شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

غيّروا، لا تتأقلموا!
التاريخ الدموي السري لعصابات اليد الحمراء في الجزائر

التاريخ الدموي السري لعصابات اليد الحمراء في الجزائر

سياسة

الاثنين 12 ديسمبر 202205:31 م

في تموز/ يوليو من عام 2019، تم عرض الفيلم الوثائقي "la main rouge"، أو اليد الحمراء، للمخرج الجزائري فايز كامل. العمل استمر لمدة 72 دقيقةً، حاول نفض غبار الغموض عن "التاريخ السري الدموي"، للمنظمة الإرهابية الفرنسية الشهيرة التي بقيت لعقود طويلة أشبه بالشائعة والخيال منها إلى الواقع.

عملت اليد الحمراء خلال حقبة الخمسينيات ومطلع الستينيات، كـ"ذراع خفي" لجهاز الاستخبارات الفرنسية، أو ما يُعرف بـ"التوثيق الخارجي وجهاز مكافحة التجسس/ SDECE"، مستهدفةً من أسمتهم بـ"الانفصاليين" المطالبين باستقلال الجزائر، والداعمين لهم من الأوروبيين داخل بلدان القارة العجوز، ويصف البعض أعمالها بمثابة "جرائم إرهاب دولة".

فوفقاً للمؤرخ الفرنسي جيل مونسيرون، تلك المنظمة كانت تتخذ "صفةً رسميةً"، و"تُطبّق أوامر أعلى" في إصدار أحكام الإعدام، مؤكداً تورط ميشال ديبري، رئيس وزراء فرنسا، بين عامي 1959-1961، وعلم الرئيس الفرنسي الأسبق شارل ديغول. فمن هي هذه المنظمة؟ ومتى كان تأسيسها؟ وما الدور الذي لعبته خلال سنوات الثورة الجزائرية؟ وما هي أبرز عمليات التصفية السياسية التي قامت بها؟

خلال الحرب الجزائرية، تخلصت فرنسا من أي قيمة أخلاقية، معتمدةً على الـ"MR"، كآلة قتلٍ سرية، ,وقد تم التغاضي عن هذا "التاريخ المأساوي" تقديساً للديغولية

ميلاد آلة الموت

يُعدّ الجنرال بول غروسين، المولود في الجزائر سنة 1901، مخترع فكرة اليد الحمراء، وقد أصبح سنة 1957، رئيس جهاز الـ"SDECE". ففي مطلع الخمسينيات من القرن الماضي، ومع نهوض الأصوات المطالبة باستقلال بلدان المغرب وحركات المقاومة ضد الاستعمار الفرنسي، كوّنت مجموعة من الغلاة المتعصبين والمستوطنين الفرنسيين المنظمة الرهيبة لمقاومة وإجهاض ما أسموه "المؤامرات القومية".

جاء الاسم المختار بعناية نسبة إلى كف فاطمة ، ويقول البعض إنه رمز وثني نموذجي في شمال إفريقيا، ولكن على العكس من التعويذة العربية ذات اللونين الذهبي والأسود، كانت يداً حمراء، نظراً إلى دمويتها المتّبعة في عمليات التصفية الجسدية، فهي كما يصفها أحد رجالاتها قسنطنين ميلينك، "آلة قتل هائلة". شكلت اليد الحمراء أو كما تُعرف اختصاراً الـ "MR" ميليشيا سريةً من مجندين وضباط شرطة فرنسيين، وهو ما يُفسر إفلاتهم من العقاب جراء جرائمهم. أما أبرز ضحاياهم، فكانوا من الوطنيين المغاربة والتونسيين (من بينهم فرحات حشاد الذي تم اغتياله في الخامس من كانون الأول/ ديسمبر سنة 1952، وعبد الرحمن مامي في تموز/ يوليو 1955)، ثم زعماء جبهة التحرير الوطني الجزائري وتجار السلاح الأوروبيين ومحامين وأنصار مطالب الاستقلال من الناشطين في دول أوروبية عدة، كألمانيا وإيطاليا والنمسا وسويسرا.

مع احتدام الثورة الجزائرية وفشل الفرنسيين الذي أصبحوا شبه "معزولين" دولياً، كان لا بد من إعادة بعث المنظمة، ولكن بصيغة أكثر "احترافيةً"، لممارسة أعمال الهومو (القتل). ففي عام 1957، لعب ثلاثة رجال دوراً قيادياً هم جاك فوكارت، الضابط السابق في الخدمات الخاصة الذي كان "الرئيس الفعلي" لليد الحمراء، والجنرال غروسين، ومستشار رئيس الوزراء لشؤون الأمن والتجسس قسنطنين ميلينك، بالإضافة إلى رئيس الوزراء لاحقاً ميشال ديبري، "السيناتور الديغولي"، واستخدموا اليد الحمراء كـ"غطاء" لعمليات الاستخبارات الفرنسية.

مع تولي شارل ديغول، السلطة سنة 1969، وضع ثلاث نقاط أساسية لعمل جهاز الاستخبارات، وهي: العمل خارج الأراضي الفرنسية ضد الأهداف الأجنبية، وعدم استهداف الفرنسيين، والحصول على موافقة رئيس الوزراء ورئيس الجمهورية قبل تنفيذ أي عملية. وكانت ذروة عملياتها الإجرامية في عام 1960، حين نجحت في تنفيذ 135 عملية إعدام، وإغراق 6 قوارب، وتدمير طائرتين.

في كتابه "الموت كان مهمتهم"، يذكر قسطنطين ميلينك، أنه خلال الحرب الجزائرية، تخلصت فرنسا من أي قيمة أخلاقية، معتمدةً على الـ"MR"، كآلة قتلٍ سرية، ومؤكداً أنه تم التغاضي عن هذا "التاريخ المأساوي" الذي كان جزءاً من صانعيه "تقديساً للديغولية"، وسوء الفهم لدور أجهزة الاستخبارات، ومتسائلاً:" ألم يحن الوقت للاعتراف بذنب الدولة في هذه الأخطاء؟".

آلية عمل "الهومو والأرما"

بالرغم من شهادة أحد عملاء الاستخبارات الفرنسية، المدعو بوب مالوبيي، عن أن المنظمة "محض خيال". ولا وجود لها، لكنها كانت بمثابة "دعاية جيدة" للتستر على عمليات الاستخبارات في الخارج. إلا أن قسطنطين ميلنيك يؤكد أنه تم "خلق اليد الحمراء لتكون منظمةً وهميةً لتدمير جبهة التحرير".

بدأ عمل المنظمة فعلياً في عهد حكومة غي موللي الاشتراكية (1957-1956)، التي أطلقت الضوء الأخضر لليد الحمراء. فكانت الأوامر تصدر من خلال أجهزة الاستخبارات وترسل إلى قصر ماتينون الذي يعطي للعملاء والأدوات التنفيذية الموافقة الشفوية، ثم يعمد إلى إتلاف كل الوثائق الخاصة بالتنظيم السري. في العهد الديغولي، كانت مهمة الإتلاف ترجع للعقيد روبير روسلات مسؤول مصلحة العمل، سواء أكانت الهومو (القتل) أو الأرما (التدمير)، وكان يُتلف أي دليل أرشيفي أو وثيقة خاصة باليد الحمراء. وكان جاك فوكارت من الإليزيه يتولى سحب خيوط الاشتباه الممكنة.

كانت خطة العمل تقوم على أن تعمد الأجهزة الاستخبارية إلى بناء مخطط وهمي، وإنشاء طواقم وهمية، ثم البدء بتسريب معلومات للصحافة، وبيانات نارية حول الأهداف التي سيتم ضربها، وتدّعي مسؤولية الـ"RM" عن تلك العمليات. حول ذلك يشرح غروسين نفسه، أنه "في كل مرة تطلق فيها رصاصة بمسدس، يجد رجال الشرطة المحليون أنه من الذكاء الإعلان عن الهويات المزيفة التي ترصدها لإيقاف الشائعات حول اليد الحمراء".

اغتيالات بالجملة

خلال الثورة الجزائرية (1962-1954)، تم تنفيذ ما يقرب من 200 عملية اغتيال، سواء لرجالات جبهة التحرير والداعمين لها من الناشطين وتجار السلاح في أوروبا وبلدان المغرب، وعمليات عابرة للحدود نُفّذت بمنتهى الدقة والسرية، لعل أبرزها على الإطلاق، كان في ربيع عام 1956، حين تم اغتيال مصطفى بو عيد، عبر إرسال فريق من الكوموندوز التابع لليد للحمراء الذين تمكّنوا من الهبوط على أحد معاقل الثوار في الجبال، وتفخيخ جهاز راديو وقتل كل من بوعيد ومساعده.

وفي الخامس من تشرين الثاني/ نوفمبر 1958، تم اغتيال أحد مؤسسي الجبهة، وممثل الحكومة الجزائرية المؤقتة في بون الألمانية، آيت حسين، قتلاً بالرصاص، بالرغم من وجود غطاء دبلوماسي تونسي يحميه. اغتيل أيضاً في الثامن والعشرين من تشرين الثاني/ نوفمبر من العام نفسه، المحامي الجزائري أوغست توفيني، عضو هيئة محامي باريس.

العملية الأكثر جرأةً وقذارةً، كانت في بروكسل البلجيكية عندما تعرض الشاب الجزائري أكي عاصو، العضو في معهد الطب، والناشط لصالح الجبهة والمقرب من بيير لوغريف، النقابي البلجيكي المتضامن مع القضية الجزائرية. اغتيال عاصو تزامن مع اغتيال المحامي السيد ولد عودية، في باريس، بالسلاح نفسه الذي اكتُشف لاحقاً، وهو عبارة عن نُبلة يتم إخفاؤها عن طريق جهاز قرع صغير في الكم، ويعمل بأمر موضوع في راحة اليد، ما يجعل أمر استخراج النبلة من جسد الضحية صعباً للغاية.

كذلك في أيلول/ سبتمبر من عام 1959، في فال داوستا في إيطاليا. وجد متسلّقو الجبال على ارتفاع ثلاثة آلاف متر، في تيستادي بالبي، حطام طائرة بعد انفجارها، وُجدت فيها خمس جثث من بينها لجزائري من حاشية السياسي الجزائري الشهير فرحات عباس.

كانت الضربات المركّزة موجهةً نحو تجار السلاح ، وأبرزهم الألماني أوتو شلوتر الذي تعرض لمحاولتي قتل، الأولى عندما انفجرت مكاتبه في مدينة هامبورغ ، والثانية عبر تفخيخ سيارته

قضية شلوتر ومطاردة تجار السلاح

تطورت عمليات الاغتيال والتدمير مع اتساع نطاق الثورة، ومكانتها المعنوية خارج حدود الجزائر، لتصل دموية اليد الحمراء إلى الناشطين والأكاديميين الأوروبيين، ففي الخامس والعشرين من آذار/ مارس 1960، تم إيصال طرد مفخخ للأكاديمي البلجيكي جورج لايبرش، المؤيد لاستقلال الجزائر.

كانت الضربات المركّزة موجهةً نحو تجار السلاح المسؤولين عن إيصال شحنات الأسلحة والذخيرة إلى الثوار الجزائريين، وأبرزهم الألماني أوتو شلوتر الذي تعرض لمحاولتي قتل، الأولى في 1956، عندما انفجرت مكاتبه في مدينة هامبورغ ونجا وقُتل نائبه، والثانية تفخيخ سيارته في حزيران/ يونيو 1957، وكذلك نجا منها ولقيت والدته حتفها. وجهت المحكمة الألمانية في ما عُرف بـ"قضية شلوتر"، التهمة بشكل مباشر إلى "MR" ولكن التحقيق لم يُثبت شيئاً.

أيضاً، تم اغتيال تاجر السلاح الألماني جورج بوشرت، بعد تفخيخ سيارته في مدينة فرانكفورت، في الثالث من آذار/ مارس 1959، ومحاولة اغتيال التاجر الألماني أيضاً، فيلهلم بينسر، وهو عضو سابق في الجستابو (البوليس السري الألماني)، وله علاقة وطيدة مع جبهة التحرير. لم يأبه بينسر بتهديدات اليد الحمراء، التي نفذت تهديدها عبر وضع قنبلة في منزله في ميونيخ أدت إلى فقدانه ساقيه.

لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، فقد تمكنت اليد الحمراء، خلال تلك السنوات من ضرب العديد من شحنات الأسلحة، وأبرزها تفجير سفينة "تايفون" في ميناء طنجة في الحادي والعشرين من تموز/ يوليو 1957، وسفينة "أطلس" في ميناء هامبورغ عبر تفخيخها بقنبلة في التاسع من تموز/ يوليو من العام نفسه، وسفينة الشحن "إيما"، بين طنجة وجبل طارق في التاسع من أيلول/ سبتمبر من العام نفسه.

خلال العقود الأخيرة، كُشفت الكثير من الحقائق والشهادات عن أعمال اليد الحمراء وعملياتها الإرهابية داخل أقطار المغرب وفي أنحاء العالم. تلك الحقائق بقيت طي الكتمان وكشفت الكثير من الجرائم السياسية التي وُضعت "ضد مجهول" مع شبهة قوية لليد الحمراء، لعل أبرزها اغتيال السياسي التونسي فرحات حشاد، الذي أعلن الرئيس الفرنسي هولاند في عام 2013، عن كشف وثائق سرية تثبت مسؤولية اليد الحمراء وعناصرها عن اغتياله. ويبدو أن "الحبل على الجرار"، بخصوص عمليات كثيرة تظهر الجانب الدموي للوجود الفرنسي في شمال إفريقيا. 

Website by WhiteBeard