من تكونين، يا من تقرئيني الآن، إذا أديتِ دور أرملة بائعة هوى؟

الخميس 23 يونيو 202202:00 م

مرّت فتاة من بوابة الكنيسة في مصر الجديدة، وأوقعتني في تيه.

كانت مصرية، عاشت متنقلة بين عمّان ودبي، وكان يوم جمعة من أيام عامي الثالث عشر، في موعد مدارس الأحد، الفصول المسيحية لتلقي مبادئ عن الدين، كانت تُنظم في أوقات سابقة يوم الأحد، ومع الوقت تم استبدالها بالجمعة، الإجازة العامة في البلاد، ولكن ظلت محتفظة باسمها.

كان فناء الكنيسة وناديها ممتلئاً عن آخره بالصغار والكبار، في إحدى صباحات الأشهر الصيفية نهاية التسعينيات.

شعر الفتاة الخيلي، الواصل إلى منتصف جونلّتها، الجلد القصيرة، ينافس الخط الفحمي الأسود المرسوم بدقة حول عينيها، كُحل مغوٍ يصعب مقاومة الالتفات إليه.

لم تكن ملاحظتي الخاصة، ثمة نمنمات للصغار مختلطة بضحكات بعضهم، ونظرات الشباب والعجائز تطارد كل خطواتها، جميعنا أجمع على غرابة الفتاة، واتفق على لومها دون أن ننطق بكلمة واحدة.

مشهد درامي بامتياز، أن تتواجد هذه الفتاة الخارجة لتوها من إحدى أغلفة المجلات العالمية الصاخبة إلى الكنيسة لتحضر معنا مدارس الأحد.

تمثيلية المسيح

ذكرتني الفتاة برواية "المسيح يصلب من جديد"، يحاكي كاتبها اليوناني، نيكوس كازنتزاكيس، التاريخ عبر إحياء مراسم عيد القيامة في قرية ليكوفريسي اليونانية، التي دأب أهلها كل بضع سنوات على تنفيذ هذا الرسم، يختارون/ن أشخاصاً لتمثيل أدوار الشخصيات الرئيسية في حياة المسيح، بداية من دعوته ونهاية إلى صلبه.

على امتداد عام كامل، يعكف الأشخاص الذين وقع عليهم الاختيار على تقمُّص صفات الشخصيات الأصلية، وفق ما ذُكر في الكتب المسيحية "الكتاب المقدس" أو تفسيراته. تحمل فكرة الرواية بين طياتها فلسفات إنسانية تدعونا للتوقف عندها.

"التقمص" مدهش. يقع اختيار شيوخ القرية وقادتها الدينيين على شخص ما لتجسيد دور أحد حواريي المسيح، ثم ينصحه "القائد الديني" بالامتناع عن الشرب والكذب وأذى الآخرين، لينطلق صاحب الدور في الحياة محاكياً نسخته الجديدة.

المفارقة أيضاً تأتي من فكرة الاختيار نفسها، والحكم على حيوات الآخرين بمفردات وقواعد معدة سلفاً، تقسّم الناس بين ثنائية "الخير/الشر" لا ثالث أو وسط بينهما.

هذا إنسان قبيح، إذن سنختاره لأداء دور يهوذا، دون النظر إلى تأثير ذلك عليه. ذلك إنسان وديع ويرعى الأغنام، سنصطفيه مسيحاً.

يقول لاداس، الرجل العجوز، والقوم في خضم اختيار أحد أدوار تمثيلية "المسيح": "بالنسبة إلى مريم المجدلية، عندنا الشخص المطلوب تماماً. كاترينا الأرملة، هذه الداعرة تتوافر فيها كل الصفات المطلوبة: العهر، والجمال، والشعر الأشقر الطويل. رأيتها ذات يوم في فناء منزلها تمشطه، كان ينسدل إلى ما تحت ركبتيها، لعنة الله عليها! إنها تستطيع أن توقع رئيس الأساقفة في الخطيئة".

أرملة جميلة، ترى في نفسها كل مفاتن النساء، انساقت وراء ملذات الجسد، تقدم السعادة مجانية، هكذا ترى نفسها وهم يرونها أيضاً، "نبع على قارعة الطريق، يرده الظماء فيروون ظمأهم"، كما وصفها أحد الأعيان المجتمعين

أعيان القرية وأهلها لم يختلفوا على هذا الدور بالتحديد، ربما كاترينا كانت الأسهل بالنسبة إلى الجميع. أرملة جميلة، ترى في نفسها كل مفاتن النساء، تعرف أن الغواية نقطة الضعف الأولى عند الرجال، انساقت وراء ملذات الجسد بعد وفاة زوجها، ومع ذلك لم تؤذ أحداً، تقدم السعادة مجانية، هكذا ترى نفسها وهم يرونها أيضاً، "نبع على قارعة الطريق، يرده الظماء فيروون ظمأهم"، كما وصفها أحد الأعيان المجتمعين، لتمثل إجمال صفاتها "صيدة" سهلة، يصعد على أكتافها الراغبون في إظهار فضائلهم علانية.

يقول عنها أحد المجتمعين لاختيار الأدوار: "كل قرية لا بدّ لها من امرأة شاذة، تحمي حرائر النساء من إزعاج الرجال. إنها أشبه بالنبع على قارعة الطريق يرده الظماء فيروون ظمأهم. ولولا ذلك لقصدوا بيوتنا جميعاً يدقونها باباً بعد آخر".

كما كان سهلاً على العجوز لاداس الحكم على عُهر الأرملة في الرواية، كان سهلاً أيضاً حكمنا نحن أبناء الكنيسة الأتقياء على تلك الفتاة في الواقع.

الفتاة الغريبة، لا أتذكر اسمها، قالته في المايكروفون، وجهته إليها إحدى العاملات، لتجيب على وابل أسئلة تضمّنت كيفية حضورها بهذه الملابس الجريئة، و…

لماذا لا "تحترم" وجودها في الكنيسة؟

الفتاة الغريبة، المُعتصرة بأعين المحيطين/ات وهمهماتهم/نّ، علمتني درساً لن أنساه ما حييت.

جاءت إجابتها على قدر مظهرها تمرداً. لم أكن، وأنا طفلة آنذاك، أعرف معنى "البغاء"، ولكني استطعت تخيله على هذه الفتاة، انتصاراً لـ"قيمٍ" ظننتها مُهدَّدة بقصر التنورة، وقتامة سواد شعرها اللافت للنظر.

نشوة الانتصار الطفولية، ارتسمت على وجوه الحضور، بداية من خادمة بيت الرب، ومروراً بالجالسين/ات جميعاً، كلنا في حالة زهو بآرائنا ونظرتنا للعالم المتناقضة كلية مع هذه الفتاة.

الفتاة قالت للخادمة، بحضورنا جميعاً، نحن الأطفال الذين جلسنا كمُحكِّمين لأخلاقها: "كان يمكنك قول النصائح لي على انفراد، فأنا عشت عمري بأكمله بين دبي والكويت، وهذه الملابس التي توبخيني عليها هي عادية جداً بالنسبة إلى طبقتي في البلدين، ولن آتي إلى مصر سوى هذه الفترة، حاولت فيها زيارة الكنيسة، لكنني فوجئت بك تقدمين دروساً أخلاقية لم أطلبها. وعلى كل، هذه المرة الأولى والأخيرة التي أزور فيها كنيسة، طالما أنّ بها أشخاصاً يقيّمون الناس بحسب ملابسهم مثلك"، ثم تركت المايكروفون، وغادرت الكنيسة بالفعل.

تذهب الرواية إلى صحة الاختيارات، التي وقعت على ممثلي الأدوار. "بانايوتي" أو آكل الجبس، كان شريراً وأصبح أكثر شراً، وأشد شراهة في محبة المال وهو يتماهى مع دور يهوذا الإسخريوطي، التلميذ الذي خان المسيح وسلمه لليهود مقابل ثلاثين من الفضة، أما "ياناكوس" ابن عمدة القرية، وهو من وقع عليه الاختيار للعب دور "يوحنا"، التلميذ الودود والأكثر قرباً من المسيح. كان "ياناكوس" طيباً للغاية، وبات "يوحنا" أكثر طيبة، وأقرب وداً للآخرين.

لم أكن، وأنا طفلة آنذاك، أعرف معنى "البغاء"، ولكني استطعت تخيله على هذه الفتاة، انتصاراً لـ"قيمٍ" ظننتها مُهدَّدة بقصر التنورة، وقتامة سواد شعرها اللافت للنظر

و"كاترينا" الأرملة، غير "الملتزمة" بعد وفاة زوجها، كانت تتقاطع حياتها مع مريم المجدلية، إحدى أهم الشخصيات المقربة للمسيح، إذ تشير لها التفسيرات بلقب المرأة الخاطئة، وتعدها نموذجاً مذهلاً للإنسان التائب، حتى تحولت إلى مبشرة، وأول من ذهبت إلى قبر المسيح كشاهدة على قيامته من الموت.

اعتبرت المجدلية في الكنائس الغربية بالعصور الوسطى شفيعة "البغايا" التائبات، وبحلول القرن الثامن عشر، اتخذت دور إصلاح النساء "العاهرات" وحملت اسم المجدلية أو مريم التائبة.

أثناء الحرب بين الأتراك واليونانيين، كانت كاترينا تبكي كل شيء… "أبناء المسيح واليونان، تبكي الرجال والنساء الذين التفوا حولها، وتبكي نفسها، وخطيئتها، وعارها".

كانت كاترينا أول من اندفعت نحو الصفوف الأمامية، عندما طلب الأب الكاهن التبرع إلى أطفال وضحايا الحرب بأي شيء. بحثت عمّا لديها "زجاجة عطر ومرآة صغيرة"، قدمت كل ما تملك طالبة الغفران من الجميع على ضعف حيلتها، تماماً كما قيل عن مريم المجدلية، إنها سكبت الطيب تحت أقدام المسيح لتكريمه، دون انشغال بكلفته المادية.

الاختيار إذن كان صحيحاً، هذا هو الانطباع القوي الذي تمنحنا إياه رواية "المسيح يصلب من جديد"، والتي تعد إحدى الروايات الفلسفية، لإظهارها الصراع الدائم بين الخير والشر، بين قيم العدالة والحرية والخير والانتصار للضعفاء من جهة، والأطماع والحفاظ على السلطة حتى على حساب الآخرين من جهة أخرى.

ورغم ذلك، لم أقتنع كقارئة بصحة الاختيارات. كنتُ أنتظر أثناء القراءة أن تكون أحكامنا المسبقة على الآخرين خاطئة تماماً، كما في تجارب الحياة.

في منتصف الرواية، صفعتني دموع كاترينا على غرقها في ملذات الحياة، وذكرتني أيضاً هرب الفتاة "الغريبة" من الكنيسة، التي جاءتها كزيارة، قبل أن تتعهّد بعدم تكرارها مرة أخرى.

أعيان القرية ووجهاء الكنيسة، وجهان للعملة نفسها، وعوام القرية هم بالطبع نحن. جميعنا نحكم ببساطة على الآخرين، خاصة الأكثر وضوحاً.

تنورة قصيرة، ارتدتها فتاة في كنيسة كانت كفيلة بما يشبه الإجماع على أنها مخطئة، وفستان عارٍ يرتديه جسد كاترينا الفائر، كان كفيلاً أيضاً بوصمها. 

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard