السيرة النبوية بين الأدباء والإسلاميين

الخميس 17 نوفمبر 202210:18 ص

في صياغة أدبية راقية، سرد المستشرق الفرنسي إميل درمنغم رحلة الإسراء والمعراج: "استيقظ محمد على صوت يصيح به: أيها النائم قم. وقام فإذا أمامه الملك جبريل وضَّاء الجبين، أبيض الوجه كبياض الثلج، مُرسلاً شعره الأشقر، واقفاً في ثيابه المزركشة بالدرِّ والذهب، ومن حوله أجنحة من كل الألوان ترعش، وفي يده دابة عجيبة هي البراق".

ترجمة هذا النص سجلها السياسي والأديب محمد حسين هيكل (1888-1956) في كتابه "حياة محمد"، أحد أبرز كتب السيرة النبوية المثيرة للجدل بتناولها للعديد من القضايا الشائكة، منها رفض ما تنسبه كتب السيرة والحديث من معجزات حسية لنبي الإسلام.

كل أيديولوجيا تسعى إلى إبراز طابعها وتوجهاتها من خلال توظيف وقائع وأحداث السيرة النبوية لصالحها. فبينما تركز مؤلفات الإسلام السياسي على السيرة بوصفها طريقة للتربية ولإعداد الفرد المسلم وبيان الجانب التطبيقي في الدين، يتّجه المفكرون والأدباء إلى مناقشتها لتعزيز حرية البحث وتقصي الحقائق، إلى جانب إبراز الوجه الإنساني والحضاري الذي تمتع بهما النبي محمد.

إعداد حراس للعقيدة؟

متحدثاً عن توجهه، أقر الداعية الهندي أبو الحسن الندوي (1913-1999) بأن السيرة "أقوى العناصر التربوية وأكثرها تأثيراً في النفس والعقل بعد القرآن"، وبأنها "المادة الأولى التي يعتمد عليها في كتاباته" كما أنها مناسبة "لإثبات ما يريد إثباته"، وذلك بحسب كتابه "السيرة النبوية".

وفي كتابه "قصص النبيين للأطفال"، كشف الندوي عن شعوره بالخجل أمام محتوى القصص العربية التي يطالعها ابن أخيه، قائلاً: "أخجل من أنك لا تجد ما يوافق سنك من القصص العربية إلا قصص الحيوانات والأساطير والخرافات، فرأيت أن أكتب لك ولأمثالك أبناء المسلمين قصص الأنبياء والمرسلين عليهم صلاة الله وسلامه بأسلوب سهل يوافق سنك وذوقك".

معاني القصد والتوجيه كدوافع في كتابة السيرة يؤكدها الأردني نصر سلامة العتوم في مشاركة له بعنوان "أدب الأطفال عند الندوي" ضمن كتاب "أبو الحسن الندوي: بحوث ودراسات". يقول إن "في كل قصصه عن الأنبياء وحكاياته عن التاريخ الإسلامي دعوة إلى الجهاد وحب الاستشهاد وترغيب الطفل في الشهادة في سبيل الله، لأن الجهاد في سبيل الله هو المخزون الفعلي للطاقة الإسلامية من أشبال الإسلام الذين هم حراس العقيدة وحماة الديار"، وفي ذات السياق، أكد أن "هؤلاء الأطفال يعلنون الحاكمية لله في الأرض".

خلافاً للإسلام السياسي، حرص هيكل في "حياة محمد" على إفساد خطة "القضاء على الروح المعنوية في هذه البلاد بالقضاء على حرية الرأي وحرية البحث ابتغاء الحقيقة". ورغم تركيزه على حرية البحث، فإن جرأته أدخلت القلق إلى نفسه، فقد خشي مما "قد يقوم به أنصار الجمود والمؤمنين بالخرافات من ضجة".

إنسانياً وحضارياً، نظر الأديب المصري عبد الرحمن الشرقاوي (1920-1987) إلى النبي في كتابه "محمد رسول الحرية" نظرة لخّصها بقوله: "أردت أن أصور قصة إنسان اتّسع قلبه لآلام البشر ومشكلاتهم وأحلامهم، وكوّنت تعاليمه حضارة زاهرة خصبة أغنت وجدان العالم كله لقرون طويلة"، مشدداً على ضرورة "إعادة تقييم تراثنا. إلى إحياء ما هو إنساني فيه ونشره على العالم".

نصيب للعقل وحصة للخيال

حرص المفكر والأديب المصري طه حسين (1889-1973) على أن تخاطب بعض مؤلفاته عن التاريخ الإسلامي وجدان وذائقة القراء مثل "على هامش السيرة" و"الوعد الحق"، فيما يخاطب بعضها الآخر العقل والمنطق مثل "الفتنة الكبرى".

في كتابه "على هامش السيرة"، اتّجه طه حسين إلى إحياء قصص العرب المتداولة في زمن البعثة بوصفها أدباً قديماً ممتعاً، دون التركيز على مدى صحتها. وبحسب الكتاب المذكور فإن هذا الأدب فيه قوة خاصة تضمن للناس لذة وقدرة على الوحي والإلهام، إذ إن "أحاديث العرب الجاهليين وأخبارهم لم تُكتب مرةً واحدة، ولم تُحفظ في صورة بعينها، وإنما قصها الرواة في ألوان من القصص، وكتبها المؤلفون في صنوف من التأليف".

"استيقظ محمد على صوت يصيح به: أيها النائم قم. وقام فإذا أمامه الملك جبريل وضَّاء الجبين، أبيض الوجه كبياض الثلج، مُرسلاً شعره الأشقر، واقفاً في ثيابه المزركشة بالدرِّ والذهب، ومن حوله أجنحة من كل الألوان ترعش، وفي يده دابة عجيبة هي البراق"

ولا يغفل المؤلف موقف الحداثيين والعقلانيين. في ذات الكتاب يكتب: "أعلم أن قوماً سيضيقون بهذا الكتاب؛ لأنهم محدَثون يُكْبِرون العقل"، موضحاً أن "هذه الأخبار والأحاديث إذا لم يطمئن إليها العقل، ولم يرضها المنطق، ولم تستقم لها أساليب التفكير العلمي، فإن في قلوب الناس وشعورهم وعواطفهم وخيالهم وميلهم إلى السذاجة، واستراحتهم إليها من جهد الحياة وعنائها، ما يحبب إليهم هذه الأخبار ويرغّبهم فيها، ويدفعهم إلى أن يلتمسوا عندها الترفيه على النفس حين تشق عليهم الحياة".

خلافاً لكتابه "على هامش السيرة"، جاء كتابه "الفتنة الكبرى"، بجزئية، ليقرأ الأحداث متجرداً من النزعات والعواطف، وبحسب تعبيره: "هذا حديث أريد أن أُخْلِصَهُ للحقِّ ما وسعني إخلاصه للحقِّ وحده، وأن أتحرَّى فيه الصواب ما استطعتُ إلى تحرِّي الصواب سبيلاً، وأن أَحْمِلَ نفسي فيه على الإنصاف لا أَحِيدُ عنه ولا أُمَالئ فيه حزباً من أحزاب المسلمين على حزب"، بحسب مقدمة الجزء الأول.

رواية الخوارق والمعجزات

في انحياز إلى المعجزات الحسية، شدد الإسلام السياسي على رواية قصص الخوارق، ربما للتأكيد على التدخلات الإلهية الحاسمة في الحياة اليومية للبشر. ويستمر التخويف من هذه التدخلات، وهو ما تدعمه رواية الخوارق والمعجزات التي قام بها الأنبياء أو الأولياء والصالحين.

مثلاً، ينقل الندوي المعجزات في كتابه "السيرة النبوية" دون مناقشة أو تعليق، وكذا ابن موطنه صفي الرحمن المباركفوري، مؤلف كتاب "الرحيق المختوم"، إلى درجة وضعه لعنوان "إبليس ينسحب من ميدان القتال" للحديث عن قصة ظهور الملائكة في غزوة بدر دعماً للمسلمين.

المعجزة في "حياة محمد"

مكانة خاصة أتاحها هيكل في كتابه "حياة محمد" لإبراز رؤيته لقضية المعجزات. فبحسب كتابه، "لم يرد في كتاب الله ذكر لمعجزة أراد الله بها أن يؤمن الناس كافة، على اختلاف عصورهم برسالة محمد إلا القرآن الكريم".

اعتمد هيكل رؤية وقائع السيرة في شكلها المنطقي. مثلاً، في ميلاد النبي، وضعت آمنة طفلها كأي أنثى. وقبل ذلك، أشار إلى أن هلاك جيش أبرهة في قصة أصحاب الفيل أتى نتيجة "وباء الجدري" الذي "تفشى بالجيش وبدأ يفتك به". وفي قصة "الإسراء والمعراج"، اتجه إلى إميل درمنغم لينقل عنه التصوير الأدبي للرحلة العجيبة، مضيفاً عليها رأيه الأقرب إلى الصوفية وهو أن الحادثة تواصل كوني روحاني بين النبي وبين الوجود في أعلى درجاته، مشدداً على حق المؤرخ في أن يسأل عن "مبلغ التدقيق والتمحيص في أمر ذلك كله، وما يمكن أن يسند منه إلى النبي بسند صحيح وما يمكن أن يكون من خيال المتصوفة وغيرهم".

حرص طه حسين على أن تخاطب بعض مؤلفاته عن التاريخ الإسلامي وجدان وذائقة القراء مثل "على هامش السيرة" و"الوعد الحق"، فيما يخاطب بعضها الآخر العقل والمنطق مثل "الفتنة الكبرى"

وفي حادثة سراقة بن مالك، سرد هيكل الواقعة بشكل منطقي هكذا: "كان جواد سراقة قد كبا به قبل ذلك مرتين لشدة ما جهده، فلما رأى الفارس أنه وشيك النجاح وأنه مدرك الرجلين فرادُّهما إلى مكة أو قاتلهما إن حاولا عن نفسيهما دفاعاً، نسى كبوتي جواده ولزه ليمسك بيده ساعة الظفر، ولكن الجواد في قومته كبا كبوة عنيفة ألقى بها الفارس من فوق ظهره يتدحرج في سلاحه، وتطيّر (تشاءم) سراقة وألقي في روعه أن الآلهة مانعة منه ضالته".

العقيدة فوق كل إخاء

الجاهلية هي أبرز فكرة استفادها الإسلاميون من السيرة وطورها سيد قطب (1906-1966) وباتت مرتبطة باسمه. في كتابه "السيرة النبوية"، يصف الندوي الإنسانية زمن البعثة النبوية بأنها كانت "في طريق الانتحار، وكان الإنسان في هذا القرن قد نسي خالقه فنسي نفسه ومصيره وفقد رشده وقوة التمييز بين الخير والشر". وهو نفس الوصف الذي سجله في كتاب "ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين؟"، إذ يلاحظ فيه أن حاجة العرب إلى نبي قديماً تماثلها حاجة العالم للمسلمين حديثاً.

وعن هذه الجاهلية التي جرى وصف العصر الحديث بها، يرى الداعية أبو الأعلى المودودي أن جاهلية الشرك "وثبت على عامة الناس وعدلت بهم عن جادة التوحيد إلى ملاوي الضلال المتشعبة"، بحسب كتابه "موجز تاريخ تجديد الدين وإحيائه".

غير الجاهلية، تُلاحَظ المغالاة في الحديث عن الجهاد وطلب الشهادة وصولاً إلى امتداح تجنيد الأطفال. يسرد الندوي قصة عمير بن أبي وقاص (16 عاماً) الذي بكى حتى خرج للقتال فقُتل، تحت عنوان "تنافس الغلمان في الجهاد والشهادة"، ويحكي قصة فتيين حديثي السن يسألان عن أبي جهل لقتله تحت عنوان "مسابقة الإخوة في قتل أعداء الله ورسوله".

يتربص الإسلاميون بالسيرة حينما يرفعون شعار مفاده أن العقيدة هي الأخوة البديلة لأخوة الرحم والدم، متجاهلين رفض النبي قتل عمه العباس في بدر. هكذا، يقول الندوي إن "إخاء العقيدة فوق كل إخاء"، مستشهداً بقصة مصعب بن عمير الذي رأى أخاه بين أسرى غزوة بدر، فأوصى حارسه أن يُحكم وثاقه، وحينما سأله: يا أخي هذه وصاتك بي؟ رد مصعب: إنه أخي من دونك.

المؤرخ الليبي الإسلامي علي الصلابي وضَّح أن ابن نوح لم يعد من أهله لمفارقته الدين، فـ"آصرة العقيدة هي أساس الارتباط"، وذكر أيضاً: "حصر الإسلام الأخوة والموالاة بين المؤمنين فقط" مستكملاً: "وقطع الولاية بين المؤمنين والكافرين من المشركين واليهود والنصارى حتى لو كانوا آباءهم أو إخوانهم أو أبناءهم".

عمل حضاري عظيم

يزداد إعجاب المثقفين والأدباء بوقائع السيرة النبوية كلما كانت تحتوي دلالات حضارية وعقلية وإنسانية. مثلاً، نلاحظ هيكل يسجل إعجابه بموقف النبي من تزامن كسوف الشمس مع وفاة ابنه إبراهيم، فلم يستغل جهل الناس ويتمادى معهم في كونها كُسفت لوفاة ابنه.

ووفقاً لكتابه "حياة محمد" تساءل هيكل: "أتُرى فرط حبه لإبراهيم وشديد جزعه لموته قد جعله يتعزى بسماع مثل هذه الكلمة؟ أو يسكت على الأقل عنها أو يعذر الناس، إذ يراهم مأخوذين بما يحسبونه المعجزة؟ كلا فمثل هذا الموقف إنْ لاق بالذين يستغلون في الناس جهالتهم أو لاق بالذين يُخرجهم الحزن عن رشادهم، فهو لا يليق بالنزيه الحكيم، فما بالك بالرسول الأعظم؟".

وأثار اعتراف النبي وتقديره للخصوم إعجاب عبد الرحمن الشرقاوي فذكر أنه بعد الانتصار في بدر "وعلى مشارف المدينة أقبلت وفود القبائل الموالية لمحمد تهنّئه بالنصر، فقال لهم رجل من صحبه في زهو الانتصار: ما الذي تهنئوننا به؟ إنْ لقينا إلا عجائز صلعاً كالأبل فنحرناها. وكره محمد من صاحبه هذا الصلف فقال: أي ابن أخي أولئك الملأ". والملأ وصف يُطلق على طبقة قرشية تجتمع في دار الندوة.

أما شوقي ضيف، فقد سجل العديد من المواقف المفضلة في كتابه "محمد خاتم المرسلين" منها فداء الأسرى مقابل تعليم الصبية الكتابة، حيث وصفها بـ"عمل حضاري عظيم"، وأعجب بتواضع الرسول فذكر: "ولم يحط الرسول نفسه بأي هالة قدسية طوال رسالته ولا حاول أن يقوم بمعجزة سوى معجزة القرآن ودائماً ما يقرر أنه ليس إلا بشراً مثل أي صحابي".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard