شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

غيّروا، لا تتأقلموا!
"بدك تعدّي... اشلح!"

"بدك تعدّي... اشلح!"

مدونة نحن والحقوق الأساسية

الجمعة 25 نوفمبر 202203:15 م

تجربة المرور عبر حاجز "إيرز" تجربة ملأى بالمشاهد التلفزيونية لمن يعبره لأول مرة، فهو يشاهد كل شيء كان يسمعه من السابقين ويمارسه خطوة بخطوة.

بعد أن تنتهي من الإجراءات الورقية عبر حاجزي الحكومة بغزة والحكومة في رام الله، تبدأ السيارة بالتحرك ناحية الحاجز، في أول الأمر تمر عبر بوابة حديدية دائرية تسمح بمرور شخص واحد فقط، بعدها تجد نفسك في مقابلة شخص يتحدث العربية بطلاقة من خلال كلمات الترحيب القليلة والأمنيات السعيدة، ثم تفاجأ وأنت تسمعه يتحدث عبر اللاسلكي باللغة العبرية وهنا تدخل أنت إلى التجربة الحقيقة.

كل شيء هنا يحتاج إلى تنسيق، يُستثنى فقط الطيور التي تعبر من فوق السياج والأسماك التي تعوم في البحر.

كنا ما يقارب 19 فردًا دخلنا بتوالٍ محكم فردًا فردًا حتى تجمعنا أمام ذلك الشخص الذي قال إنه لن يفتش الحقائب التي نحملها، وأتبع حديثه بقوله أنه يثق بنا وطلب منا أن نتخلى عن جميع الأشياء التي تحتوي على أسلاك أو دوائر كهربائية عدا الهاتف المحمول. منا من كان يعرف هذه المعلومات ومنا من فوجىء وهو يُلقي بشاحن هاتفه في سلة مهملات سوداء كبيرة وضعت خصيصًا لمن يتفاجأون.

راح كل منا يخرج شواحن الهاتف وسماعات الأذن وماكينات الحلاقة، أما النساء فاضطررن إلى التخلي عن أدوات التجميل بكل أنواعها، بعضها كان جديدًا ألقي في سلة المهملات بتردد كبير ورغبة في عبور الحاجز مهما كلف الثمن من تضحيات مادية، فعلى الطرف الآخر هناك وطن مستحيل الرؤية يتبدى لنا من خلف البوابات الحديدية والبنادق المشرعة وأوامر الرجل التي كانت تأتينا على شكل تعليمات لا بد من تنفيذها كي لا نقع في مشاكل أثناء المرور، فعلنا ذاك بشكل سريع، حتى التفت الرجل إلى شنطة صغيرة تأخذ شكل الاسطوانة تحملها زميلة لنا في السفر، فسأل عما بداخلها فقالت له الصبية أن فيها لوحات فنية للمشاركة في معرض الكتاب برام الله، فطلب أن يراها وتم فرشها على طاولة مجاورة لوحة بجانب الأخرى، وقال أن تلك اللوحات بحاجة إلى تنسيق كي تمر! لم أستغرب كلام الرجل، كل شيء هنا يحتاج إلى تنسيق، يُستثنى فقط الطيور التي تعبر من فوق السياج والأسماك التي تعوم في البحر، وبالفعل قام الرجل بالتواصل مع امرأة سمعت صوتها عبر اللاسلكي كانت تتحدث العبرية، ويقوم الرجل بالترجمة الفورية لنا، كان مفاد الحديث أن اللوحات لن تمر، وستبقى في الخارج، أي في سلة المهملات.

في أول الأمر تمر عبر بوابة حديدية دائرية تسمح بمرور شخص واحد فقط، بعدها تجد نفسك في مقابلة شخص يتحدث العربية بطلاقة من خلال كلمات الترحيب القليلة والأمنيات السعيدة، ثم تفاجأ وأنت تسمعه يتحدث عبر اللاسلكي باللغة العبرية، وهنا تدخل أنت إلى التجربة الحقيقة

كل هذه الأمور الحزينة لم تخطف منا لهفة اللقاء، فرام الله بالانتظار، وتعاملنا بمبدأ كل الذي فوق التراب تراب، مرت حقائبنا عبر جهاز الماسح الضوئي سريعًا دون أي معوقات ثم أخذناها حملًا وبعضنا على عربات صغيرة، ومشينا في طريقٍ طويل لبضع دقائق كان سيرنا كله يتم داخل قفص حديد كبير، كل ما حولك هو حديد وأسيجة وكاميرات عملاقة ترصد الأنفاس قبل الحركة، حتى وصلنا إلى بوابة أخرى أفضت بنا إلى ساحة واسعة مليئة بالكاميرات والجنود المتأهبين لإطلاق النار بسرعة رهيبة. حينها توقفنا وبدأنا بمشاهدة الجنود، كانت هذه التجربة الأولى لي بمشاهدة جندي إسرائيلي عن قرب بعد انسحابهم من قطاع غزة عام 2005.

"اشلح"

جاء وقت الجد إذن، "بدك تعدي، اشلح..." هذا ما قاله أحد الأصدقاء وهو يمازحنا، يبدو أن الأمر لم يكن مزاحًا. طلب أحد العامين على أجهزة التفتيش من الجميع أن يخلعوا ستراتهم، وأحزمة الوسط والأحذية وأن يضعوا كل متعلقاتهم الشخصية في حاوية بلاستيكية ويسلكوا طريقًا آخر وينتظروا ريثما تتم عملية التفتيش اليدوي والضوئي في آنِ معًا، وبالفعل الجميع شلح حسب التعليمات، ذهبت الحاويات في طريقها عبر حزام حديدي متحرك وصعدت إلى الأعلى واختفت في جوانب متعددة، وسلكنا نحن طريقًا آخر لتأكيد عملية الشلح، ووقفنا في طابور وصرنا نتقدم فردًا فردًا حفاة حسب التعليمات.

كنا نقف ووجوهنا إلى جهاز كبير مرسوم عليه طريقة الوقوف، نرفع أيدينا إلى الأعلى ثم نلوي الذراعين إلى الداخل، أما الأقدام فكنا نضعها على إشارات معينة مرسومة على أرضية الماكنة تعمل على انفراج الساقين بدرجة معينة تسمح للماسح الضوئي بأن يمر على جميع خلايا الجسد. تستغرق هذه العملية أقل من نصف دقيقة لكنها تبقى في الذاكرة إلى الأبد، كنت أراقب الأمر بصمت رهيب، وبالعادة أنا كثير الكلام والمزاح لكنني هنا كنت بحاجة إلى تخزين الصورة البصرية عما يجري لنا من عملية تفتيش لا أريد أن أسميها بأي أسماء أخرى. بقيت الأخير حتى اضطرت إحدى المجندات أن تشير لي بيدها من مكان مرتفع محاط بالزجاج، وبعد محاولات عديدة منها فهمت أنها تقصدني فتقدمت إلى الماكينة التي أمامي وأخذت الوضعية المطلوبة بما أنني أصبحت خبيرًا بعدما رأيت كيف فعل الجميع من قبل، وكيف كان بعضهم يخطئ الوقوف فيضطر إلى إعادة الفحص مرة أخرى، وقفت ولكن المجندة بقيت تشير لي بطريقة غريبة وهي تضحك، فلم أفهم عليها، فأشرت لها بيدي بحركة معناها "حلي عني مش فاهم" مما استدعى حضور أحد الأشخاص الذين يتحدثون العربية وقال لي إنني أقف على الماكينة الخاصة بالنساء، وأشار لي أن أذهب إلى الماكينة الأخرى وفعلت ذلك، يا له من أمر مؤسف، ولكن لا ضير… هي أخطاء تقع!

قطعنا هذه المسافة وخرجنا إلى ما يشبه ساحة السجن، الجنود منتشرون بشكل هندسي يحيطون بنا من كل اتجاه، يلبسون زيًا أشبه بزي شركات الأمن الخاصة، لكنهم في النهاية موجودون من أجل إطلاق الرصاص فقط، هذا ما كان ظاهرًا على وجوههم وبنادقهم المجهزة بالكاميرات وأجهزة الليزر وعيونهم التي كانت تتفحص أي حركة نقوم فيها. طال وقوفنا في تلك الساحة ونحن ننتظر حقائبنا وأغراضنا الشخصية وأحذيتنا كي نلبسها، الجميع حفاة في مشهد يدعو للضحك ولا أقول للذل، فقد تعرضنا لأشياء كثيرة فيها من الذل أضعاف ما في هذا المشهد. لذا سأتحدث عن الأمر وكأنه مشهد تلفزيوني ربما كي أتحرر من فكرة الضحية ولو مرة، هو ذل على أي حال!

قطعنا هذه المسافة وخرجنا إلى ما يشبه ساحة السجن، الجنود منتشرون بشكل هندسي يحيطون بنا من كل اتجاه، يلبسون زيًا أشبه بزي شركات الأمن الخاصة، لكنهم في النهاية موجودون من أجل إطلاق الرصاص فقط

طال الوقت ونحن نشاهد حقائبنا تمر على سلسلة طويلة وتعبر أنفاقاً وتخرج مرة أخرى وتدخل في متاهات محاطة بالكاميرات والمجسات، لقد قرب الأمر في تهامس مع بعض الأصدقاء أن المشهد يشبه مرور الرغيف وهو في عملية الإنضاج، فهو يمر عبر سلسلة طويلة من عملية التحضير حتى يصل إلى يد البائع الذي يعبئه في الأكياس ويعطينا إياه، عملية انتظار الحقائب شبيهة جدًا بتلك التي يمر فيها الرغيف، كان التشبيه مضحكاً للبعض، لقد استعنّا هناك بالضحك، فقد استغرق الأمر ساعة من الزمن حتى تمكنا جميعًا من لملمة ملابسنا وإرجاعها للحقائب بشكل أشبه بما كانت عليه، ومنا من عادت له ملابسه في الحاوية دون الحقيبة بعد مصادرتها لأنها تحتوي على الحديد أو بها عجلات صغيرة، فهذا من المحظورات التي يجب توخيها، من أتته حقيبته كان يلبس حذاءه في البداية، وبعدها يتجه لترتيب أغراضه، وبما أننا جميعًا كنا ننتظر، فقد استسلمنا للحالة الموجودة وأخذنا نعاون عامل التفتيش في ترتيب الحاويات وتوزيعها حسب الدور. إحدى السيدات كادت أن تبكي لأنها لا تستطيع ترتيب ملابسها وملابس طفلتها التي كانت تحملها على ذراعيها، لقد انتبهت للأمر عندما كادت الطفلة أن تسقط أرضًا بينما الأم تحاول لملمة شتات نفسها وهي تنتعل حذاءها وتلتفت لرجل التفتيش الذي يطلب منها أن تنهي لملمة أغراضها، فأخبرت إحدى الزميلات بأن تحمل عن السيدة طفلتها حتى تتمكن من لملمة أغراضها. وبالفعل حملت الزميلة الطفلة، وعبأت الأم الملابس في الحقيبة وأخذت الطفلة من يد الزميلة وهي تقول: "معلش غلبتك... ادعولنا ربنا يشفيها ويتوب علينا من هاد الذل!". وبكت السيدة والزميلة، أما أنا فانزويت بعيداً، فهذه المرة الأولى التي أخجل فيها من دموعي.

من غير المعقول أن كثيرين منّا لا يزالون يطالبون بأبسط حقوقهم. شاركونا ما يدور في رؤوسكم حالياً. غيّروا، ولا تتأقلموا.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

قد تبدو هذه الحقيقة ضرباً من الخيال، ولكن هناك من لا يزال يطالب بحقوقه الأساسية، كالحق في التعليم، والحق في تلقّي العلاج، والحق في العمل، والحق في الحب حتّى، وأحياناً الحق في الحياة. عليكم نعوّل. لا تكونوا مجرد زوّار عاديين، وانزلوا عن الرصيف معنا، بل قودوا رحلتنا في إحداث الفرق. اكتبوا قصصكم. أخبرونا بالذي يفوتنا. غيّروا، ولا تتأقلموا.

Website by WhiteBeard