خريطة الانسحاب الروسي من سوريا تجاه أوكرانيا... من يغادر لن يعود

الخميس 19 مايو 202205:11 م

في 30 أيلول/ سبتمبر من العام 2015، سُجّلت أولى الطلعات الجوية للقوّات الرّوسية في الأجواء السورية، في إعلان صريح منها عن تدخلها العسكري إلى جانب رئيس النظام السوري بشار الأسد، في قمع مناطق الثورة السورية وفصائل الجيش الحر التي وُلدت بعد عام 2011.

إلى اليوم، لا تزال كلمة الفصل في غرف العمليات العسكرية تملكها روسيا ويأتمر بها الجيش السوري والميليشيات المحلية والأجنبية التي تقاتل إلى جانبه، وهي من تتخذ قرارات الحرب والتقدم والتراجع وترسم خرائط العمليات القتالية ومخططاتها، وتؤمن لها الغطاء الجوي، وبالكاد يمر يوم على أجواء سوريا من دون أن يخرقه هدير الطائرات الحربية الروسية أو طائرات التجسس والمسيّرات.

الانتشار والتعداد

تنتشر قوات روسيا في سوريا في أربع نقاط مركزية هي نقاط الانطلاق للعمليات القتالية، الأولى في المياه الإقليمية في البحر المتوسط حيث تتركز فيه ست بوارج حربية تقوم بمهمّة قصف المناطق الخارجة عن سيطرة النظام بصواريخ "كاليبر" الباليستية المجنحة، وضرب تحصينات فصائل المعارضة السورية بالقرب من خطوط التماس بالصواريخ ذاتها، والتي أدت إلى مقتل الكثير من السوريين، ومنها مجزرة "حي وادي النسيم" في مدينة إدلب عام 2019.

في 30 أيلول/ سبتمبر من العام 2015، سُجّلت أولى الطلعات الجوية للقوّات الرّوسية في الأجواء السورية، في إعلان صريح منها عن تدخلها العسكري إلى جانب النظام السوري 

النقطة الثانية، "قاعدة حميميم الجوية" وهي المسؤولة عن التواجد الروسي في سوريا، وتقع جنوب مدينة اللاذقية في مطار تجاري سابق، وخضعت لمراحل توسيع عدة، وحتى بداية العام 2020 احتوت القاعدة على نحو 80 طائرةً حربيةً من طراز Mig-29 وSu-24 وSu-25 وSu-35 وطائرات مروحية من طراز mel mi-18 وmel mi-24 وقاذفتين إستراتيجيتين من طراز Tu-120 وTu-160، ومنصات دفاع جوي منها منظومة S-400.

النقطة الثالثة، مطار T-4 في ريف حمص الشرقي وتستخدمه روسيا كمقر قيادة لفيلق المدفعية الروسية العامل في سوريا والمسؤول عن نقل الصواريخ الباليستية من طراز "Scoud-B" وتحريكها واستخدامها، ومشاريع تدريب الميلشيات المحلية على الراجمات الروسية كراجمات "سميرتش" وقاذفات "فولكان" المتعددة الإصدارات وراجمات "Tos" القصيرة المدى، ومدافع الميدان من عيارَي 130 ملم و155 ملم، والتي أجرت روسيا تعديلات على ذخائرها وأصبحت موجهةً بالليزر "قذائف كراسنبول" وقامت في العام 2021 بإطلاقها على أرياف إدلب وحلب.

النقطة الرابعة، قاعدة جبل علي في البادية السورية وتقع في شمال مدينة تدمر السورية بنحو تسعة كيلومترات، وهي قاعدة مخصصة لقيادة العمليات العسكرية في البادية والشرق السوري وتؤدي مهامها وحدات من قوات المهام الخاصة الروسية والشرطة العسكرية الروسية.

وللقوّات الروسية في سوريا معسكرات فرعية تابعة للقواعد الأربعة السابقة الذكر، كميناء طرطوس ومدينة الباسل الرياضية في مدينة اللاذقية، والمربع الأمني في مدينة حلب وسوق البطاطا القديم في مدينة سراقب في ريف إدلب الشرقي في جبل زين العابدين ومعسكر مدينة حماه، ومطار الشعيرات في ريف حمص الشرقي، وفي الميادين في دير الزور والطبقة وعين عيسى في الرقة والقامشلي في الحسكة، ولهذه المواقع الفرعية في كل منطقة معسكرات عدة.

وبحسب ما أعلنت وزارة الدفاع الروسية في وقت سابق من العام 2020، فقد بلغ عدد القوات التابعة لوزارة الدفاع والكوادر المتعاقدة معها في سوريا، نحو 27 ألفاً، يُعتقد بأن 12 ألفاً منهم عسكريون وجنرالات، وما تبقى هم من المهندسين والفنيين والعمال والضباط المتقاعدين الذين يعملون في ما يُسمى "مركز المصالحة السورية"، وفي مناجم الفوسفات والمرافئ التي تسيطر عليها روسيا والشرطة العسكرية التابعة لها.

الغاية الروسية

يظهر جلياً تخبّط الموقف العسكري الروسي في غزو أوكرانيا، فعلى عكس ما روجت له وسائل إعلام الكرملين بأنها عملية خاطفة لا تطول لأكثر من شهر واحد، إلا أنها امتدت حتى اليوم لثلاثة أشهر من دون إحراز أي تقدم يُذكر، وعقب اصطدام القوات الروسية بالدفاعات الأوكرانية أصبح الموقف أشدّ حرجاً مما دفع بروسيا لاستجداء الأصدقاء من بيلاروسيا والشيشان.

للقوّات الروسية في سوريا معسكرات فرعية تابعة للقواعد الأربعة السابقة الذكر، كميناء طرطوس ومدينة الباسل الرياضية في مدينة اللاذقية، والمربع الأمني في مدينة حلب

يتحدث الباحث في الشأن السوري تركي المصطفى، إلى رصيف22، حول دوافع روسيا لسحب قوّاتها من سوريا، ويقول: "منذ بدء الغزو الروسي لأوكرانيا بدأت موسكو بتجنيد المرتزقة للقتال إلى جانبها، وقد نشرت إعلانات لتجنيد سوريين على أمل المساعدة في السيطرة على كييف وإنهاء المعركة في عملية عسكرية خاطفة بعد أن ثبت أن الجيش الروسي غير قادر على تغطية الجبهة في أوكرانيا، لذلك تمّت الاستعانة بمقاتلين مرتزقة كالسوريين والشيشان من أجل المشاركة في تطويق المدن الكبرى، وعلى وجه الخصوص العاصمة كييف التي فشلت كل الخطط الروسية حتى الآن في تطويقها".

يضيف: "القوّات الروسية تعاني من مشكلات أهمها القيادة الضعيفة وانخفاض الروح المعنوية وكل هذه المشكلات أدت إلى تأخر الجدول الزمني الروسي للسيطرة على أوكرانيا، ولهذا السبب سحبت روسيا جزءاً من قوّاتها في سوريا وبالأخص من منطقة الجزيرة السورية وشرق الفرات ومن ثلاثة مطارات (التيفور والشعيرات وحميميم)، لتحلّ محلّها، خاصةً في الجزيرة، قوّات إيرانية وميليشيات شيعية تابعة لها".

برأي المصطفى، فإن "الانسحاب الروسي الجزئي جاء نتيجة العجز في محاولة إطباق السيطرة على إقليم دونباس الإستراتيجي بالنسبة إلى روسيا، ما دفعها إلى الاستعانة بقوّات أكثر كفاءةً وهي قوّاتها الموفدة إلى سوريا والتي تعيش حرباً واقعيةً وتنفذ عمليات عسكريةً حقيقيةً على عكس القوات المتواجدة في روسيا والتي تتلقى العلوم العسكرية بشكل نظري، وعلى أقل تقدير فإن الطيارين الذي شاركوا في سوريا أكسبتهم التجارب خبرةً في تفادي المضادات الأرضية ومهارات في التسديد وضرب الأهداف الأرضية وهذا ما يفتقر إليه جميع الطيارين العاملين في سلاح الجو الروسي".

ويلفت المصطفى إلى أنّ "هذا الانسحاب هو دائم وليس مؤقتاً، وعودة تلك القوات مجدداً إلى سوريا تتعلق بنتائج الغزو الروسي لأوكرانيا، والمعطيات الحالية تشير إلى أنها معركة طويلة الأمد ومن الصعب جداً أن تحسم روسيا المعركة في أوكرانيا لصالحها، أقلّه في المدى المنظور".

القوّات المغادرة

لم تعلن وزارة الدفاع الروسية عن سحب أي من قوّاتها من سوريا، لكن المفاجأة كانت في 5 آذار/ مارس الفائت عندما أسقطت الدفاعات الأوكرانية طائرة سوخوي روسية وتمكنت من أسر قائدها الجنرال كروسنو يارتسيف الذي يتبع لسلاح الجو الروسي في قاعدة حميميم، وتوثّق صور ملتقطة خلال زيارة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لقاعدة حميميم في كانون الأول/ ديسمبر من العام 2017، ظهور الطيار الروسي في سوريا.

الانسحاب الروسي الجزئي جاء نتيجة العجز في محاولة إطباق السيطرة على إقليم دونباس الإستراتيجي بالنسبة إلى روسيا، ما دفعها إلى الاستعانة بقوّات أكثر كفاءةً وهي قوّاتها الموفدة إلى سوريا والتي تعيش حرباً واقعيةً وتنفذ عمليات عسكريةً حقيقيةً

أثارت الحادثة جدلاً واسعاً بين الباحثين والمتابعين للشأن السوري، ما دفع بالعديد منهم للبحث عن قوات روسية تنشط في سوريا وقد غادرتها لتشارك في أوكرانيا، لتكشف حادثة أخرى مجهولة التوقيت عن حطام طائرة Su-34 روسية تحمل الرمز "RF-95070" ورقم الذيل "6" وقد تم إسقاطها من قبل الدفاعات الأوكرانية وكانت قد أظهرت صور سابقة لوسائل إعلام روسية وجود الطائرة ذاتها في سوريا.

وغادر الطراد "موسكافا"، أضخم طراد في الأسطول البحري الروسي، المياه الإقليمية السورية في شباط/ فبراير الفائت، إلى مياه البحر الأسود وشارك في قصف المطارات الأوكرانية إلى حين تدميره منتصف نيسان/ أبريل الفائت، كذلك حال بعض القطع البحرية، فمن أصل خمس فرقاطات روسية ترابض في المياه الإقليمية السورية لم يرصد المسح الخرائطي خلال شهر أيار/ مايو الجاري، سوى وجود واحدة فقط، ولم يتم التعرف على هوية القطع المغادرة أو وجهتها لكن من المرجح أنّ روسيا اختصرت على قواتها البحرية المسافة والزمن وأُجبرت على نقل البوارج من البحر الأبيض المتوسط عبر مضيق البوسفور إلى البحر الأسود قبالة السواحل الأوكرانية.

وتزامناً مع إصدار الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قراراً بنقل قائد القوات الروسية في سوريا الجنرال ألكسندر دفورنيكوف، وتعيينه قائداً عاماً للعمليات العسكرية الروسية في أوكرانيا، نقلت العديد من المصادر المحلية السورية أنّ روسيا أخلت الجزء الأكبر من قوّاتها المتواجدة في مطار T-4، ومدينة تدمر ومدينة القامشلي، وحلّت مكانها فرق من الحرس الثوري الإيراني.

أبرز مواقع الانسحاب

بحسب تقرير لـ"موسكو تايمز" الروسية المستقلة، وجد بوتين نفسه مضطراً إلى تقليص العمليات في سوريا، لدعم الحملة المتوقفة لضم إقليم دونباس شرقي أوكرانيا، ونقل تقرير عن مصادر خاصة، أن القوات الروسية انسحبت من نقاط عسكرية.

سحب الروس جزءاً من قواتهم من مطار القامشلي، ومن المتوقع تخفيض عدد هذه القوّات في عدد من المواقع الأخرى في شمال وشرق سوريا، أهمّها مطار الطبقة العسكري، بالإضافة إلى قواعد في الرقة وعين عيسى وكوباني

ويقول الناشط مهند العلي من مدينة الحسكة لرصيف22 إن القوات الروسية انسحبت من بعض المواقع التي كانت تتواجد فيها في المحافظة وحلّ محلّها قوّات النظام والميليشيات الشيعية التابعة لإيران، كما تحدث تجمع أحرار حوران عن انسحاب مجموعات من القوّات الروسية في محافظة درعا ضمن مدينتي درعا وازرع، كذلك خفّ نشاطهم الميداني كالدوريات والجولات و"لكن بعد خروج كلام عن انسحابهم ذهبوا لتوزيع معونات في بصرى الشام وخرجت دورية روسية تجولت في منطقة الجيزة بريف درعا".

ويفيد عبدالرحيم خوبي وهو باحث في مركز جسور للدراسات، في حديث لرصيف22، بأن الروس سحبوا جزءاً من قواتهم من مطار القامشلي، ومن المتوقع تخفيض عدد هذه القوّات في عدد من المواقع الأخرى في شمال وشرق سوريا، أهمّها مطار القامشلي ومطار الطبقة العسكري، بالإضافة إلى قواعد في الرقة وعين عيسى وكوباني ومنبع وتل آخر وعامودا والدرباسية.

ويقدر عدد القوات التي سحبتها روسيا من قواعدها في شمال وشرق سوريا بالمئات، إلا أنه حتى اللحظة لا توجد أعداد واضحة ودقيقة عن عمليات الانسحاب التي اقتصرت على الجنود، ولم يتم تأكيد سحب المعدات العسكرية والأسلحة الثقيلة أو المتوسطة.

الإستراتيجيات الفاشلة

من المعروف عن القوات الروسية اتّباعها إستراتيجية الأرض المحروقة، إذ تقوم بتدمير أي بقعة جغرافية عبر قصفها من البر والبحر والجو بجميع أنواع الأسلحة حتى يُتاح لقواتها البرية التقدم والسيطرة، وهذه الإستراتيجية أجدت نفعاً في حروب روسيا في أفغانستان والشيشان وسوريا، إلا أن تطبيقها في أوكرانيا قد يشعل فتيل فوضى داخلية ويعرضها للمزيد من الضغوط الغربية، ما دفع بها إلى تجنبها".

يؤكد المحلل العسكري والضابط المنشق عن قوات النظام، سالم الحمد، لرصيف22، "فشل التكتيكات الروسية في حرب المواجهة"، ويفنّد العديد من الأسباب التي دفعت بروسيا إلى سحب قواتها من سوريا، فـ"الجيش الروسي يستشري فيه الفساد الداخلي ويلاقي الجنود الروس معاملةً سيئةً من قبل الضباط مما أسهم في خفض الروح القتالية لديهم، وقد لاحظنا الأعداد الكبيرة من الجنود وهم يسلّمون أنفسهم إلى القوّات الأوكرانية أو ينسحبون أمام ضربات الأخيرة".

تلجأ روسيا إلى القوات التي تعيش برفاهية أعلى وبعيدة عن الضغوط النفسية كقوّاتها في سوريا التي تتقاضى مرتبات تبدأ من 3،500 دولار أمريكي وتتوفر لها الخدمات كافة ويتم دفعها من قبل نظام الأسد

ويلاحظ أن "القوات الروسية تخلّت عن العديد من المواقع والمعسكرات الأوكرانية التي سيطرت عليها من دون أدنى مقاومة تُذكر للهجمات المضادة الأوكرانية، والعشوائية في أسلوب القتال الروسي ناجمة عن الضغوط النفسية والمعيشية التي يواجهونها، والتي أفقدتهم عقيدة القتال".

ويشير الضابط إلى أن "ضعف الخدمات اللوجستية أفقد الجندي الروسي ثقته بقادة الميدان، وكنا قد شاهدنا الأرتال الروسية العالقة في الغابات بالقرب من الحدود الأوكرانية بسبب نفاد مخزونات الوقود التي باعها الجنرالات والضباط الرفيعو الرتب، كذلك حال الأطعمة والمخصصات الطبية، ومن الطبيعي أن تلجأ روسيا في هذه الحالة إلى القوات التي تعيش برفاهية أعلى وبعيدة عن الضغوط النفسية كقواتها في سوريا التي تتقاضى مرتبات تبدأ من 3،500 دولار أمريكي وتتوفر لها الخدمات الصحية والغذائية والترفيهية وكل ذلك على نفقة السوريين ويتم دفعها من قبل نظام الأسد".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard