المنظومة عاطلة... هل حقاً كان عهد القذافي أرحم؟

الخميس 24 نوفمبر 202205:00 م

إنها السنة الأولى بعد العقد الأول من انتفاضة 17 شباط/ فبراير في ليبيا، الحاصلة في السنة الأولى بعد العقد الأول من الألفية الجديدة. ألفيةٌ واكبنا فيها بعضاً من الواردات الإلكترونية التي انبثّت في أغلب مناطق العالم، أعني التعامل الإلكتروني في أجهزة الدولة، من صيرفة إلكترونية إلى إصدار جواز السفر إلى المعاملات البيروقراطية في الوزارات وغيرها من مؤسسات الدولة.

وإذا قمنا ببحثٍ خاطف في غوغل عن عبارة "المنظومة عاطلة"، نجد وافراً من العبث والتهكّم على هذا العبث. هي جملة يسمعها الليبي مباشرةً في هذه المؤسسات حين يصطدم طلبه المشروع بخلل في "المنظومة" الإلكترونية التي تيسّر هذا الطلب.

ربما يسمع عنها من دون أن يفقه معناها، وربما لا يفقه الموظفون أنفسهم معنى هذا العطل، ففي النهاية، ما نفع الفقه في حضرة الأعطال؟

استجلاب ذكرى الانتفاضة والألفية الجديدة نابعٌ من محاولة تحسّس السيرورة التاريخية لهذا العطب، وإن كان التاريخ قصيراً نسبياً.

لسنا معنيين هنا بربط السياق العالمي بالليبي، والعكس، ولا بالتحقيق التقني في أصل هذا العطب. وإنما الغاية تفكيك الأسطورة القائلة بأن العهود السابقة لدول "الربيع العربي" كانت على الأقل "أرحم".

فبجانب السببية القميئة في الاختيار بين شرّيْن، يسعنا على الأقل أن نقول إن الوضع هو ذاته في الخراب، فما كان مستتراً أضحى جلياً. نفضّل شرّاً جليّاً على المستتر إذاً.

صحيح أن نسبة الأمية انخفضت، لكن هذا الانخفاض لم يكمن في تطوير المؤسسة التعليمية بل في تفاهتها وسهولة تجاوزها. 

زمن المصارف والجوازات الجميل

تظل المصارف ومصالح الجوازات أمثلةً شائعةً على عطل هذه المنظومات. صحيحٌ أن السيولة توفرت في المصارف في العهد السابق (وهو ليس إنجازاً ثورياً)، لكن متوسط الراتب كان "معاشاً" بالفعل، يقتات منه المواطن من دون التفكير خارج دائرة السلعة. يقيناً، هذا هو الحد الأدنى من حقوق الإنسان.

كان إصدار الجوازات سهلاً أيضاً، ويا لها من عبقرية بيروقراطية. للتذكير فقط، مر الجواز الليبي بأفضل حالاته حين بلغ الدينار "مستويات عاليةً" في مقابل الدولار، فسافر عدد لا بأس به من أبناء -كي لا نقول بنات- الطبقة الوسطى إلى أوروبا الشرقية وتركيا وبلدان العالم العربي، وفي أسوأ حالاته، كانت ليبيا دولةً مصنفةً كدولة راعية للإرهاب تارةً، وعضواً في "محور الشر" الخاص بجورج بوش الابن. ولكيلا أُجَرّ إلى سرد سيرة الجواز الأخضر الساحرة (جواز الجماهيرية)، تجدر الإشارة فقط إلى الأسطورة آنفة الذكرة، وهي أن "المواطن البسيط" كان يعيش في رفاهية وأن الجواز كان علامةً من علامات "هيبة الدولة".

هيبة الدولة

من حجج أهل الحنين إلى الماضي تأريخهم لـ"هيبة الدولة" الليبية.

لنكن كرماء، ونأخذ هذه العبارة الشوفينية، الخاوية، على علاتها؛ لنقل إن "هيبة الدولة" شيء مستحسن. لكن ما هي هيبة الدولة، على أي حال؟

أهي قوة التعليم وتطوره؟ طبعاً لا، وإلا لترحَّم أهل الحنين على كوادر علمية غابت أو أشاروا إلى التدني المستمر في مستويات المدارس والجامعات. كان لكل دكتاتور، تقريباً، في عصر ما بعد الكولونيالية، حصته من النهوض بالتعليم في القرى والمدن (وإن كان ذلك على حساب حقوق الإنسان. فما نفع التعليم أصلاً إذا قُمِعَ؟)، لكن التعليم المجاني في الجماهيرية عُنيَ بالأرقام وليس بالأفعال.

انخفضت نسبة الأمية، لكن هذا الانخفاض لم يكمن في تطوير المؤسسة التعليمية بل في تفاهتها وسهولة تجاوزها. ليس غريباً لقاء خرّيج جامعة يتلبك في كتابة أسهل العبارات.

إذاً، ما حصل كان محواً للأمية وليس تعليماً لائقاً.

ولكيلا أنجرّ إلى سرد سيرة التعليم الجماهيري، تجدر الإشارة فقط إلى الأسطورة القائلة إن المنهج الدراسي كان قوياً -أين نتائجه؟ لا أحد يعرف- وإن إلغاء مادة اللغة الإنكليزية لم يكن سوى نكسة لنهضة قذافية حقيقية.

أهي الرعاية الصحية؟ قطعاً لا. عظّم الله أجر الجارتيْن مصر وتونس في رعاية مرضانا.

إذاً، هي هيبة الجيش! أليس العسكر جوهر الروح الوطنية؟ ربما. لكن أغلب أفراد أهل الحنين يعترفون بكارثة حرب تشاد ويرثون جيشاً كان يهابه الجميع.

لن أكون وقحاً وأذكر احتمالات أخرى كهيبة القضاء، أو هيبة الصحافة، أو غيرهما من "المؤسسات"، فقد سهّل المؤتمر الشعبي العام مهامها جميعاً، وسهّلت مهام الأخير تعاليم الأخ القائد من الكتاب الأخضر إلى خطاباته التنويرية التي تخرج علينا فجأةً في أوج أحداث مسلسلات "الأنمي" والدراما المكسيكية في حلقتها الـ320.

بقيَ الخيار الأوحد: هيبة الأمن والأمان، وهي متأتية من أعين الأمن الداخلي، الساهرة على استقرار حياة المواطن وصحته النفسية. إنها فعلاً هيبة "دولة الحقراء"، أطروحة القذافي في الفلسفة السياسية الشعرية.

صار الأمر هيناً الآن. اتفقنا على أن قبضة الدولة -من طريق عناصر أمنها وشرطتها- على المعلومات والتجارة ستفضي بنا إلى السعادة. لكننا لم نجد "دولةً" نستعيد بها ماكينة القمع، والدليل سقوط إقليم برقة إبان الانتفاضة كاملاً في غضون أيام. هنا شرّان أيضاً؛ قمع منبثق من مؤسسات، لا ينمحق بسهولة -مصر مثالاً- وقمع يدور حول شخص/ قبيلة/ إقليم. الأخير حاصل في ليبيا، لذا غابت الدولة بخيرها وشرّها.

إنها الدرجة الصفر في تبنّي أنظمة حكم تجريبية، تصير أعلاها الأنظمة اللا سلطوية التي لم تتحقق في أكثر الدول "تقدميةً". ولم لا؟ فإذا كانت هذه "الدولة" الغريبة غريبةً بغرابة سماحها للقذافي بالحكم لأربعة عقود، فهي أيضاً غريبة بغرابة الإطاحة به من دون مقدمات وبأصدق النوايا.

العودة إلى العطب

في قدومها المتأخر إلى المصارف، لم تنجح التعاملات الآلية في نقل تداول العملة عبر ماكينات الـATM الوليدة. استمر التداول النقدي كوسيلة أساسية في التبضع حتى 2014. ما زال النقد غالباً، ولكن مع أزمة السيولة التي بدأت مع "حرب المطار" في صيف 2014، انتشرت آليات الدفع الآلي عبر التطبيقات التي اختلفت عبر الأقاليم. نجاح هذه التطبيقات كامن في غياب "المنظومة" المشار إليها. فالأخيرة عبارة عن برمجيات عالمية مستوردة، تعمل وفق الشبكات المصرفية بأليافها البصرية وبريدها. يُخبِرني موظفو مصرفَيْن كبيرَيْن في البلد (المصرف التجاري الوطني ومصرف الوحدة)، بأن سبب العطل متأتّ من نوع منظومة بعينه. ويُجمِع كلهم على أن المشكلة ستُحَلّ مع قدوم 2023، لنجاح المنظومة القائمة الآن.

في مصلحة الجوازات، يُعَدّ اليوم الذي "تفتح" فيه المنظومة أبوابها يوم حجّ. إنه اليوم الذي تنجح فيه عملية التصوير، وهي العقبة الأولى. أذكر في يوم التصوير هذا أني مررتُ -بالواسطة والمحسوبية، يقيناً- عبر صالة تلتصق فيها الأكتاف وتعلو فيها الاحتجاجات. من الصالة المكتظة إلى ممر مكتظ، ومنه إلى حجرة تحوي على الأقل عشرة متقدمين (وهي مخصصة لاستقبال متقدّم واحد). حينما تجتاز هذه العقبة، تنتظر الإصدار مباشرةً إن كنت من أهل العاصمة، أو تنتظر مندوب المصلحة لكي يأتي بها من العاصمة، إذا توفرت "الخامة"، وهي مادة الجواز نفسه. مثال بسيط: استلمتُ جوازي الجديد في 2020، أما تاريخ الإصدار عليه فعائد إلى 2019.

قيل لنا أن قبضة الدولة -من طريق عناصر أمنها وشرطتها- على المعلومات والتجارة ستفضي بنا إلى السعادة. لكننا لم نجد "دولةً ولا سعادة

منظومة الدولة

ربما الجهة الوحيدة التي حققت نجاحاً في مكننة إدارتها هي مصلحة الأحوال المدنية، التابعة لوزارة الداخلية، والمعني تحديداً هنا السجل المدني. تشكلت منظومة هذا السجل في 2012، بعد سنة من سقوط الجماهيرية. في نبذةٍ يسردها أحد الموظفين. كانت الخطة في البداية معنيةً بحصر التعداد السكاني، وقد حدث ذلك في صورة منحة لأرباب الأسر. تم لأول مرة في تاريخ البلاد ربط المواطن برقم وطني، تنبثق منه شهادات الميلاد وأوضاع العائلة والإقامة وغيرها من الأوراق الرسمية التي أُصدِرَت سلفاً عبر "كتيّب العائلة" الورقي. هي أفضل للمواطن، يقول لي، حتى في الحالات التي تتعطل فيها، وهي قليلة. تعمل هذه المنظومات على الإنترنت وتصير بطيئةً بطء الإنترنت المعتاد في دولة تسيّر شبكاتها العنكبوتية تحت مظلة وطنية واحدة وهي ليبيا للاتصالات والتقنية LTT.

أمّا الواردون على هذه المصالح والمكاتب والهيئات، فحال غايتهم ألّا تتعطل هذه المنظومات لكيلا تتعطل عجلة اليوم أو الأسبوع. و"حال الغاية" تعبير بدوي في شرق البلاد يعبّر عن تمنٍّ رواقي، والأمنيات هنا لا تصبو إلّا لقضاء حاجات ضرورية للنجاة: أن يسحب المواطن ما في حسابه المصرفي نقداً أو أن يحوّل هذه القيمة إذا غاب النقد، أو أن يستخرج جواز سفر ليعالَج في دول الجوار. أما من يحوّل الملايين من حسابه أو يسافر للاستجمام، فغالباً لا يسمع عبارة "المنظومة عاطلة".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard