التعليم في السعودية... خطوات متعثرة إلى الأمام

الثلاثاء 22 نوفمبر 202212:21 م

على الرغم من مساعي السعودية لتطوير قطاع التعليم بوتيرة متسارعة، إلا أن العديد من العقبات والمشاكل والأزمات لا تزال تقف حجر عثرة في الطريق، ومنها طبيعة الخطاب الديني التقليدي الذي كان سائداً.

هذا الخطاب تجذر على خلفية تداعيات الثورة الإيرانية وتزايد المد الصحوي الإسلامي، بدعم من مجموعة رجال دين سعوديين، وشهد فصلاً جديداً من الحدة بتصادمه مع السلطة الحاكمة بعد دخول قوات أجنبية إلى السعودية في بداية التسعينيات، على خلفية حرب الخليج الثانية، وانتقاد البعض احتضان أرض "مهد الإسلام" قواعدَ أمريكية.

تطلُّع إلى مستقبل مختلف

أسباب كثيرة دفعت السعودية إلى العمل على تطوير القطاع التعليمي، خاصة بعد اعتلاء ولي العهد السعودي محمد بن سلمان سدة الحكم بالسعودية، وهو المعروف بعدم إعجابه بالخطاب الديني التقليدي في بلاده.

فقد شملت رؤية 2030 التي أطلقها كل قطاعات الدولة ومنها التعليم الذي يُعَدّ قاطرة التنمية في أي دولة. وأدركت المملكة أهمية تطوير التعليم لدفع عجلة الاقتصاد وسد الفجوة بين مخرجات التعليم العالي ومتطلبات سوق العمل، والوصول بالطلاب السعوديين إلى إحراز نتائج متقدمة، وحصول التعليم على تصنيف متقدّم في المؤشرات العالمية للتحصيل التعليمي.

يشير الكاتب والمستشار‏ السابق لدى ‏وزارة التربية والتعليم السعودية محمد الشقحاء إلى أنّ التعليم في السعودية يسير وفق خطة استراتيجية معها "يتم التغلب على أمّية الكتابة بين أفراد المجتمع".

وحتى عام 2015، كانت في السعودية وزارتان: وزارة التربية والتعليم ووزارة التعليم العالي، قبل دمجهما تحت مسمّى وزارة التعليم، "تحقيقاً للترابط والتناغم والتكامل بينهما بما ينعكس إيجاباً على الارتقاء بالمخرجات التعليمية".

وإنْ كان الشقحاء يعتبر أن التعليم العام الحكومي والتعليم في القطاع الخاص يواكبان التطور والحداثة وأفكار منظمة اليونسكو وأطروحات المنظمات التابعة للأمم المتحدة، إلا أنه يلفت، في حديثه إلى رصيف22، إلى أن تطوير الكتاب المدرسي "يفرضه الواقع لمواجهة المستقبل"، وبهذا الخصوص تصيغ وزارة التعليم، من خلال كوادرها، خطة تُقدَّم إلى مجلس الوزراء الذي يعتمدها بعد مناقشتها من قِبل أعضاء مجلس الشورى وهيئة الخبراء في مجلس الوزراء.

أحد أهم التحديات التي تواجه السعودية

يُعَدّ التعليم واحداً من أهم أسس الدولة، فعليه يُبنى ما يؤمل تحقيقه في اقتصاد المستقبل، في الصناعة والتجارة والزراعة والمجال التقني، وتحرص الدول باستمرار على تطوير التعليم ومدخلاته ومخرجاته لمواكبة التغيرات التي تطرأ على العالم.

ومن هنا، ينظر الداعية الإسلامي السعودي أحمد قاسم الغامدي إلى التغيرات الحاصلة في قطاع التعليم على أنها طبيعية، "فلا يمكن أن يبقى التعليم راكداً إذا أرادت السعودية منافسة الدول المتقدمة".

ويقول الغامدي لرصيف22 إن "هناك في الوقت الحالي تنافساً معلوماتياً وتقنياً واضطرابات إقليمية وتوجهات مختلفة تجعل السعودية تسعى إلى تغيير سياستها التعليمية"، بينما لم يكن سائداً في فترة السبعينيات والثمانينات وحتى التسعينيات التوجه الحديث الموجود حالياً نحو التقنية والمعلوماتية والتصنيع والتنافس والحرص على تأسيس قوة عسكرية تحافظ على استقرار البلاد.

يعود الغامدي إلى الوراء، ويشير إلى أن التعليم في العهود السابقة في السعودية شهد تكثيفاً للجوانب النظرية على حساب الجوانب العملية، "فالحاجة إلى التعليم وكثرة الأمية في بداية قيام الدولة السعودية جعلت التركيز على الجوانب النظرية أولوية، وكان التركيز واضحاً على الجانب الديني وما فيه من تصحيح للمعتقدات والفقه والمجالات المختلفة في جوانب اللغة العربية".

أسباب كثيرة دفعت السعودية إلى العمل على تطوير القطاع التعليمي، خاصة بعد اعتلاء ولي العهد السعودي محمد بن سلمان سدة الحكم بالسعودية، وهو المعروف بعدم إعجابه بالخطاب الديني التقليدي في بلاده

لكنّ الأولويات اختلفت اليوم، يتابع، "فحاجة السوق والدولة إلى نوعية مختلفة من الكوادر يقتضي تصحيحاً للمسار التعليمي، وهذا لا يعني إلغاء شيء ضروري بل يعني تكثيف جوانب معيّنة في الجانب العلمي والعلوم التطبيقية، لأنّ السوق يحتاج إليها بشكل أكبر".

لا يرى الغامدي أن هناك اختزالاً للمناهج الدينية التي كانت سائدة في التعليم، بل هناك "تغيير نوعي لتوجيه الطلبة للاحتياجات الحقيقية والأهم والتي تمسّ ليس تطور الدولة في جوانبها المختلفة وحسب بل حتى استقراراها"، ويصف هذا التغيير بأنه "معتدل ومتوازن"، لأن "الجوانب الدينية والشرعية واللغوية يتلقاها الأطفال من صغرهم من كثير من الجهات ولا تقتصر على التعليم في المدارس، فالبيئة نفسها حاضنة لهذا الاتجاه سواء عبر الأسرة أو البيئة عموماً في المدينة وفي الأحياء أو عبر التوعية في المساجد وفي الندوات في المحاضرات، بجانب الدور الإعلامي الديني الذي تقوم به وسائل الإعلام الرسمية".

"تطرّف ليبرالي"؟

مقابل التقييمات الإيجابية لما يحدث في السعودية على صعيد تطوير مناهج التعليم، هنالك أصوات ناقدة أو متشككة. فالناشط الحقوقي والعضو السابق في النيابة العامة في الرياض محمد القحطاني يذهب إلى أنّ ما تشهده السعودية من تغيّرات على الصعيد التعليمي، هو "محاولة للهروب من حالة التطرف الديني الوهابي" التي كانت حاضرة في مواد التوحيد والفقه والتفسير، وعلى رأسها مفاهيم الولاء والبراء وما يعرف بنواقض الإسلام، إلى حالة من "التطرف الليبرالي"، تُفرض على المجتمع "بلُغة الإكراه والقوة".

ويقول لرصيف22 إن ولي العد السعودي لا يعرف خانة "الوسط"، ويتهمه باستيراد مفاهيم غربية إلى المجتمع السعودي، مضيفاً أنّ الولايات المتحدة تسعى عبر منظمات المجتمع المدني التي تدعمها في العالم العربي إلى "فرض الأفكار الليبرالية بطابعها المتطرف".

"الحاجة إلى التعليم وكثرة الأمية في بداية قيام الدولة السعودية جعلت التركيز على الجوانب النظرية أولوية، وكان التركيز واضحاً على الجانب الديني... لكنّ حاجة السوق والدولة اليوم إلى نوعية مختلفة من الكوادر يقتضي تصحيحاً للمسار التعليمي"

كما يرى القحطاني أن تطوير مسيرة التعليم في السعودية وتغيير المناهج واختزال الكثير منها تدخل في إطار مساعي بن سلمان للوصول إلى الحكم واستتباب الأمر له، ومن الممكن بعدها أن يعود إلى المربع الأول "المحافظ" ويتراجع عن الكثير من الأمور التي يدعو إليها ويعمل عليها حالياً.

وبرأيه، إن مشاريع التحديث والإصلاح التي يروج لها بن سلمان، ومنها رؤية السعودية 2030،  هدفها "الظهور أمام الغرب على أنّه مفتح على العالم والمجتمعات الأخرى".

سعي إلى خصخصة التعليم؟

تتردد مخاوف في الشارع السعودي من تطبيق خطة خصخصة التعليم التي من المنتظر أن تبدأ عام 2023، ومن تأثيراتها على العاملين في القطاع.

وكانت المملكة قد تبنت عام 2018 خطة لخصخصة التعليم بهدف "تخفيف عبء النفقات الرأسمالية عن الحكومة من خلال طرح نماذج تمويل بديلة للشراكة بين القطاعين العام والخاص"، ستعمل بموجبها المدارس الحكومية تحت اسم المدارس المستقلة، بهدف رفع مخرجات التعليم "من خلال منحها بعض الاستقلالية".

ولكن وكيل الأنظمة واللوائح في وزارة الموارد البشرية عادل اليوسف كان قد أكّد في وقت سابق أنّه لن يكون هناك تغيير في الراتب الأساسي للموظف عند الخصخصة، لمدة سنتين، وبعدها قد تُقرّ زيادة أو نقصان وفق كفاءة الموظف وإنتاجيته لدى الجهة التي يعمل فيها.

وسيخسر العاملون في قطاع التعليم الأمان الوظيفي بعد خصخصة القطاع، باعتبار أنّهم سيخضعون للتقييم والمحاسبة بخلاف المرحلة السابقة. وهذا ما يتخوف منه المعلم في إحدى مدارس مكة علي العباسي. يقول لرصيف22 إن من "سلبيات الخصخصة أنّه سيحق للمؤسسة بعد نهاية مدة العقد أن تقوم بإجراء تقييم للموظف ويحق لها فسخ العقد معه متى ما أرادت".

كما يخشى العباسي من أن تؤدي خصخصة التعليم إلى إعادة تشغيل الوافدين بعد أن تمت "سعودة" هذا القطاع بنسبة 100%.

ويبدي قلقه أيضاً من ارتفاع كلفة التعليم، "باعتبار أنّ العديد من الشركات سيكون همّها جني الأرباح أكثر من تطوير القطاع التعليمي".

آمال معقودة على الوزير الجديد

في الـ27 من أيلول/ سبتمبر 2022، أعفي وزير التعليم السابق حمد آل الشيخ من مهامه وعُيّن مكانه يوسف بن عبد الله البنيان.

ويرى الشقحاء أنّ إعفاء وزير وتعيين وزير إجراء عادي قد يكون سببه فشل واكب برنامج الخطة المعتمدة والتي تتحدث كل خمس سنوات.

ويوضح لرصيف22 أن فشل تطبيق بعض بنود أو مواد الخطة التعليمية يخلق أسئلة، وإذا لم تكن أجوبة الوزارة مقنعة يُعفى الوزير من مهامه، منوهاً إلى أنّ وزير التعليم المعفى ما زال عضواً في مجلس الوزراء كوزير دولة والوزير الجديد هو شخص تقني علمي نجح وتدرج في الإدارة الحكومية وفي القطاع الخاص.

ويأمل الغامدي أن يخطو الوزير الجديد الذي يصفه بـ"الوزير الناجح" بالتعليم إلى "خطوات نوعية كبيرة"، مذكّراً بأنه كان على رأس عمله في القطاع الخاص وحقق إنجازات متميزة على مستوى الشركات الكبرى الذي أدارها.

ويقول: "المأمول أن مسيرة التعليم مع هذا الوزير الجديد ستنتقل إلى حقبة جديدة في تطوير التعليم وهذا ما ينظر إليه جميع المراقبين المتابعين وستكون خطوة نوعية لما تقوم عليه السعودية حالياً من تغيرات نوعية تسابق وتنافس كبريات الدول، والأمل معقود على تحقيق نتائج باهرة وتغير في نوعية التعليم ليصبح ريادياً وحيوياً ومخرجاته قوية"، لكنه يستطرد: "لا يمكن أن نتحدث عن طموحات الوزير ولا يزال الحكم عليه سابقاً لأوانه فتعيينه لا يزال قريباً ولا بدّ أن يأخذ وقته".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard