هل رئيستك امرأة؟ هوّن عليك… ستعتاد الأمر

الثلاثاء 31 مايو 202208:47 ص

إن لم تكن تعمل في الجيش أو المخابرات أو لم تكن وريث أحد الأثرياء، فغالباً خلال العقدين القادمين ستكون رئيستك امرأة، حسب الإحصاءات بالنسبة للعدد، بالإضافة للإصرار والتقدم الذين تجترحهما المرأة في كل مكان. وهذا يعني أنك ستلقي التحية صباحاً على وجه مبتسم (ليس بالضرورة) لكنه أفضل بالتأكيد من الوجه غير المغسول والشعر الأشعث الذي يحتفظ بآثار سهرة البارحة.

ستقول: "صباح الخير مدام"، وليس "صباحك معلّم" أو "نهارك سعيد شيف"، احتفظ بهذه التحايا لجزّار الحي، أو لبائع الحمّص.

لا أحد يقول إن وجود امرأة كمسؤولة في العمل، مديرة عامة أو رئيسة تحرير، مديرة تنفيذية أو مستشارة علاقات هو أفضل أو أسوأ، هو ببساطة مختلف عما اعتدنا عليه.

لا أحد يقول إن وجود امرأة كمسؤولة في العمل، مديرة عامة أو رئيسة تحرير، مديرة تنفيذية أو مستشارة علاقات هو أفضل أو أسوأ، هو ببساطة مختلف عما اعتدنا عليه. ستحلّ مفردات أخرى في العمل وسيكون اليوم أكثر دفئاً، ستكون الملاحظات على أدائك مشفوعة بملاحظات أخرى شخصية، إذ في وسط الحديث عن سير العمل في مشروع ما، يمكن أن تسمع تهنئة لأحد بزواجه، إبلاله من مرضه أو ملاحظة حول طريقة كوي القميص، ستنتبه أكثر لما يجري من حولك، وستبذل مزيداً من الجهد، وربما سيزيد مصروف العطورات التي تستخدمها، مزيل رائحة العرق، معاجين الأسنان ومعدل استهلاكك للمياه وبعض المشتريات الأخرى، لأنك ستضطر للاهتمام أكثر بنظافتك الشخصية أيها الذكر القذر.

لا مزيد من التلميحات الجنسية لأي شيء وأي كلمة، وليس هناك ضحكة خبيثة بمجرد استخدام كلمات عادية مثل "أدخله" و"أخرجه" و"اجلس عليه"، "فرجيني" و"طلّعيه"، وستستبدل اسم مجموعة الواتس أب الخاصة بالعمل "الديوك المهورنة" على سبيل المثال باسم ألطف وأكثر عمقاً. ستنسى طرائفك البذيئة وستبتدع حساً ساخراً من نوع مختلف، لا يتضمن على الأقل تنمّراً على السمينات، النحيفات، الطويلات، القصيرات، وستنسى كلمة هرمونات تماماً في قصصك التي تحكيها في الاجتماعات المشتركة. ستكون أقرب للإنسان العادي الذي بداخلك، والذي ضيّعته لعقود لأنك تظن أن كل الكلام مباح وأن خفّة دمّك الجنسية مقبولة عند الجميع.

لم يكن وصول النساء إلى مواقع المسؤولية بالأمر السهل، دفعت الرائدات والحقوقيات والنسويات ثمناً باهظاً، وما زلن يدفعن، لإثبات جدارتهن بقيادة المواقع والمؤسسات والعالم الذي يتداعى، ويعود ذلك للأحكام المسبقة التي تختزن في أذهاننا من أنهن ضعيفات وعاطفيات للغاية ويأخذن الأمور بسطحية

الأخطاء الوظيفية

إن الواقع بسيط للغاية: لم يكن وصول النساء إلى مواقع المسؤولية بالأمر السهل، دفعت الرائدات والحقوقيات والنسويات ثمناً باهظاً، وما زلن يدفعن، لإثبات جدارتهن بقيادة المواقع والمؤسسات والعالم الذي يتداعى، ويعود ذلك للأحكام المسبقة التي تختزن في أذهاننا من أنهن ضعيفات وعاطفيات للغاية ويأخذن الأمور بسطحية ودون كثير من التعمّق، لكن عليك أيها المرؤوس الحزين أن تتخلص من أسر أساطير جدتك عن النساء في موقع العمل: لن يشددن شعر بعضهن إذا اختلفن، ولن ينشغلن عن ميزان الأرباح والخسائر وحساب المتاجرة بالمكياج والأزياء، وإذا أخطأت لن ينتهي الأمر بابتسامة لطيفة، عناق أو هدية بسيطة، إنها ليست زوجتك المصونة، ستوبّخك بشدة وستجعلك تعيد كتابة المقال على النحو الذي يرضيها، وعندها ستتمنى لو أن الأرض تنشق وتبتلعك.

يجب أن تحتفظ بعقلك النتن بهذه المعلومة: وجود الهرمونات في جسدها في أيام الدورة الشهرية لن يجعلها أسوأ، ولن يضعف ذكاءها، ولن يؤثر على جودة قراراتها العملية.

هناك سيناريوهات عدة لما يمكن أن يكون عليه أداء المرأة كرئيسة، جيدة أو سيئة، فعّالة أو قليلة الإنتاجية، مثلها مثل أي أحد آخر في نفس المكان وهذا ليس مرجعه جنسها، وقصصك التي تحكيها عن نكدهن وفشلهن وتجاربك الشخصية وتجارب أصدقائك وأبناء عمك عنه لا تغير شيئاً من الأمر. يجب أن تحتفظ بعقلك النتن بهذه المعلومة: وجود الهرمونات في جسدها في أيام الدورة الشهرية لن يجعلها أسوأ، ولن يضعف ذكاءها، ولن يؤثر على جودة قراراتها العملية، فقط ما سيتأثر هو كبرياؤك الغبي، ولا تظن أنها ستصبح صديقتك إذا نبّهتك على بقعة الزيت الموجودة على ربطة عنقك أو البثرة على أنفك الكبير، إنها تبحث عن إنشاء رابطة لضمان تنفيذ المشروع والتواصل بين "المريخ" والزهرة"، وإذا طلبت منك استخدام الألوان في طباعة الملفات وتنسيق اللوحات على المشاريع، لا يعني أنها سطحية و"مبهرجة"، هذه فقط نظرتها الملونة للحياة، أيها المخلوق القادم من عالم الأبيض والأسود.

الأساطير المرافقة

العالم يتأنّث... ها قد قلتها... لا تشعر بالخطر وتُظهر عضلاتك أو خصيتيك، تُشعل الضوء الأحمر، تكتب الملصقات التي تدعو لاسترداد المكانة وتشحذ سيفك، لقد خسرت المعركة لأنك أدرتها بعقلية المنتصر والمجحف، وأساطيرك التي اخترعتها عن ضعف المرأة وأن "أكبر عدو للمرأة هو نفسها" وأنك "قوّام" عليهن، لم تعد تُشترى في أي مكان.

إنهم يتقدمن، ببطء لكن بثبات، بالعزيمة التي تجعلك مستسلماً وأنت واثق من نصرك النهائي، لأنك صدقت أكاذيب أسلافك، صدقت أن الله ذكر وبالتأكيد لن يسمح بهزيمتك أمام امرأة بثديين وعجيزة ودورة شهرية، أمام امرأة تعبث الهرمونات بعقلها و"دينها بين ساقيها"، صدقت أيها الأحمق كل الأساطير غير الطريفة التي اخترعتها واخترعها أسلافك ونمت على حرير انتصارك المزعوم

إنهم يتقدمن، ببطء لكن بثبات، بالعزيمة التي تجعلك مستسلماً وأنت واثق من نصرك النهائي، لأنك صدقت أكاذيب أسلافك، صدقت أن الله ذكر وبالتأكيد لن يسمح بهزيمتك أمام امرأة بثديين وعجيزة ودورة شهرية، أمام امرأة تعبث الهرمونات بعقلها و"دينها بين ساقيها"، صدقت أيها الأحمق كل الأساطير غير الطريفة التي اخترعتها واخترعها أسلافك ونمت على حرير انتصارك المزعوم، حتى أنها عندما عرضت عليك بنود التسوية لم تقبل بمساواتك بها: انظر الآن، لقد تمّت هزيمتك على يد امرأة بثديين وعجيزة ودورة شهرية.

هل تريد إحصائيات لنتيجة المعركة؟ هل تظن أن العراك هنا يشبه المباريات النهائية التي تتابعها في التشامبيونز ليغ؟ إذا انتهى الوقت الأصلي بالتعادل نحتكم لضربات الجزاء؟ هل تحاجج بأن قادة الجيوش ورؤساء الدول وأصحاب الشركات الكبرى مازالوا ذكوراً؟ أي أن كل المجرمين والسيئين والظالمين هم من أبناء جنسك، هل تريد خسارة أكبر؟ هل تريد دليلاً إضافياً على سوء صنيعك؟ لقد سلّمناك كوكباً أخضر وعالماً بهياً، وأعدته محطماً، خرباً، رمادياً، والآن تبكي كالطفل على اللعبة التي حطمتها وتقول: أريد أن أعود للقمة.

"خلّي عندك دمّ يا أخي" واذهب، اذهب وحاول أن تصحّح بعضاً من أخطاء العالم التي صنعت، اذهب وازرع شجرة بدل المشنقة.

في الوقت الذي كنت فيه مشغولاً بإحصاء أرباحك وتعليق رؤوس النساء (مؤخراتهن، في حالتك) اللواتي اصطدتهن بخبثك على جدران الصالون، كنّ مشغولات بتهيئة إرادتهن للاستيقاظ مجدداً ومقارعة الأوقات الصعبة التي زادتها حماقتك صعوبة، في الوقت الذي جلست فيه تعطي الأشياء أسماء تناسب نظرتك المجحفة وتكتب الآيات والأحاديث النبوية والقصائد التي تخلّد انتصاراتك، كن يتألمن ويكبتن الصرخات، ويبحثن عن ضوء في دواخلهن ويصنعن تصوّراً عن عالم لا يضطررن فيه لتحمّل مزحاتك السمجة، ويدعين أشياءهن بأسماء منحوتة من آلامهن وآمالهن.

كنت منتشياً بانتصاراتك وكن مسحوقات بها، كنت تظن أن نهاية العالم على هذه الشاكلة: ذكر ينصب راية على ركام المدن، وكنّ يحلمن بانتصار مغاير: طفلة تقطف القمر بأصابع فضية.

كنت تكذب وكنّ يَصْدقن، كنت تزداد وزناً وكنّ يحلمن، كنت تصنع الحروب بقنابل نقصك، وكن يربطن شعورهن المجدولة حول الكرة الأرضية لئلا تتحطم، وتريد أن تستمرّ سيداً عليهن؟

"خلّي عندك دمّ يا أخي" واذهب، اذهب وحاول أن تصحّح بعضاً من أخطاء العالم التي صنعت، اذهب وازرع شجرة بدل المشنقة.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard