لماذا لا أستطيع الكتابة عن الفرح؟

السبت 10 سبتمبر 202201:07 م

"لا أستطيع أن أكتب عن الفرح" هذا كان الجواب الذي حصلت عليه عندما سألت أحد الأصدقاء الكتّاب الذين أعرفهم عن السبب الذي يمنعه من الكتابة عن الفرح، مع أنه شعر به منذ فترة ليست بالقصيرة. هو سؤال طُرِح عليّ ولكنّي حينها لم أعرف الإجابة. لذلك، مررته على أغلب الكتاب الذين أعرفهم. على الرغم من ذلك، لم أحصل على أية إجابة منطقية تكفيني لكيلا أواصل البحث عن أي إجابة أخرى. 
الفرح تلك القيمة الصعبة التي لم أستطع في أي فترة قريبة من الحديث عنها لمدة تزيد عن يوم واحد، كل المشاعر المرتبطة بتلك القيمة تنتهي وكأنها موجودة في كل فترة لكي تثبت وجود تلك المشاعر أو تسجّل حضورها فقط. ولكنها لم تملك القدرة بأن تجعلني أكتب عنها. عرفت الفرح خلال الفترات الماضية مرّات قليلة. بالنسبة لي، كان تأثيره كبيراً نظراً لندرته في حياتي ولكن من الممكن أن يكون هذا الفرح بالنسبة لأشخاص آخرين تفصيلاً عادياً يجدونه في كل يوم.

ما الذي استقبلناه اليوم حتى اختفت من أجلها استمرارية المشاعر الجميلة؟ ما العوائق التي وجدت في طريقنا لنصل إلى هذا الثبات من المشاعر المأسوية ويفيض بها قلمنا سرداً؟

الفرح يغمرني عند نشر مقال لي. يأتيني عند ورود رأي من أي شخص في الأعمال التي أقوم بها. عرفت الفرح عن طريق شخص أعطاني من اسمه نصيبي. هو امتلك نصيبه الشخصي ولكنه استطاع أن يعطيني الفرح منذ أول يوم عرفته. قدوم شقيقتي من نصف العالم الآخر لتودعني قبيل سفري وكأننا نؤكد لأنفسنا أننا، كسوريين، لا يمكننا اللقاء في ظروف طبيعية أو أوقات طبيعية. زفاف أصدقائي المقربين في القاهرة، ليكون أكثر الأحداث فرحاً بالنسبة لي خلال فترة إقامتي في مصر إلى الآن. ليست المشكلة بعدم توافر الأسباب أو القصص التي تنشر الفرح وإنما المشكلة بعدم استمراره أو أن يأخذ مكانه ووقته الطبيعي كمشاعر يعيشها الإنسان في أي حالة كانت. 
في أغلب الأوقات، كان من الممكن أن يكون الفرح ضمن اللحظات التي قمت بذكرها هو شعور يدفعني إلى التحدث عنه لكل شخص أصادفه. سعادتي تكون في بداية الأمر أشعر بها وكأنني أحلّق  ولكن بعد ساعات عديدة يكون الحديث بشكل اعتيادي.
ما الذي استقبلناه اليوم حتى اختفت من أجلها استمرارية المشاعر الجميلة؟ ما العوائق التي وجدت في طريقنا لنصل إلى هذا الثبات من المشاعر المأسوية ويفيض بها قلمنا سرداً؟ لم نكن في أي يوم من الأيام نحتوي على كل هذا الحزن ولا كل هذه الميول لقضاء الوقت وحيدين ضمن إطار تملأه الأغاني والأفلام ذات النمط الكئيب، حتى المسلسل الأميركي الكوميدي Friends الذي كان أحد أهم العناصر الأساسية لرسم ضحكة ما في وقت كئيب أصبح اليوم جزءاً من يومي الكئيب. أتابعه لأمرر الوقت دون أن أفكر بلحظة الحزن التالية أو بالخطوة التالية أو بكل عناصر ومشاعر الحياة القادمة.

ليست المشكلة بعدم توافر الأسباب أو القصص التي تنشر الفرح وإنما المشكلة بعدم استمراره أو أن يأخذ مكانه ووقته الطبيعي كمشاعر يعيشها الإنسان في أي حالة كانت

عند بداية كتابتي هذه المادة، كان عنواني سيكون " لنحاول ولو لمرة أن نكتب بفرح أو عنه"، ولكنني لم أستطع سوى أن أتجه به نحو النقيض تماماً. هل هذا ما يسمّونه الاكتئاب؟ هل الفرح اللحظي هو أحد أعراض الاكتئاب؟ هل فقدان الفرح هو سمة أساسية لوصف جيلنا؟
حتى كل ما يقدّم اليوم تحت مسمى "التنمية البشرية" لم يمتلكوا القدرة في تقديم أي إضافة لجيل وجد في ظروف مأساوية. حتى مقاطع الفيديو التي تلقى الصدى هي فيديوهات ألوانها أبيض وأسود والموسيقى الخاصة بها تكون هاربة من مأتم ما. نذهب دوماً إلى الحلول التي من شأنها أن توقف تفكيرنا لفترة زمنية محددة.  لم نعد نملك الكثير من الحلول للاستمرار. لكل حدث سعيد نهاية سريعة. أجد نفسي أمام خيارين: إمّا أن أتحلى بالرضا ضمن كل هذه المتغيرات أو القضايا لأمضي وأنسى لفترة بأن من حقي أن أعيش بفرح، أو أن أحاول أن أمحو ذاكرتي وأبدأ بتكوين ذاكرة جديدة تخلو من كل ما يمكنه أن يعكر صفو المشاعر الجميلة. 

هل فقدان الفرح هو سمة أساسية لوصف جيلنا؟

حتى عندما حاولت أن أكون سعيداً نوعاً ما بأن في سوريا يحاولون التواصل مع فنانين وموسيقيين عالميين للقدوم من أجل إقامة حفلات ليشعر بها الشعب بأنه ضمن الأجواء التي يعيشها العالم ونشاطاته المختلفة، وجدت أمامي خبراً مفاده أن دار الأوبرا السورية أعلنت عن حفلة للمطرب القدير هاني شاكر.  حينها، اقتنعت بأن كل محاولاتنا للسعادة سيكون مقابلها نهاية كئيبة وكأن الشعب السوري اليوم بحاجة لأن يسمع "عيد ميلاد جرحي أنا". حديثي لا يعتبر انتقاصاً من قيمة الفنان ومسيرته، ولكنه بالطبع سيعطي جرعة اكتئاب زائدة لشعب يبحث عن الفرح في كل تفصيل يمكن أن يجده فيه، ولكن يبدو أنه حتى تلك التفاصيل بعيدة عنا كليّاً.
سأحاول دائماً أن أستعيد قدرتي في الكتابة عن الفرح. سأحاول بكل ما أملك أن أجمع كل لحظات الفرح في مكان واحد وورقة واحدة، ولكن يبدو أن كل "المهدئات والحبوب المخدرة" التي تنتشر اليوم لا يمكنها أن تقدّم الفائدة في نسيان كل ما استقبلناه من حزن. 

بعد كل ما راودني من أفكار وتخيلات، أعتقد أن الجواب عن السؤال "لماذا لا نستطيع الكتابة عن الفرح؟" هو أن الفرح بحاجة إلى شعوب أقل ضرراً منّا ومجتمعات أقّل تعقيداً

بعد كل ما راودني من أفكار وتخيلات، أعتقد أن الجواب عن السؤال "لماذا لا نستطيع الكتابة عن الفرح؟" هو أن الفرح بحاجة إلى شعوب أقل ضرراً منّا ومجتمعات أقّل تعقيداً، أو أنه بحاجة إلى جيل قادم لا يملك أي ذاكرة تحوي حزناً ما، لأن ما مررنا به كفيل بأن يجعل منا مثالاً دائماً للحزن. ولكنّي ما زلت مقتنعاً بأن هذا الوقت سيمضي، لأني أثق بمحمود درويش عندما أخبرنا: "سنكون يوماً ما نُريد لا الرحلة ابتدأت ولا الدّرب انتهى". ودرويش لم يكن يخدعنا.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard