شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

اترك/ ي بصمَتك!
ثقافة الكاسيت... في تاريخ الأغراض المبتذلة

ثقافة الكاسيت... في تاريخ الأغراض المبتذلة

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

ثقافة

الأربعاء 17 أغسطس 202211:00 ص

صدر هذا العام للباحث الأمريكي أندرو سيمون، كتاب "ميديا الجماهير: ثقافة الكاسيت في مصر الحديثة- Media of the Masses: Cassette Culture in Modern Egypt"، الذي يتبنى فيه سيمون مقاربة يمكن تسميتها بأنثروبولجيا الأغراض المبتذلة، أي قراءة الشروط السياسية والاقتصادية والاجتماعيّة عبر الأغراض اليومية والشعبية وأسلوب تبادلها.

قبل الخوض في الكتاب لا بد أن نشير، أننا اخترنا كلمة "غرض" عوضاً عن "شيء" لوصف الكاسيت، كون كلمة غرض تحيل إلى وظائف خارج إطار الاستخدام الأصلي للشيء، كذلك حافظنا على كلمة "ميديا" بلفظها الإنكليزي Media، لالتباس ترجمتها بالعربيّة، لكن نفترض في هذا الكتاب أنها تعني الوسيط التواصلي ذا القدرة على الانتشار الجماهيري، وكلمة جماهيري هنا تعني عدم القدرة على التنبؤ بالجمهور بشكل دقيق، فالكاسيتات يمكن نسخها، تبادلها ونشرها، دون إمكانية ضبط أعداد "المتلقين"، الشأن المشابه للبث التلفزيوني عبر صحن الاستقبال، لا الكابل.

"حكاية المنهج"

يخبرنا سيمون في بداية الكتاب حكايتين توضحان أسلوب تتبعه للكاسيت في مصر، الأولى عن زاوية مهجورة في كشك في منطقة فرغلي في القاهرة، وقف سيمون أمام هذه الزاوية التي تحوي مئات الكاسيتات متأملاً، ربما لأنها- أي الكاسيتات- تحولت حالياً إلى أغراض متحفية، أو فيتيش لعشاق النوستالجيا، هذه الزاوية أثارت العديد من التساؤلات لدى سيمون، الذي التقط صورة لها وخاض حديثاً سطحياً مع صاحب الكشك الذي لا يعرف بدقة ما هي الكاسيتات الموجودة لديه.

في أنثروبولوجيا الأغراض المبتذلة... بحث في الكاسيت وتاريخه كأسلوب لقراءة الذوق الموسيقي والتلوث بالضجيج

الحكاية الثانية عن صورة انتشرت على فيسبوك على صفحة "حاجات قديمة"، نشاهد فيها ثلاثة عمّال مصريين مهاجرين، يحمل أحدهم مشغل كاسيتات، بعد التنقيب وتدليل الفضول حول هوية العمال، عرف سيمون من أحد المعلقين على الصورة أنها مأخوذة في مدينة الرمادي في العراق، وقد قرر العمال الثلاثة التقاطها بمناسبة شراء أحدهم لمشغل كاسيتات، لتبدو وكأنها تخليداً لتلك اللحظة عام 1975، إذ حينها أصبح بإمكانهم، أي العمال، "حمل" الصوت وإرساله بعيداً، خصوصاً أن مصر حينها لم تكن تحول هذه التكنولوجيا بشكل "ديمقراطي"، إذ كان العمال يشترون هذه الأجهزة من شبه الجزيرة العربية و البلدان المجاورة ويدخلونها مصر، إلى حين دخول فيليبس السوق المصرية وتحقيقها نجاحاً في السوق المحليّة.

تتضح مقاربة سيمون عبر الحكايتين السابقتين، فالكاسيت والمسجلة كانت أجهزة شخصية وهدايا يتبادلها العمال المصريون المهاجرون، إثر انتعاش عمالة النفط في المنطقة وهجرة المصرين للعمل خارجاً، حينها لم يعد الكاسيت وسيلةً للاستماع للموسيقا، أو الخطب الدينية، بل أسلوب للتواصل بين المهاجرين، أصحاب القدرة الشرائيّة المعقولة نوعاً ما، وأهلهم في مصر، فالقدر ة على "التسجيل" و"إعادة التسجيل"، أكسبت الكاسيت بعداً تواصلياً وإنسانياً مختلفاً عن استخدامه التقليدي، خصوصاً أن الكاسيت ليس حكراً على فئة اقتصاديّة واحدة، فالغني والفقير يستخدمانه ويتبادلانه.

الكاسيت في مصر منتصف القرن الماضي، كان حامل أشواق المهاجرين، وكنز ضباط الجمارك الفاسدين، ووسيلة للتحرير من الرقابة الرسميّة، وأداة لانتشار (الصوت) دون حد

يتناول سيمون تاريخ مصر المعاصر منذ السبعينيات، أي منذ تولي أنور السادات السلطة وسياسة "الانفتاح" التي روّج لها، وهجرة العمال إلى الخارج وازدياد قدرتهم الشرائية، بصورة ما، يقرأ سيمون الأسباب السياسية والاقتصادية التي أدت إلى انتشار الكاسيت، أما اختيار الكاسيت كـ "غرض" للدراسة له أسبابه البراغماتيّة، فالأرشيف نادر، أو ضائع، أو ممنوع، ولا يمكن ضبط انتشار الكاسيت ومعرفة كيفية تداوله، خصوصاً أن الكتاب لا يتتبع فقط التاريخ المادي للكاسيت، كونه شأناً بسيطاً، إذ قُدم هذا "الغرض" للعالم أول مرة عام 1963 في معرض برلين للراديو من قبل شركة فيليبس، ووصل مصر في السبعينيات، إلى حين ظهور الـCD الذي يمكن القول إنه قضى على الكاسيت، في كل العالم، لا فقط مصر.

أرشيف الظلّ

يتضح أيضاً من صورة فيسبوك والكشك أن سيمون لا يتتبع الأرشيف الرسمي، بل يتلمس طريقه فيما يسمى أرشيف الظل، يتناول المنتجات الهامشية التي لا تمتلك صيغة "وثيقة رسمية" بالمعنى الصرف، إذ يقتبس من صحف محلية، مقالات، صور، أفلام، رسائل دكتوراة، لقاءات صحفية، ليتتبع الكاسيت ودوره، إذ يعلق على صور لعبد الحليم حافظ بجانبه مسجلة وكاسيتات، أو صورة لأحمد رامي يستمع لأم كلثوم وبجانبه كاسيتات، أو يتناول مفهوم "المسحراتي المودرن" ذاك الذي ينادي في الناس لا باستخدام صوته، بل عبر كاسيت ومسجلة تصدح صبحاً لإيقاظ الناس، يظهر الكاسيت هنا كعلامة ذات معنى، غرض ذي حكاية وسياق، لا مجرد ديكور، والأهم، هو علامة على "الحداثة"، أي تغير في شكل الحياة، فالكاسيت (والمسجلة) غزا المنازل المصرية وأصبح جزءاً من الفضاء الداخلي الحميمي في تلك الفترة.

هدد الكاسيت حين انتشر بصورة جماهيرية الذوق العام حسب حراس الفن، بل هدد سلطة هؤلاء الحراس والنقاد أنفسهم، كونه سمح لأي شخص أن ينتج ويسجل ويوزع موسيقاه على الجمهور دون أي اعتبارات سوى الرغبة بالانتشار

الكاسيت والجمارك

يخبرنا سيمون عن صفحات الجرائم في المجلات المصرية، كـ"روز اليوسف" و"آخر ساعة"، التي حوت حكايات عن جرائم سرقة المسجلات والكاسيتات، التي غذت سوق المسروقات السوداء، لينقلنا بعدها إلى ممارسات الجمارك، والدور الذي لعبه موظفوها في مصادرة "التكنولوجيا" حينها، سواء كانت الكاسيتات أو المسجلات أو التلفزيونات، وانتشار ما يسمى تجار الشنطة، المهنة التي ما زالت إلى الآن قائمة في أغلب البلدان التي تعاني من عقوبات أو قوانين تضع ضرائب عالية على البضائع "الأجنبيّة". هذه الحكايات التي يجمعها سيمون من الجرائد، تكشف عن شكل من أشكال اقتصاد الظل القائم على الكاسيتات والمسجلات، بوصفها "بضائع" مربحة، ومنتجات يمكن استهلاكها بأثمان أرخص من أثمانها الأصلية، إذ نقرأ مثلاً عن قصة مهجة عثمان التي نشرت مقالاً في "روز اليوسف" اشتكت فيه من ممارسات الجمارك (التفتيش غير القانوني، المصادرات الاعتباطيّة) عام 1971 ووصفتها بأنها لا تنتمي لروح العصر.

الكاسيت والذوق العام

يلفت سيمون انتباهنا في الكتاب إلى إن الكاسيت كأداة لتسجيل الموسيقا وتبادلها اعتبر تهديداً" للذوق العام" بل "أتاح لأي شخص أن يصبح فناناً"، حسب رأي النقاد وحراس الذوق العام في مصر حينها (يشابه الأمر ما يحصل الآن مع المهرجانات والموسيقا الشعبية ونشرها على المنصات الرقميّة)، هذا الانتشار، حسب نقاد تلك الفترة، حوّل غير المختصين إلى موسيقيين، بل وأصبحت هذه الشرائط مساهمة في التلوث الصوتي الذي تعاني منه القاهرة، هذا الاتهام وجهه راغب السيد نهاية السبعينيات لشرائط الموسيقا الشعبيّة، تلك التي تعرضت للاتهامات من قبل النقاد والمستهلكين أنفسهم، كما نقرأ في رسالة من قارئ نشرتها مجلة آخر ساعة عام 1980، يشتكي فيها الكاتب من شرائط تحوي "كلمات بلا معنى".

أحمد عدوية، الشيخ عنتر وغيرهما، وجدوا في الكاسيت وسيلة للإفلات من سلطة الرقيب، وإيصال (صوتهم) إلى الجمهور بعد أن حاربتهم المؤسسة الرسميّة

الموقف السابق مرتبط بمفهوم "الجماهيري" نفسه، والتهديد (سوء كان جدياً أو لا) الذي يحمله أي وسيط مباح للجميع لتلك الوسائط التي تحتاج إلى "مؤسسات" مسؤولة عن البث، كحالة التلفزيون والراديو، هذا الانتقاد نفسه تكرر حالياً حين انتشرت وسائل التواصل الاجتماعي، واليوتيوب، ومنصات بث الموسيقا التي حولت الفرد نفسه إلى موسيقي، ومنتج وموزع ومسؤول عن البث، يخاطب الجمهور مباشرة دون وسيط يلعب دور القيّم وأحياناً الرقيب. بالعودة للشرائط، يحدثنا سيمون عن أحمد عدوية، وعلاقته مع الكاسيت الذي لجأ له لنشر أعماله، وهنا يشير سيمون أن عدوية اختار الكاسيت لا لأنه عملي وسهل الانتشار كما يروج البعض، بل لأن أغنياته كانت ممنوعة في الإذاعة الرسمية، وهنا يقدم لنا سيمون تعليقاته وقراءته للأغاني الشعبية، إذ يفترض أن أغنية عدوية "حبة فوق وحبة تحت" تعليق على الصراع الطبقي والواضع الاقتصادي في مصر بداية السبعينيات.

لا يتجاهل سيمون تأثير الشرائط الدينية وانتشارها، سواء كنا نتحدث عن الدروس أو خطب الشيوخ أو ما يسميه سيمون "الأصوات الإسلاميّة"، ليقدم لنا دراسة حالة عن الشيخ عنتر مسلم مثلاً، الذي اتهمه الأزهر بأنه لا يجيد الترتيل بل ويرتكب أخطاء جسيمة أثناء التلاوة، ما دفع الأزهر إلى منعه من التسجيل (لا يوجد تفاصيل دقيقة عن الموضوع حسب سيمون بسبب إغلاق أرشيف الأزهر بوجهه(، لكن سيمون يتبع حكاية عنتر، ونكتشف كيف عاد للتسجيل، بعد أن سمح له الأزهر بحجة أنه تجاوز أخطاء التجويد التي كان يقع بها، والملفت هنا أن عنتر علم نفسه بنفسه، وكانت كاسيتاته الأولى بمثابة تحدٍ للمؤسسة الدينية التي تسيطر على أسلوب الترتيل والقراءة.

لا يمكن الإحاطة بكل محتويات الكتاب، لكن المثير فيه أننا لسنا أمام رحلة في النوستالجيا، بالرغم من وجودها، بل أمام قراءة لتاريخ مصر المعاصر عبر "غرض"، انتشر بين "الجميع" وكان شكلاً من أشكال التواصل الاجتماعي، غرض ذو علاقة مع السلطة، والطبقة الفنيّة، فالكاسيت في الكتاب يكشف عن المزاج العام والمواقف الشعبية والذوق الموسيقي، فالكاسيتات حملت الأغاني، الذكريات الشخصية، الخطب السياسية، النص القرآني، هي علامات على "الحداثة" وأيضاً علامة على رغبة الكثيرين بالتحرر من "الصوت" الرسمي.


رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

WhatsApp Channel WhatsApp Channel
Website by WhiteBeard