في لبنان... بين الكآبة والقلق تضيع الكثير من الكلمات

الخميس 28 يوليو 202210:53 ص

بشّرتني معالجتي النفسية الأسبوع الماضي، بأنني في حاجة إلى زيارة طبيب نفسي للّجوء إلى الأدوية المهدّئة و"المركلِجة" للمزاج. رغبت في أن أطلب منها ألا تأخذني إلى ذلك المنحى، إذ ماذا أفعل إن انقطعت المهدئات فجأةً من لبنان؟ ربما سأشعر بتحسن بعد تناولها بانتظام، لكن كيف أحمي نفسي الهادئة حينها من موجة الكآبة الجماعية التي نعيشها؟ "ليش أصلاً الّي عم يصير أحسن؟".

تشاورت مع نفسي كثيراً قبل مشاركة هذه الجملة مع الآخرين، لكنني لطالما أردت عدّ الاضطرابات النفسية والجسدية بالأهمية نفسها... فمثلما نشارك الجيران والأقارب والمحبين في أننا في حالة مرضية جسدية، سأشاركهم في أنني في حالةٍ نفسية سيئة. "ليش لأ؟".

لماذا لا نشارك ذلك في العلن، فيما نعلم أن كل فرد في لبنان يعاني اليوم من اضطرابات نفسية؟

لست وحيدةً

لماذا لا نشارك ذلك في العلن، فيما نعلم أن كل فرد في لبنان يعاني اليوم من اضطرابات نفسية؟

أكتب ما يستطع عقلي إدماجه الليلة في أحد بارات بيروت، وحدي، وسط حشدٍ كبير والكثير من الضجة. عرض عليّ بعض الأصدقاء أن أمضي الليلة معهم، لكنني فضّلت الاحتماء خلف اكتئابي مجدداً، فلا أستطيع الجلوس مع الأصدقاء أو وحدي في غرفتي. ربما الشعور بالضجة من حولي بالرغم من الوحدة، يساعدني، فأعلم أنني لست وحيدةً، وأني لست مرغمةً على التفسير في الوقت نفسه. ربما أعلم أيضاً أن الجميع يشبهونني، فكلنا نختنق، ونسهر ونمضي أوقاتاً بائسةً مغلّفةً بصور سعيدة وكاسات فارغة وموسيقى صاخبة.

أخاف من أن أنشر هذا المقال

أكتب هذه الرسالة لنفسي، وأعلم أنني سأقرأها وأخاف من أن يقرأها أحد، ويفضح زيف سعادتي، عندما أكون منهمكةً بأخبار الأصحاب التي تلهيني عن كل ما يحدث، أو أعمل أو أمارس الرياضة بإنتاجية عالية... إلى أن يعود بنا الحديث "بالغلط" إلى الواقع: الحالة البائسة التي نتشاركها.

أعلم أنني قد لا أتعرّف إلى نفسي حينها، لأنني أريد الاختفاء من كل هذه المشاعر وإخفاءها، لأني أكره هذا الوجه لي، ولا أريده في حياتي. أكره نفسي في هذه الحالة المضطربة، وأكره أنني لا أستطيع أن أحب، أو أكتب أو أخترع أو أغني فيما تقتلني الرغبة في ذلك كله.

أريد إخفاء هذا الجزء مني. فأنا لا أعرفه، ولا أطيقه، ويعرفه القليلون عنّي. لكنني أشعر بأننا كلنا نريد الاختفاء، معاً، وكأننا ننتظر شيئاً سحرياً ليخرجنا فجأةً من هذه الدوامة السوداء -حرفياً- وينقذنا.

أكتب ما يستطع عقلي إدماجه الليلة في أحد بارات بيروت، وحدي، وسط حشدٍ كبير والكثير من الضجة. عرض عليّ بعض الأصدقاء أن أمضي الليلة معهم، لكنني فضّلت الاحتماء خلف اكتئابي مجدداً، فلا أستطيع الجلوس مع الأصدقاء أو وحدي في غرفتي

أعجز وأحتفل بالانتصارات الصغيرة

أفكّر في تغيير منزلي، أو عملي، أو بلدي. أفكّر في هذا البلد الذي يخوننا يومياً، ويسرق منا القدرة على اكتشاف النفس أو التعرف إليها أو تطويرها. صديقتي حزينة مثلي، وصديقي الآخر حزين أيضاً، لكنه يعيش في دوامة من الإنكار، وكأن شيئاً لم يكن. أعلم أنني لست مجبرةَ على تفسير أهمية الصحة النفسية للجميع، لكنها كل ما أراه. اعذروني، فأنا عاجزة. عاجزة عن الرد على الهاتف، أو تفسير حواجز عقلي للشاب المعجب والمضطرب مثلي. أعجز عن تفكيك أفكاري أو ربطها أو إمضاء ليلة مع الأصدقاء والاستماع إلى أحاديثهم أو مشاركة ما أشعر به. أعجز عن العمل في ما أقوم به على أكمل وجه.

أستغرب قدرتي على التحمل، وأحتفل بها وحدي مع كل نجاح سخيف، وكل استفاقة من النوم، أو مقال أكتبه، أو لحظة سعادة أناضل للتمسّك بها.

الناجون بالذنب: فلينجُ من يستطيع

تشكّ معالجتي في تشخيص معيّن، فأرتاح قليلاً، وأشعر بأنه تشخيص منطقي: يفسر قدرتي العالية على الإنتاج بالرغم من كل ما أشعر به، ويخفّف ثقل عدم اليقين. أعلم أنني سأتعايش مع الوضع مهما كان سيئاً، متل العادة، لكن بلدي سيضرب كل جهدي بعرض الحائط متى شاء، فيُحزن أصدقائي ويُساهم في إبعاد القريب ويلهي والدتي ويصعّب المسار علينا جميعاً.

ربما من الأفضل أن أنسى الآخرين للحظة، وأنهمك في تشخيصي وانهياري وحدي: أي عدم القدرة على التحرك أو توقع الكثير من نفسي فيما نغرق في هذه الدوامة. ربما، عليّ أن أتجاهل الشعور بالذنب تجاه كل من يجلس بالقرب مني في البار، غير مكترثة لمأساته المشابهة لمأساتي.

يقول جبران خليل جبران: "بين منطوق لم يُقصد، ومقصود لم يُنطق... تضيع الكثير من المحبة"، فأقول له، وللمحبين والمحبات: عذراً على تصحيح المقولة بحسب منظاري البائس، "فبين الكآبة والقلق، تضيع الكثير من الكلمات".

تضيع منا الكلمات فيما نحاول تفكيك ما نشعر به ويشعر به الآخرون، فنصبح أشباه أموات، فيما يزداد شعورنا بذنب النجاة مع كل أزمة، وكل انفجار، من دون أن نعرف أنه لا توجد نجاة في هذا السيناريو: فلينجُ من يستطيع.

لم أشأ أن أشارك كل هذا مع أحد سابقاً، فتمرّست منذ الصغر على إخفاء مشكلاتي وهواجسي الحقيقية عن الآخرين. لطالما اخترت أن ألجأ إلى المقاومة والمحاولة مجدداً. لكنني اليوم، وعلى الرغم من تكدّس مسودّات الكتابة غير المكتملة على حاسوبي، أكتب وأختار أن أشارك "هزيمتي"

المواجهة: مقاومة من نوع آخر

لم أشأ أن أشارك كل هذا مع أحد سابقاً، فتمرّست منذ الصغر على إخفاء مشكلاتي وهواجسي الحقيقية عن الآخرين. لطالما اخترت أن ألجأ إلى المقاومة والمحاولة مجدداً. لكنني اليوم، وعلى الرغم من تكدّس مسودّات الكتابة غير المكتملة على حاسوبي، أكتب وأختار أن أشارك "هزيمتي". ربما لم أشأ أن أرضخ للمهدئات لأنها ترنّ في ذهني: هزيمة.

إلا أنني اليوم أختار أن أُهزم بمعنى خاص؛ ألّا أرد على الهاتف، أو أبرّر لأصدقائي عدم قدرتي على الحضور، أو أفسّر سعادتي المفاجئة. أختار أن أجرّب المهدئات، من دون الشعور بالذنب. أختار المواجهة الحقيقية عوضاً عن المقاومة والمرونة، لأضيف ذلك إلى قائمة انتصاراتي الصغيرة: "النجاة".

أختار أن أكتب في الحانة المليئة بمن يستغربون كآبتي المفاجئة. أنظر إليهم، وأخفي ابتسامتي العريضة، وكأنني أواجههم لمرّة واحدة. أكتب، لأن الكتابة وسيلتي الوحيدة للاطمئنان على نفسي. أكتب غير مكترثة أبداً بالأسلوب الجميل أو المؤثر أو المترابط أو الصحيح لغوياً. أكتب وأشارك عبر مواقع التواصل الاجتماعي، فيما يصعب عليّ الاتصال بصديق واحد عندما تسوء حالتي. أكتب وأشارك، خوفاً من أن يغلبني اليأس، وأفقد القدرة على التكلّم يوماً.


* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard