يا نجمة الصبح...

الأربعاء 11 مايو 202207:07 م

كنتُ في بيتي في برلين لحظة شاهدتُ خبر سقوط المراسلة الفلسطينية شيرين أبو عاقلة، 

سالت دموعي ولم أستطع للحظة تمييز المكان، وشعرت بالخوف والرعب،

وشعرت بوجود القناص المتربص في مكان ما.

دون أن أشعر وضعت أغنية يا نجمة الصبح وأنا أتابع وداع شيرين أبو عاقلة. هذه الأغنية التي سمعتها في كل مرة كنت أفقد صديقاً عزيزاً شهيداً في سبيل الحقيقة والحرية.

قلة الحيلة أمام هول الحدث!

إنه يشبه مكاناً ما في سوريا وتحديداً مكاناً ما قرب مخيم فلسطين، قرب درعا البلد حيث ينتشر القناصة على مبنى البريد. لكنها ليست سوريا إنه مخيم جنين، ذلك المكان الأسطوري الذي أعيا قوات الاحتلال لدى اقتحامه. 

دون أن أشعر وضعت أغنية "يا نجمة الصبح" التي غنتها سناء موسى. استمعت إلى الأغنية وأنا أتابع وداع شيرين أبو عاقلة. كانت كنجمة في ليل بلادنا الدامس. كانت تضيئ حلكة الأخبار بشجاعتها وصوتها.
هذه الأغنية التي سمعتها في كل مرة كنت أفقد صديقاً عزيزاً شهيداً في سبيل الحقيقة والحرية.

فقدنا شيرين أبو عاقلة، ذلك هو شعورنا جميعاً كأننا فقدنا أحد أفراد عائلتنا، أو صديقاً مقرباً نعرف عنه الكثير.

إنه يشبه فقد عشرات الأصدقاء الصحافيين الذين أرداهم القناصة في لحظة لم نكن نتخيل فقدهم. 

 تلوت في سري قصيدة محمود درويش: 

لم يسألوا ماذا وراء الموت؟كانوا

يحفظون خريطة الفردوس أكثر من

كتاب الأرض، يشغلهم سؤال آخر:

ماذا سنفعل قبل هذا الموت؟

 قرب حياتنا نحيا، ولا نحيا 

الساعة العاشرة في أحد صباحات دمشق، تتسلل الشمس بهدوء الى الصالون الداخلي في البيت. أنهض بسرعة وأبدأ بإعداد القهوة على عجل.

يدير أخي الأكبر التلفزيون ثم يصلني صوت نشرة الأخبار الى المطبخ. أنتهي من إعداد القهوة ومن ثم أطير نحو التلفزيون مرة أخرى. 

نتسمر كالممسوسين أمام نشرة الأخبار.

تظهر شيرين أبو عاقلة على خطوط التماس الحامية في الأراضي المحتلة. ترفو المسافة الناقصة بيننا وبين خيالات رسمناها للقدس والمسجد الأقصى وأراضي الضفة الغربية. 

في ملامح وجهها أرى نفسي شاباً فتياً يحلم بتغيير العالم.
 يرغب بالهتاف مع متظاهري المسجد الأقصى ويحلم بالصلاة فيه،
 يريد زيارة حيفا ويافا وكل الأماكن التي كانت تقف فيها شيرين

كانت تنقل لنا مثل الجدات وكتب الأدب والحكايات الأسطورية قصص المقاومة والصمود.

 وها هو فقدها يعيدني الى ذاكرة توارت خلف عشر سنوات من فقد الحقيقة. 

في ملامح وجهها أرى نفسي شاباً فتياً يحلم بتغيير العالم.

 يرغب بالهتاف مع متظاهري المسجد الأقصى ويحلم بالصلاة فيه.

 يريد زيارة حيفا ويافا وكل الأماكن التي كانت تقف فيها شيرين وزملاؤها ليظهروا لنا جانباً من حلم مفقود في حياتنا. 

كنا نحلم بتحرير فلسطين. 

ماذا يعني أن تكون مراسلاً على خطوط الجبهات؟ 

تساءلتُ خلال العشر سنوات وأنا أشاهد مواطنين صحافيين ومراسلي محطات تعلموا الصحافة تحت قصف الطائرات وبين رصاص المعارك.

وعلى الرغم من اختلاف الأجوبة إلا أن شيرين اختصرته بقولها: "كنت أريد أن أكون قريبة من الإنسان، ليس سهلاً أن أغير الواقع، لكنني على الأقل،كنت قادرة على إيصال ذلك الصوت إلى العالم. أنا شيرين أبو عاقلة".

 أزعم أن شيرين أبو عاقلة وزملاءها في مكتب الجزيرة في فلسطين ألهموا مئات الصحافيين والصحافيات في سوريا الذين انطلقوا نحو الحرية بكل شجاعة. 

كانت من أولئك الملهمين لقول الحقيقة مهما كان الثمن.

لم أشك يوماً في أن الاحتلال الإسرائيلي هو المعلم الأول الذي دشن عصرنا بمجازر كفر قاسم ودير ياسين، كان راعياً ومعلماً وملهماً للأنظمة التي حكمتنا بالنار والحديد

 شكلت بصوتها الرخيم وإطلالتها الجميلة الشجاعة مساحة من الحرية التي حلمنا بامتلاكها، وبأننا سنستطيع يوماً ما نقل واقعنا المؤلم.  كانت جزءأً من ذاكرتنا في يوميات الموت البطيء في سوريا.

وعند اندلاع الثورة في سوريا كانت شيرين واحدة من الملهمات لنا لِنُخاطر من أجل نقل صوتنا إلى العالم. 

وفي مرحلة ما من الثورة السورية أدركنا أن تغيير الواقع ليس ممكناً ولكننا حاولنا أن نوصل الصوت.

 سقطت شيرين برصاص قناصة وأفاقت معها كل ذاكرة الرعب التي عششت في ذاكرتي طوال العشر سنوات، وداهمت وجهي ملامح محمد المسالمة أبو النمر، الشاب الذي بدأ متظاهراً في شوارع درعا البلد ومن ثم تحول لمراسل لقناة الجزيرة وسقط برصاص قناصة أثناء تغطية إحدى المعارك. 

قامت قوات الاحتلال بمنع توافد الفلسطينيين الى منزل الشهيدة شيرين أبو عاقلة، ومثلما كان يفعل النظام السوري عند سقوط شهداء كان يمنع إقامة العزاء لهم.

 خلال السنوات العشر الماضية ظهرت الكثير من الأصوات التي كانت تقول بأن الاحتلال الإسرائيلي أكثر إنسانية من النظام السوري، ولم أشك يوماً في أن الاحتلال الإسرائيلي هو المعلم الأول الذي دشن عصرنا بمجازر كفر قاسم ودير ياسين، كان راعياً ومعلماً وملهماً للأنظمة التي حكمتنا بالنار والحديد. 

سقطت شيرين أبو عاقلة في لحظة تاريخية مفصلية أغرقت ذاكرتنا بالمجازر، في لحظة نحاول فيها التشبث بالحقيقة ورويها وتذكير العالم بها

ولم يكن مشهد اغتيال الصحافية شيرين أبو عاقلة محاكاة لما قام به النظام السوري، لا بل كنا نعيش على مدار العشر سنوات محاكاة لما قام به العدوان الإسرائيلي ولما يمكن أن يقوم به. 

سقطت شيرين أبو عاقلة في لحظة تاريخية مفصلية أغرقت ذاكرتنا بالمجازر، في لحظة نحاول فيها التشبث بالحقيقة ورويها وتذكير العالم بها.

 وها هو غياب وجهها يهز ذلك المكان الحميمي الذي ساهمت بتشكيله طيلة 25 عاماً من عملها كمراسلة صحافية على خطوط التماس. 

كانت امرأة شجاعة فلسطينية حقيقية. يشبه موتها شيئاً شعرياً تختصره الأغاني والأهازيج.

 شيعت مئات الشهداء وها هي شهيدة اليوم نشيعها بقلوبنا وعقولنا.

 يشيعها ملايين من الحالمين بوطن أجمل. تحت هتاف "الموت ولا المذلة". 

 يشيعها مَن لم يرعبهم رصاص الإرهاب والاحتلال.

من أنصتوا إلى صوتها الحق، ومثلها طالبوا بالحق.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard