اللهجات السورية وجه لتنوّع جميل... وآخر لخطاب كراهية يتمدد

الثلاثاء 20 سبتمبر 202204:06 م

الحسكة هي المدينة العربية الوحيدة ربما التي يتحدث سكانها أكثر من لهجة عربية، كما أنها كمحافظة تقع في شمال شرق سوريا، وقد تكون الوحدة الإدارية الوحيدة في العالم العربي التي يتحدث سكانها الأصليون أكثر من لهجة، نتيجة تحدّرهم من أكثر من عرق، ما نتج عنه بطبيعة الحال تنوّع في الموروث الشعبي وغنى في التراث اللا مادي.

توصيف الأمر بدقة أني حين كنت أتجه لزيارة أو لعمل، من حيّنا الذي يتحدث سكانه بلهجة محافظة دير الزور، إلى حي الصالحية مثلاً، كنت أسمع هناك اللغة الكردية، ولغةً عربيةً بلهجتين على الأقل، الأولى هي "اللهجة الشاوية" (لهجة العامة التي أخذت اسمها من تسمية "شوايا" التي تُطلق على مجموع العشائر العربية التي تسكن حوض الفرات والجزيرة العليا)، واللهجة الثانية هي "الخاتونية"، وهي نسبة إلى عشيرة الخواتنة العربية، التي بالرغم من أنها من الشوايا، غير أن لها لهجةً متفردةً، ومثلها عشيرتا "شمّر"، و"الشرابيين".

وإذا توجهت إلى وسط المدينة، سأتحدث إلى أناس ينطقون باللهجة "الميردلية"، وهي منسوبة إلى منطقة "ماردين" التركية، والتوصيف منذ انتهاء الحرب العالمية الأولى إذ كانت سوريةً قبل ذاك، وفي وسط المدينة ما تزال لغات مثل "السريانية والكلدانية" حيةً بنسبة ما، وإن كانت محصورةً في الكنيسة فإن ذلك لا يعني مطلقاً أنها باتت لغات دينيةً وحسب، والتوجه نحو غرب الحسكة سيجبرني على المرور بمجموعة قرى يُطلق عليها مسمى "قرى الخابور"، وينقسم سكانها بين الآشوريين، الذين يحافظون على استخدام لغتهم في المسائل الحياتية اليومية، وعلى طقوسهم العرقية مثل الاحتفال برأس السنة الآشورية في تجمّع كان يقام بالقرب من "جبل عبد العزيز"، ولكونهم يدينون بالمسيحية فهم يقيمون أعيادهم الدينية بشكل اعتيادي، والقسم الآخر هم من الشوايا، الذين يتحدثون باللهجة الاعتيادية لهذه الشريحة من السكان.

حين كنت أتجه لزيارة أو لعمل، من حيّنا الذي يتحدث سكانه بلهجة محافظة دير الزور، إلى حي الصالحية مثلاً، كنت أسمع هناك اللغة الكردية، ولغةً عربيةً بلهجتين على الأقل،  "اللهجة الشاوية" واللهجة "الخاتونية"

حين أوغِل أكثر نحو الغرب، وأصل إلى مدينة رأس العين، حيث منابع نهر الخابور، سألتقي بسكان من "الچيچان"، أو "شيشانيين"، يتحدثون العربية بالرغم من تداولهم لغتهم الأم، وأذكر جيداً تباين المسميات واللفظ والعادات والتقاليد والأغاني والدبكات، لكن الأمر لم يصل يوماً إلى حدّ التنمر أو تبادل لغة الكراهية بين سكان هذه المحافظة قبل الحرب.

اللهجات السورية

لا يوجد عدد واضح للّهجات المتداولة في سوريا، سوى تلك اللهجات العامة "الشامية والحلبية والإدلبية والحورانية والدرزية والديرية والشاوية ولهجات الساحل"، لكن أبناء هذه اللهجات يختلفون في ما بينهم في اللهجة، فمثلاً تتميز اللهجة الشاوية بلفظ القاف كافاً، كقول الفرد "وگف"، بدلاً من "وقف"، أو جيماً كقول المرء "چدور"، بدلاً من "قِدور"، وهناك مفردات يُقلَب فيها حرف الغين قافاً كقول "قسالة"، بدلاً من "غسالة".

هناك اختلافات أساسية بين اللهجات السورية تقوم في أولها على حرفي القاف والتاء المربوطة، ففي الشامية تُلفظ القاف ألفاً أو لنقل "همزةً"، وفي الحلبية تفخَّم القاف فتبدو وكأنها مضمومة أو مشدَّدة، وفي الديرية تأتي ثقيلةً ومضمومةً كأنها تبلع ما بعدها كقوله "قتوله"، بدلاً من "قلت له"، وفي الساحل هناك من يلفظها قافاً صريحةً ومن يلفظها ألفاً مضمومةً نسبياً، ويبدو الاختلاف واضحاً في أسماء الإشارة أكثر من غيرها، فعلى سبيل المثال "هذا هو"، هي "شعّو أو شحّو" بالشامية، و"كوه نيه" بالحلبية، و"ليك لو" باللاذقانية، "وهذين نو" بالديرية، وتأتي بلفظ مفخّم بالحورانية يصل إلى حد لفظ الذال ظاءً فيكون اللفظ "هاظ هو".

ويُبنى الاختلاف أيضاً على مسميات الأشياء، فمجفف الشعر هو "سيشوار" في معظم مناطق سوريا، لكنه "إستشوار" في درعا ومناطق من ريف حلب الشرقي وريف الرقة الغربي، وهذا التباين في مسمّى مجفف الشعر كان سبباً لتأجج خلاف بين رواد مواقع التواصل الاجتماعي في سوريا، عقب ظهور فتاة من درعا في تقرير بثه التلفزيون السوري عن مشروع صالون نسائي، وعند حديثها عن مجفف الشعر ونطقها بلفظ "إستشوار"، نسي حتى بعض الصحافيين أن يقفوا على الآلية السيئة والتنفيذ الخطأ للتقرير، ولم يسأل أحد عن جدوى مثل هذا التقرير وشغله مساحةً من البث الرسمي، وصار لفظ "إستشوار"، قضيةً وصلت إلى حد التنمر وتبادل خطاب الكراهية.

من أين جاءت العامية؟

يقول ياسين عبد الرحيم، في كتابه "موسوعة العامية السورية"، ما حرفيته: "تتمثل صعوبة معرفة أصل الكلمات المشتركة بين العربية وغيرها من لغات العائلة السامية، خاصةً في الألفاظ المتبادلة بين العربية والآرامية أو وريثتها السريانية، لما بينهما من التداخل بحكم المجاورة منذ زمن ما قبل الهجرة النبوية والإسلام وانتشار العربية أكثر، وبحكم انتشار الآرامية على اختلاف لهجاتها في ما يُصطلح عليه جغرافياً بـ’بلاد الشام والعراق’ كلها، وقد تفرعت منها لهجات غربية كالآرامية الفلسطينية والنبطية في ‘بترا وتدمر’، وشرقية كآرامية التلمود البابلي وآرامية الصابئة (المندائية أو المندعية) في جنوب العراق، واللهجة السريانية التي تفرعت منها وازدهرت في مدينة "الرها" منذ ما قبل السيد المسيح ثم دخلتها المسيحية منذ القرن الأول".

ويضيف: "أثّرت الآرامية في العربية تأثيراً عظيماً بألفاظها المتعلقة بالصناعة والطب والكتابة، وبما توسطت في نقله إلى العربية من الأقوام الأخرى، كما أثّرت خاصةً في المصطلحات الزراعية التي أخذ العرب معظمها حتى أن علم الزراعة ظل إلى وقت طويل بعد الإسلام يُسمّى عند العرب: الفلاحة النبطية".

أثّرت الآرامية في العربية تأثيراً عظيماً بألفاظها المتعلقة بالصناعة والطب والكتابة، وبما توسطت في نقله إلى العربية من الأقوام الأخرى، كما أثّرت خاصةً في المصطلحات الزراعية

في الاقتراض اللغوي بين العربية والسريانية، يقول الباحث مار غناطيوس يعقوب، في بحث اقتبس منه عبد الرحيم، لموسوعته المذكورة سابقاً، إن هناك الكثير من الألفاظ التي "يتبدل فيها حرف السين شيناً في العربية، وبالعكس، نحو شمس التي تُلفظ ‘شمش’، في السريانية ‘chemcha’، ونفس التي تلفظ ‘نفشا’ nafcha، ومثلهما رأس التي تُلفظ ‘richa’، وحالة التداخل الشديد بين العربية والسريانية، تُعدّ حالةً قديمةً لا يُعرف على وجه التحديد زمن بدئها، ويذهب أبو العلاء المعري في الصفحة 31 من كتابه "اللزوميات"، إلى القول على لسان آدم أبي البشر: "إنما كنت أتكلم بالعربية وأنا في الجنة، فلما هبطت إلى الأرض نقل لساني إلى السريانية فلم أنطق بغيرها إلى أن هلكت".

السند التاريخي

لا يوجد سند تاريخي يمكن الاعتماد عليه كنقطة لظهور اللهجات المحكية في سوريا تحديداً، فبعض المراجع تعيد الأمر إلى تلاقح بين اللغات القديمة، مثل الآرامية والعربية الفصحى، بُعيد سيطرة العرب على المنطقة بفعل التمدد الجغرافي للعرب من شبه الجزيرة العربية في فترة تُعرف عربياً باسم "الفتوحات الإسلامية"، لكن العرب أنفسهم يتهمون السنوات الأربعمئة التي خضعوا فيها للسلطنة العثمانية بالتسبب في تشويه اللغة وتحريفها ومحاولة تتريك بعض من مفرداتها، حتى أن بعض أدوات المطبخ في سوريا تحمل مسميات تركيةً إلى اليوم، مثل مدرج الخشب الخاص بترقيق العجين ويُعرف باسم "شوبق-شوباك"، وأداة غرف المرق من القدر تُعرف باسم "كماية"، وتلك التي تُستخدَم لالتقاط اللحم أو الخضار من القدر من دون أن يأخذ شيئاً من المرق، والتي تأتي دائرية الشكل بثقوب واسعة ومقبض طويل، وتُعرف باسم "كفكير".

في شرق سوريا، تُلفظ الكاف جيماً مفخمةً فتغدو "جفجير"، ناهيك عن أسماء بعض العوائل مثل "عبه جي وبقجه جي"، وخلال هذه القرون الأربعة تحورت وحُرّفت وقُلب لفظ حروف بعض الكلمات، حتى بدا شكل اللهجات المحكية كما هو الآن، لكن هذا الاتهام منقوص الدليل، فلو صح الأمر لكانت كل الدول العربية التي احتلها الأتراك على ذات اللهجة أو اللكنة، غير أن اللهجات العراقية تختلف جذرياً عن السورية والمصرية والخليجية، وكل من هذه اللهجات تستند في أسسها إلى قراءة عربية من القراءات السبع التي كانت عليها "الفصحى"، قبل نزول القرآن بما يُعرف باسم "قراءة قريش"، أو "لغة قريش"، فمثلاً سكان بعض الدول الخليجية يقلبون في لفظهم الجيم إلى ياء، كما هو الحال في قراءة "قبيلة حمير" للّغة العربية، وكون القرآن نزل بلغة قريش فالأمر لا يعود إلى كونها الأكثر فصاحةً بقدر ما هو متعلق بكون النبي محمد من قريش ذاتها.

في شرق سوريا، تُلفظ الكاف جيماً مفخمةً فيغدو الكفكير "جفجير"، ناهيك عن أسماء بعض العوائل مثل "عبه جي وبقجه جي"، وخلال أربعة قرون تحورت وحُرّفت وقُلب لفظ حروف الكلمات، حتى بدا شكل اللهجات المحكية كما هو الآن

وعليه، فإن تطور اللسانيات واللغات حتى وصولها إلى شكلها الحالي هو نتاج طبيعي لامتداد زمن استخدامها وتلاقحها مع لغات أخرى، فالسوريون يستخدمون لفظ "منرفز" للدلالة على حالة التوتر لدى شخص ما، وهي من كلمة "نيرفز" الإنكليزية التي تعني المتوتر، كما يستخدم سكان بعض المناطق الشرقية من سوريا لفظ "مهورن"، للدلالة إلى حالة هياج جنسي عند الحيوان أو الإنسان، وهي كلمة مشتقة من "هورني" الإنكليزية، وتعني الهياج الجنسي، ومثلها كلمة "مارش"، التي تُطلق على جهاز تشغيل السيارة، والذي يعطي المحرك حركته الأولى، وهي من الكلمة الفرنسية "مرشيه"، والتي تعني الحركة، وعليه فإن المحكية في سوريا نتاج تلاقح بين العربية ولغات أقوام سيطرت عليها بعد انهيار الدولة العباسية وصولاً إلى يومنا هذا.

هناك عدد من المعاجم العامية التي يمكن العودة إليها لاكتشاف حجم التداخل بين اللغات السامية ومؤثرات المحيط على ما نتحدث به اليوم من لغة محكية في سوريا، ومن المؤكد أن هناك معاجم تهتم بمحكيات بقية الدول العربية، ومن أهم المعاجم المختصة بمحكية الشام: "معجم ألفاظ العامية اللبنانية" لأنيس فريحة، و"معجم رد العامي إلى الفصيح" للشيخ أحمد رضا، و"الدليل إلى مرادف العامي والدخيل"، لرشيد عطية، و"قاموس المصطلحات والتعابير الشعبية" لأحمد أبو سعد، و"غرائب اللغة العربية" للأب رفائيل نخلة اليسوعي، والذي له أيضاً معجم "غرائب اللهجة اللبنانية السورية".

كراهية اللهجة... أثر الحرب؟

لغالبية السوريين عزيز قُتل في الحرب، وخطاب الكراهية نتاج وجود فعل القتل مع جهل الفاعل، فمن قُتل له قريب أو حبيب في أي منطقة، بنى نوعاً من الكراهية في داخله تجاه المنطقة تلك، وتالياً عنده كراهية تجاه كل ما يرتبط بها من بشر وحجر، وعلى هذا الأساس ستكون اللهجة واحدةً من خصائص المنطقة التي سيمارس تجاهها الكراهية، فما أن يسمعها حتى يتبادر إلى ذهنه أن يسخر منها بشتى الوسائل المتاحة في محاولة لإرضاء إحساسه بالكراهية تجاه المنطقة.

هذا الخطاب المعادي بدأ يتحوّل إلى واقع في أرجاء سوريا كافة، حتى صار في مكان يولّد خوفاً لدى كثيرين حين يتنقلون من منطقة إلى أخرى، وهو إحدى المسائل التي يجب أن تكون أولويةً لدى المنظمات ومؤسسات المجتمع المدني النشطة في سوريا، بحيث يتم ترويض خطاب الكراهية كخطوة أولى لنبذه بشكل نهائي، ولا يكون لدي كفرد مبرر لممارسة هذه الكراهية تجاه لكنة منطقة قُتل فيها أخي، فسكان هذه المنطقة ليسوا كلهم "قاتل أخي"، وممارستي كفرد لخطاب الكراهية ضمن مجموع ممارسيه سيعني بالضرورة استمرار الحرب حتى وإن هدأ الرصاص.

لعل التقرير الذي ظهرت فيه فتاة من درعا استخدمت لفظ "إستشوار"، بدلاً من "سيشوار"، خير دليل على تحوّل اللكنة إلى سبب من أسباب التنمر واستخدام خطاب الكراهية بين السوريين

في النموذج الذي شهدته سوريا من الحروب، يكون أثر الحرب غير المباشر وامتداده مجتمعياً يوازيان في خطورتهما أثر الحرب المباشر، وسيحرضان حتماً على جرائم قائمة على الانتقام والثأر على أساس مناطقي، والتنمر والتشهير والقدح والذم أشكال من هذه الجرائم، ولعل التقرير الذي ظهرت فيه فتاة استخدمت لفظ "إستشوار"، بدلاً من "سيشوار"، خير دليل على تحوّل اللكنة إلى سبب من أسباب التنمر واستخدام خطاب الكراهية بين السوريين.

يردد يعرب العيسى، وهو واحد من صحافيي سوريا الذين ما زالوا يحاربون خطاب الكراهية، جملتين بهيتين، الأولى يقول فيها: "قوة سورية وأهميتها في تنوعها"، والثانية يشير فيها إلى التنوع الجغرافي والبيئي والثقافي بقوله: "210 كيلومترات فقط تفصل بين شجرة الكستناء في جبل الحلو، وشجرة النخيل في تدمر"، والقصد هنا أن شجرة الكستناء التي تحتاج إلى بيئة باردة نسبياً لتنمو وتثمر لا تبتعد كثيراً عن شجرة النخيل التي تحتاج إلى جوّ حار جداً لتنمو وتثمر أيضاً، وكلاهما في سوريا.

وفي سوريا يعيش من يمتلكون ثقافةً زراعيةً تقوم على استثمار الأشجار المثمرة وصناعة النبيذ، وآخرون يزرعون النخل، وثقافة ثالثة تقوم أعمالها الزراعية على زراعة الحبوب وتربية المواشي، وبتنوع هذه الثقافات زراعياً هناك تنوع في الطقوس الموازية للزراعة، من غناء ورقصات، ويعرب العيسى نفسه يختصر وجهاً من أوجه التنوع السوري بقوله: "السوريون يصنعون من الباذنجان 160 طبقاً مختلفاً تمتد من المخلل وحتى المربى".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard