في خطوة جديدة... قضاة تونس يختارون التصعيد والسلطة ترفض الحوار

الاثنين 20 يونيو 202204:20 م

تتخذ قضية عزل قضاة تونسيين قبل أسبوعين، منحى تصعيدياً متنامياً أمام صمت السلطة ومضيّها في قرار العزل، واقتطاع أيام الإضراب من رواتب القضاة المضربين مساندةً لهم، وعدم استجابتها لمطالب الحوار التي ترفعها تنسيقية الهياكل القضائية، وبلوغ المحاكم في تونس مرحلة شلل كبرى على خلفية التحركات الاحتجاجية التي يخوضها القضاة.

"يوم الغضب"

قررت تنسيقية الهياكل القضائية المجتمعة السبت 18 حزيران/ يونيو، اتخاذ خطوات تصعيديةً احتجاجاً على عزل 57 قاضياً وقاضيةً بمقتضى الأمر الرئاسي عدد 516 لسنة 2022 الصادر قبل أسبوعين، وذلك بدخول عدد من القضاة المعزولين في إضراب عن الطعام، زيادةً على تمديد الإضراب أسبوعاً إضافياً بدءاً من الإثنين المقبل 20 حزيران/ يونيو، ودعوة القضاة إلى عدم تعويض زملائهم المعزولين في مختلف الرتب.

وتضمن بيان صادر عن الجلسة العامة لتنسيقية الهياكل الممثلة للقضاة التونسيين المنعقدة أمس 11 نقطة عبّر فيها القضاة عن استغرابهم من عدم تفاعل رئاسة الجمهورية مع التحركات التي يخوضها القضاة منذ أسبوعين، وعدم الرد على طلب لقاء رئيس الجمهورية الموجه له من طرف التنسيقية بتاريخ 15 حزيران/ يونيو حزيران، لحلحلة الأزمة. وطالب القضاة بضرورة تمكين المعزولين منهم من الاطلاع على ملفاتهم التي تم بموجبها إعفاؤهم من مهامهم كي يتمكنوا من الدفاع عن أنفسهم، كما أعلنوا تنظيم تجمّع عام للقضاة تحت عنوان "يوم غضب" ستحدد تنسيقية الهياكل القضائية موعده ومكانه.

قررت تنسيقية الهياكل القضائية المجتمعة السبت 18 حزيران/ يونيو، اتخاذ خطوات تصعيديةً احتجاجاً على عزل 57 قاضياً وقاضيةً بمقتضى الأمر الرئاسي عدد 516 لسنة 2022

ودعت الجلسة العامة تنسيقية الهياكل القضائية إلى إحداث لجنة قانونية توكل إليها مهمة متابعة التقاضي العدلي والإداري بما في ذلك قضايا الإعفاء وممارسة الطعون ضد القرارات غير الشرعية التي تنال من حقوق القضاة واستقلالهم، كما تقوم بتوثيق شهادات القضاة المعفيين والاتصال بالهياكل القضائية الدولية وإعداد التقارير المستوجبة في الغرض.

وعبّر القضاة في البيان ذاته، عن دعمهم لمبادرة عدد من القضاة المشمولين بأمر الإعفاء عبر خوض إضراب عن الطعام بهدف إلغاء المرسوم الذي أسند إلى رئيس الجمهورية حق إعفاء القضاة خارج أي إطار قانوني.

"مجبرون على الدفاع عن أنفسنا"

قال رئيس جمعية القضاة التونسيين أنس الحمايدي، في تصريح إعلامي عقب نهاية الجلسة" "نخوض هذه التحركات بكثير من الحكمة وبكثير من الموضوعية، ونتعامل مع المستجدات أولاً بأول، وهدفنا الوحيد والأساسي هو إلغاء المرسوم عدد 35 والتراجع عن الأمر الحكومي عدد 516 ودعم زملائنا".

تابع الحمايدي، قائلاً إن القضاة سيتابعون فاعلية هذه الخطوات النضالية يوماً بيوم، "ونجدد دعوتنا لرئيس الجمهورية أن يستجيب لاستغاثة القضاة ودعواتهم، وينهي هذه المعضلة القضائية في أقرب وقت ممكن. ونجدد الدعوة له ليلتقي بالهياكل القضائية، ويتباحث معها في كيفية الخروج من هذا المأزق بشكل مشرّف، يضمن حقوق زملائنا، ويرفع هذه المظلمة الكبيرة عنهم".

إضراب عن الطعام واستمرار في الإضراب... جزء من خطوات تصعيدية مستمرة للقضاة التونسيين احتجاجا على عزل زملاء لهم من طرف الرئيس سعيد

أوضح الحمايدي، أن القضاة ليسوا "مخيرين في هذه التحركات. نحن مجبرون على الدفاع عن حقوقنا وعن سلطتنا القضائية وعن حق التونسيات والتونسيين في قضاء عادل وناجز ونظيف ومستقل بأتم معنى الكلمة".

وقال رئيس جمعية القضاة الشبان القاضي مراد المسعودي، لرصيف22، إن "الإضراب كان ناجحاً لالتزام القضاة به لأن كل قاضٍ منهم يعدّ نفسه مشروع قاضٍ معفى، ولكن موقف رئيس الجمهورية وحكومته كان جامداً وتميز بانعدام التفاعل و’قصر النظر’، ظناً منهم أن التجاهل هو الحل، مثلما فعلوا مع اتحاد الشغل لما نشروا صورة أعضاء الحكومة وهم يضحكون (في إشارة إلى رد الحكومة على إضراب الاتحاد قبل أيام). بل إن الحكومة اختارت طريق التصعيد ورئيس الجمهورية خرج يهدد القضاة باقتطاع الأجور واتخاذ إجراءات تأديبية أخرى، ووزيرة العدل كانت تتصل ببعض القضاة لتهديدهم وحثهم على خرق الإضراب وإفشاله".

ورأى المسعودي، "أن رئيس الجمهورية لا يستمع إلى آراء الآخرين ولا يتناقش معهم، وتالياً ليس هناك أي حل سوى تمديد الإضراب أسبوعاً آخر، وإن تطلب الأمر فإقرار الإضراب المفتوح".

القضاء يدفع ثمن "رفض التعليمات"

وأشار المسعودي إلى أن "ما هو مؤكد أن السبب الحقيقي لعزل القضاة هو قراراتهم القضائية المستقلة، فكثير من المعزولين تم الاتصال بهم قبل العزل لاتخاذ قرارات معينة، ولكنهم امتنعوا عن ذلك. فالوكيل العام مثلاً اتصلت به وزيرة العدل، وطلبت منه فتح بحث جديد في ما يسمى بقضية "الجهاز السري"، وعندما امتنع مبرراً موقفه بما تقتضيه القواعد الإجرائية المنصوص عليها في القانون قامت باستدعائه لدى التفقدية، وهددته بالعزل، والحال أن القانون يمنع فتح بحثين لقضية واحدة في الوقت نفسه في محكمتين مختلفين، لأن هذا سيترتب عنه تناقض في الأحكام".

وأكد المسعودي أن "كل القضاة المعزولين هم ضحايا رفض التعليمات والتمسك باستقلالية القرار القضائي والنأي به عن التجاذبات السياسية".

واستدل المسعودي على ذلك بمثال جمعية القضاة الشبان، قائلاً: "لقد استهدفنا لأننا نعارضه وننشر بيانات رداً على تصريحاته وتدخله في القضاء ومحاولة توجيهه للقرارات القضائية والتمهيد لنزع طابع السلطة عن القضاء وتحويله إلى مجرد وظيفة تأتمر بأوامره. وقد تم استهداف الجمعية في شخصي أنا رئيسها وفي شخص نائبي سامي البعزاوي".

عزل بلا ملفات أو أدلة

وأوضح المسعودي، "أن القضاة المعزولين ليس لهم أي ملف تأديبي أو جزائي وهم من خيرة قضاة تونس"، مشيراً إلى أن "كل شخص يتحدث عن ملفات فساد لا يعرف تفاصيلها لا يمكن إلا أن يكون مجانباً للصواب. فرئيس الجمهورية مثلاً عندما تحدث عن تبييض الأموال والإرهاب وحمايته والرشوة لم يقدم أي دليل على كلامه، ولم ينشر أي ملف، ولم يُحِلْ أحداً على النيابة العمومية، إذاً فهدفه أبعد من مقاومة الفساد إذ يريد أن يحول القضاء إلى وظيفة تابعة له كما فعل مع المجلس الأعلى للقضاء، إذ بدأ بشن حملة على أعضائه أولاً باتهامهم بالفساد كي يسهّل قبول المواطنين لحله، وهو ما تم بعدها فعلاً، ونصّب مجلساً صورياً، ثم جرده من صلاحياته التي أسندها إلى نفسه، واتخذ ما يريد من قرارات بنفسه ورفض حتى لقاء أعضاء المجلس الأعلى المؤقت للقضاء الذي عينه"

الفساد... فزاعة؟

أما عن الفساد، فأشار المسعودي إلى أن هناك مغالطةً في مفهومه إذ إن "تعريف الفساد في القانون مختلف عما يروج له. فالفساد قانوناً هو عمليات غير مشروعة ومنتظمة ومستمرة في الزمن. والفساد هو شبكة كاملة ينبغي أن تضم قاضياً أو مجموعةً من القضاة ومعهم مجموعة من المحامين ومساعدي القضاء، وتشتغل هذه الشبكة بشكل مستمر، وتنتفع من مخالفة القانون، ويكون الفساد أخلاقياً أو مالياً أو أدارياً. أما العمليات العرَضية والفردية فليست فساداً، ويحاسب عليها كل فرد على حدة من دون أن يطال ذلك كامل السلطة".

وتابع المسعودي: "إن فزاعة الفساد التي أقامها رئيس الجمهورية ليست حقيقيةً، بل كانت مجرد وسيلة لتفكيك المؤسسات الدستورية وتعويضها بكيانات لا شرعية حشدها بمؤيديه والتابعين له. ذلك أن السلطة القضائية تُعدّ السلطة الوحيدة التي يخضع أعضاؤها للمحاسبة، فالمجلس الأعلى للقضاء الشرعي لم ينجح في شيء أكثر مما نجح في تأديب القضاة، إلى حد أنه أصبح مجرد مجلس تأديب، وكان ينشر قراراته في هذا الخصوص بصفة دورية ومنتظمة، على خلاف بقية السلطات والقطاعات الغارقة في الفساد على غرار وزارة الداخلية. وأكد المجلس أن القضاة مع المحاسبة طبقاً للقانون ومع ضمان حق الدفاع ومبدأ المواجهة".

وأضاف المسعودي، أن "وزارة العدل ليست لها ملفات ضد القضاة المعفيين وكثيرون منهم لم يتم استدعاؤهم حتى على ضوء شكاية كيدية. وأن السلطة التأديبية لا يمكن أن تكون بين يدي السلطة التنفيذية المتمثلة في رئيس الجمهورية لأنه سيسيئ استعمالها، ويوظف القضاة في حساباته السياسية، ويستعملهم لتصفية خصومه ومعارضيه، وهو ما سعى قيس سعيد إلى فعله لولا بعض القضاة النزهاء الشجعان الذين لم يلتفتوا الى تهديداته، وهاهم يدفعون ثمن ذلك بقرار عزلهم".

توسع دائرة المساندة

وأعلن عدد من الحقوقيين والحقوقيات عن تأسيس لجنة مدنية لمساندة القضاة في تحركاتهم. وجاء في بيان نشر السبت 18 حزيران/ يونيو، أن تأسيس اللجنة يأتي على خلفية تهديدات استقلال القضاء، والتراجع عن مبدأ الفصل بين السلطات، وضمان استقلالية السلطة القضائية، وما يمثله ذلك من مخاطر على حقوق المتقاضين وحسن سير العدالة، بعد حل المجلس الأعلى للقضاء وتعويضه بمجلس أعلى مؤقت في شباط/ فبراير الماضي.

ويهدف تأسيس اللجنة، حسب البيان، إلى "مساندة تحركات القضاة دفاعاً عن استقلاليتهم، والتصدي للخطاب التحريضي الموجه ضد القضاة والرامي إلى شيطنة المؤسسة القضائية لإحكام السيطرة عليها، وتقديم تصورات غايتها تحقيق إصلاح حقيقي للقضاء يضمن للمتقاضين حقهم في عدالة جيدة وناجزة".

ويؤكد الموقعون على البيان، ومنهم غازي الجريبي (قاضٍ سابق)، وبشرى بلحاج حميدة (ناشطة سياسية ومدنية)، وسناء بن عاشور (جامعية وناشطة مدنية)، "التزامهم بالنضال السلمي تحقيقاً لهذه الغايات السامية التي لا يمكن من دونها بناء دولة ديموقراطية تكرّس قيم المواطنة والعدالة والمساواة".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard