دولار" للفرد لمدة ثمانية أيام وسبع ليال، يشمل السعر تذكرة الطيران شارتر+ الانتقالات من المطار وإليه، والانتقال الداخلي بين فلورا وتيرانا، والإفطار، ووجود مرشدين سباحين طوال الرحلة.

لم يتردد حسام، وهو صحافي عمره 33 عاماً يسكن في القاهرة، في اختيار ألبانيا وهو يقلب الخيارات بين الوجهات السياحية التي يمكن أن يتحمّل نفقاتها، بصحبة خطيبته البلجيكية في أيلول/سبتمبر 2022، فضّلها لعدة أسباب: السمعة الطيبة، مساحات الحرية والخصوصية للسائح مقارنة بنظيرتها المصرية والعربية، وحكايات محفزة لمسافرين سابقين عرب وأجانب.

حجز حسام التذاكر بشكل فردي بدون الاشتراك في رحلة منظمة تابعة لشركة سياحية، وحجز شقة الإقامة عبر تطبيق معروف لحجز الشقق لإقامات المسافرين العابرين والرحالة، Airbnb، وهو موقع يقدم خدمة العثور على بيوت وشقق واستوديوهات بأسعار مناسبة حول العالم.

"عندما ذهبت إلى العنوان المحدد، لم يكن هناك أحد لتسليمي الشقة... كان باب الشقة مفتوحاً، والمفتاح في الباب، دخلت وبعد انتهاء مدة إقامتي، أعدت المفتاح في الباب"، إحساس بالأمان غريب يجتاح مصريين سافروا إلى ألبانيا، يفتقدونه في بلدهم حتى في المناطق السياحية منها

يحكي حسام: "قمت بحجز شقة فندقية من الموقع في تيرانا العاصمة، سعرها في الليلة الواحدة ٢٥ $، عندما ذهبت إلى العنوان المحدد، لم يكن هناك أحد لتسليمي الشقة أو حتى صاحب مكان لأخذ الأجرة، كان باب الشقة مفتوحاً، والمفتاح في الباب، دخلت وبعد انتهاء مدة إقامتي، أعدت المفتاح في الباب، ووضعت بدل الإيجار على طاولة، كما كان الاتفاق عند الحجز".

كانت تجربة رائعة وجديدة، هذا الإحساس بالأمان الذي يحمله سكان البلد الأجانب، تسلل إليه أيضاً بتفاصيل يومية ثرية طوال رحلته.

دفعتني كلماته إلى الحجز أنا الأخرى، مغرية بسعرها المعقول، وهي أيضاً بلد أوروبية، وعلى عكس حسام، حجزت مع شركة، في رحلة منظمة يصحبني آخرون، قد يشبهونني في دوافعي للسفر والاكتشاف، وقد لا يشبهونني.

لم تكن ألبانيا على قائمة اهتماماتي قبل هذا الوقت، لكن الإعلان كان مغرياً إعراءً جعلني أبحث على الفور عن هذا البلد، الذي شاع اسمه مؤخراً، خاصة أن نظام الزعيم الشيوعي الألباني "أنور خوجة" الذي حكم البلاد لأربعة عقود (1945 – 1985) بقبضة من حديد، ممارساً خلالها جميع أنواع السياسات القمعية، عازلاً بلاده عن العالم. لذلك لا تزال السياحة أيضاً غير منتشرة على نطاق واسع. مع ذلك، تحاول ألبانيا جاهدة تقديم تسهيلات لعدد من الدول، منها مصر، خاصة بعد إلغاء الحكومة الألبانية نظام التأشيرات للمصريين.

لم أكن بحاجة للتفكير أكثر فقمت بحجز رحلتي بعد قراءة الإعلان بثلاث ساعات فقط.

برنامج الرحلة

ثلاث ساعات هو وقت الرحلة من مطار القاهرة إلى مطار تيرانا.

كم فاجأتني طبيعة ألبانيا الخلابة ومدنها القديمة المدرجة في مواقع التراث العالمي لليونسكو، شواطئها وجبالها الساحرة، طبيعة مختلفة عن تلك التي اعتدناها في مصر، فإما مناطق خضراء زراعية حول نهر النيل، أو مناطق صحراوية جبلية كما جنوب سيناء، أو صحراوية منبسطة كما واحة سيوة.

توجهنا في اليوم الأول من مطار العاصمة تيرانا إلى مدينة فلورة الساحلية، وهي مدينة تقع في الجنوب الغربي من ألبانيا، وكانت عاصمتها في القرن السادس عشر قبل تيرانا.

وصلنا مساءً، لذا اقترح المرشد المرافق لنا القيام بجولة حرة مسائية للتعرف على المدينة.

شواطئها وجبالها الساحرة، طبيعة مختلفة عن تلك التي اعتدناها في مصر، فإما مناطق خضراء زراعية حول نهر النيل، أو مناطق صحراوية جبلية كما جنوب سيناء، أو صحراوية منبسطة كما واحة سيوة

زيارة ألبانيا ليست باهظة الثمن. مقارنة بالدول الأوروبية الأخرى، تبلغ تكلفة الغرفة المزدوجة في فندق متوسط بين 40 و50 يورو. والوجبات في المطاعم المحلية تراوح بين 4 و10 يورو.

الليك هو عملة ألبانيا، وقيمتها محدودة أمام اليورو والدولار، اليورو أيضاً يتم استخدامه على نطاق واسع، ويمكنك الدفع به في جميع الأماكن تقريباً كالمطاعم والكافيهات وأجرة التاكسي.

وقد لاحظت أن أسعار المشروبات والوجبات في الفنادق لا تختلف كثيراً عن الأسعار في الخارج، ففي الفندق الذي كنت أقيم فيه في فلورا دفعت دولاراً مقابل فنجان من القهوة، ودفعت في أحد المقاهي بالطريق حوالى 88 سنتاً.

في اليوم الثاني توجهنا إلى ميناء فلورا، ثاني أكبر ميناء بألبانيا، حيث تقف عنده المراكب التي استقلنا أحدها، وقضينا على متنه يوماً كاملاً.

في اليوم الثالث بعد تسليم الغرف توجهنا إلى الحافلة للذهاب إلى وجهتها الثانية، وهي مدينة سارنده. لاحظ مشرف الرحلة تغيب أحد الأشخاص فاعتقد أنه ربما يكون نائماً.

توجه إلى الاستقبال، واتصل به في الغرفة عدة مرات، لكنه لم يرد. طلب من موظف خدمة الغرف فتح باب غرفته للتأكد من وجوده، ولكنهم لم يجدوه، ولم يجدوا أيضاً حقيبته.

عاد المشرف بدون أدنى تعبيرات على وجهه، وكأنه معتاد مثل هذا النوع من الأمور، وقال لنا ببساطة: "لقد هرب".

قال الجميع في نفس واحد: هرب؟ كيف؟ أين؟ لماذا؟

قال المشرف: "للأسف يأتي الغالبية هنا للهرب إلى أوروبا، بسبب موقع ألبانيا الذي تحده عدة بلدان منها اليونان والجبل الأسود وإيطاليا، يساعدهم في ذلك مهربون من السكان المحليين، ومواطنو الدول التي يريدون الذهاب إليها، لقد اعتدنا ذلك، كل رحلة ينقص منها عدد من الأشخاص".

وأشار إلى سائق الحافلة بالانطلاق إلى سارنده، وهي مدينة تتميز بإطلالتها الساحلية، فضلاً عن المعالم الأثرية والتاريخية.

العين الزرقاء

بدأنا رحلتنا أولاً بزيارة منطقة تسمى "البلو آي أو العين الزرقاء " وهي عبارة عن نبع ماء طبيعي، يقال إن عمقه يصل إلى خمسين متراً.

وعند السفر إلى ألبانيا يجب أن تتوقع تساقط الأمطار في أي لحظة، فقد كانت درجة الحرارة تصل إلى الـ ٣٥ درجة، والجو دافئ، وتساقطت الأمطار المنعشة، ما أضفى شاعرية على المكان.

ومررنا بالريفيرا الألبانية التي قضينا باقي اليوم على أحد شواطئها.

اليوم الرابع ذهبنا إلى مدينة بيرات، وهي واحدة من أقدم المدن الألبانية، ويطلق عليها مدينة الألف نافذة، بسبب هندسة منازلها المعمارية التي تعود إلى أواخر القرن الثامن عشر.

زرنا قلعة بيرات الشهيرة، الواقعة على تلة صخرية مطلة على المدينة، ويعود تاريخها إلى القرن الثالث عشر، وشاهدنا مسجد السلطان الذي بُني في القرن الخامس عشر الميلادي، خلال فترة حكم السلطان العثماني بايزيد الثاني.

بعدها توجهنا إلى مدينة كرويا، أهم المدن الألبانية كونها مسقط رأس البطل الوطني للبلاد سكندربيرج، زرنا خلالها قلعة كرجا والبازار القديم، وهو الأقدم في ألبانيا، ويقال إن تاريخه يعود إلى أكثر من 400 عام، ويبتعد عن الطريق المؤدي إلى قلعة كرويا.

أكثر ما لفت النظر في البازار بجانب معروضاته التقليدية هو عازفو الموسيقي الفلكلورية، الذين لم يتوانوا عن العزف حتى عندما تساقطت الأمطار.

في اليوم الخامس، توجهنا إلى مدينة تيرانا العاصمة، وهي مدينة هادئة ورخيصة نسبياً، تنتشر بها المطاعم والمقاهي، وتضم العديد من المعالم السياحية مثل أهرامات تيرانا، ساحة سكندربيرج، وبرج الساعة، وجبل داجتي الذي يبعد حوالي ١٥ كيلو متر عن تيرانا، وهو مخصص لركوب التلفريك أو القاطرة المعلقة صعوداً إلى أعلى الجبل والتمتع بمشاهدة المناظر الساحرة لأعلى قمم البلقان ثم العودة.

في اليوم السادس توجهنا إلى بحيرة كوماني وأخذنا جولة بالقارب عبر الأخاديد الضيقة لبحيرة كوماني في المرتفعات الألبانية.

اليوم السابع كان جولة حرة في المدينة، وفي اليوم الثامن انتهت رحلتنا.

وقد تبدو الأماكن التي ليست على قائمة اهتماماتنا أجمل الأشياء التي قد تحدث لنا على الإطلاق.

من المواقف الطريفة التي رأيتها موقف لشاب وفتاة بولنديين يقفون في الشارع ومعهم لافتة مكتوب عليها stop وعلامة ok.

وعرفت منهما أنهما يريدان توصيلة إلى حيث يقيمان لأن المال قد نفد منهما.

وأخبراني أن هذه الفكرة معروفة في أوروبا وأيضاً في ألبانيا وأن السيارات التي تكون ذاهبة إلى نفس المكان تقلهما في غالب الأحيان.

نعم، أتفق مع حسام على أن ألبانيا بلد الأمان.

Website by WhiteBeard