يخدش حياءهم نشر الغسيل الوسخ أكثر من وسخ الغسيل نفسه... عن رسائل جامعية مرفوضة

الاثنين 16 مايو 202212:43 م

كنت أستند إلى الجدار المقابل لمكتب رئيس قسم علم الاجتماع في الجامعة، منتظراً دوري لأوقّع ورقةً رسميةً، ثم فجأةً راحت تصلني من داخل غرفة المكتب أصوات ومساجلات تدل على أن هناك شخصاً ما محشوراً في زاوية ما، بينما تنهال عليه لكمات الأصوات والتوبيخ، ليخرج فجأةً أحد الدكاترة صارخاً باحتجاج: "ما معقول أنتو!!".

حتى اليوم، لم أتبين هل كان احتجاجه على سلوك الدكاترة المجتمعين في جلسة السيمنار تلك، وموقفهم من الطالب!؟ أم كان محتجاً على الطالب نفسه صاحب البحث المرفوض؟ ازداد فضولي، تُرى ماذا يحدث في الداخل؟

انفضّ الاجتماع وخرج الجميع بهيئات ليست مريحةً. يبدو الغضب على أغلب الوجوه، وعلى بعضها يبدو العجز. اقتربت من الطالب الغاضب الذي يتصرف كمن لم يعد يهمه أن يخسر أي شيء، حتى مستقبله الدراسي، إذ يتكلم بصوت عالٍ كأنه يريد أن يُسمِع قصته إلى جميع من في بهو كلية الآداب، بل جميع من في الجامعة: "أنتو ما طبيعيين، وبشك إنو يكون إلكن علاقة بالبحث العلمي... يعني من وين جبلكن مواضيع مهمة؟ أكيد ع المريخ ما في مواضيع بتهمّ الواقع السوري!".

سألته معتذراً عن فضولي: "آسف... بس فيي أعرف شو عنوان أطروحتك؟". رد بتلقائية كأنما كان يحتاج إلى هذا السؤال، بل يحتاج إليّ أنا الغريب كشاهد على المهزلة. قال: "أشتغل على بحث يخصّ الدعارة في المدينة الجامعية"، ثم أسهب في شرح المشكلة وعمقها 

اقتربت منه أكثر، وسألته معتذراً عن فضولي: "آسف... بس فيي أعرف شو عنوان أطروحتك؟". رد بتلقائية كأنما كان يحتاج إلى هذا السؤال، بل يحتاج إليّ أنا الغريب كشاهد على المهزلة. قال: "أشتغل على بحث يخصّ الدعارة في المدينة الجامعية"، ثم أسهب في شرح المشكلة وعمقها وكيف أن نسبةً ليست قليلةً من الطالبات الجامعيات أجبرتهم الظروف الاقتصادية الرديئة والفساد بأنواعه على دخول عالم الدعارة المتنوع. لا شك في أن الموضوع قد صدمني، أنا الطالب المستجد القادم من مدينة بسيطة شبه ريفية، حاملاً في رأسي كل الأوهام العامة والخاصة عن الفضيلة والأخلاق الخالصة التي تستند إلى مبدأ بسيط جداً لا يمتّ إلى قوانين المجتمعات بصلة، إذ يقول المبدأ: "تجوع الحرة، ولا تأكل بثدييها"، ثم لاحقاً تبين أنها تأكل بثدييها، وبعرق فرجها إن جاعت، بل إن الجميع، إناثاً وذكوراً، سيأكلون بعرق ذلهم إن هم جاعوا، إذ إن للقوانين الاجتماعية فعل القوانين الطبيعية، فالفقر يؤدي إلى الخراب والانحراف بأنواعه وإن كان هناك استثناء ما، فإنه الرقم الذي لا يغير في المعادلة أي شيء، كما أنني أناصر الرأي العميق الذي قدّمه المفكر الشهير علي شريعتي: "إن زنت امرأة بسبب الجوع، فيجب رجم المجتمع"، وهو يردّ بقوله هذا على القوانين والوصم والحدود في آن.

حين تبحث في أي مشكلة اجتماعية، فإنك ستصل حتماً إلى البعد السياسي، وهذا أحد المحرمات التي لا يجوز الاقتراب من سورها حتى.

ليس جديداً أن نقول: إن السلطات والأنظمة التي ربّت لسنوات طويلة كل أنواع التسلط والخوف وغياب الحريات، يخدش حياءها الحديث عن الخراب أكثر من الخراب ذاته، إذ إن كشف المستور في غياهب المجتمع وأزقته يشوه صورتها المبنية على الكذب والأوهام وعمليات المكيجة المفضوحة والتجميل المفتعل، ذاك الذي يتغنى به شعراء المنابر الذين تربوا في متن آلة الكذب التي لا تعرف التوقف، ويتغنون بالقمل الذي يسرح في شعر الوطن، إذ يحق لك أن تعدد في قصيدتك كل المنجزات الوهمية لتشارك في إنجاز الوهم الأكبر.

كما أن الفصام واضح وجليّ في كل التفاصيل، فمن جهة أنت كطالب في قسم علم الاجتماع سوف يُحاضَر فيك وتدرس وتُمتحن على مدى أربع سنوات في كل ما قاله الآباء المؤسسون لعلم الاجتماع، من ابن خلدون إلى فيبر وماركس وكونت ودوركايم وسبنسر وغيرهم الكثير، إذ إنهم جميعاً وإن اختلفوا في الطرق والمناهج والرؤيا وأسلوب تناول الظواهر، إلا أنهم مجمعون على مبدأ واحد تقريباً، وهو تناول المجتمع وظواهره ومشكلاته بطريقة علمية موضوعية، فالظاهرة الاجتماعية هي في النهاية موضوع للبحث، كما الظاهرة الطبيعية، وإلا كيف ستفرق بين الثرثرة والتخمين العادي والبسيط في فهم الظاهرة الاجتماعية، وبين الكلام العلمي المبني على الموضوعية والحصافة في الفهم والتفسير ووضع الحلول؟ هذا كله يحصل لك كمتلقٍ وطالب.

ثم فجأةً، وعندما تريد أن تدخل مضمار البحث، تبدأ الخطوط الحمراء التي يضعها عقل يشبه العقل الديني التحريمي القائم على الخوف من الحقيقة، على الخوض فيها كي لا تتزعزع أعمدة الإيمان وتنكشف هشاشته، إذ يتم استيراد المقولات من ميدان الخطاب الديني إلى ميدان العلم: "وإذا ابتليتم بالمعاصي فاستتروا". خطابات تعلّمك النفاق بدقة. خطابات ترفض رمي الحصى التي تحرك ماء البحيرة. إنه الركون إلى الماء الآسنة، وتتشابه في هذا الأيديولوجيات الدينية والسياسية الكليانية كلها. نعم كان ذلك كله فقط من أجل الامتحان في نهاية السنة، ومن أجل ورقة مزخرفة تعلقها على جدار البيت عندما تنهي المقررات كلها في السنوات الجامعية كلها، ثم ليُمَنّ عليك بوظيفة تمضي فيها بقية عمرك وقد تعينك على تأمين جزء من مصاريف الحياة إلى جانب أعمال عدة ستقوم بها.

بدل أن يكون قسم علم الاجتماع في الجامعة هو القسم المعنيّ بمثل هذه المهمة، نجده شريكاً فاعلاً في جوقة من يمارسون الحجب والتمويه والمكيجة وتمييع القضايا العميقة، عن طريق رفض مواضيع وأبحاث تمس عمق المشكلات الاجتماعية، وتوجيه الطلاب إلى مشكلات هامشية وعمومية ضمن طريقة طرح تقليدية همّها الأول ألا تمسّ هذه المعالجة بعمق الحدث أو الظاهرة

يُفترض في أصل تعريف المؤسسة التعليمية بشكل عام، كالجامعة، أو قسم علم الاجتماع فيها، أنها مركز للعلم والبحث والاشتغال على زيادة مساحات الوعي لدى الأجيال الصاعدة نحو مهام بناء المجتمع وتمكينه بكل السبل المتاحة ولكل الفئات والشرائح، ولتفتح آفاقاً لفهم البنى والعلاقات الاجتماعية وتشخيص أمراض المجتمع ومشكلاته، لكننا نجدها مشلولةً ومهمشةً؛ فبدل أن يكون قسم علم الاجتماع في الجامعة هو القسم المعنيّ بمثل هذه المهمة، نجده شريكاً فاعلاً في جوقة من يمارسون الحجب والتمويه والمكيجة وتمييع القضايا العميقة، عن طريق رفض مواضيع وأبحاث تمس عمق المشكلات الاجتماعية، وتوجيه الطلاب إلى مشكلات هامشية وعمومية ضمن طريقة طرح تقليدية همّها الأول ألا تمسّ هذه المعالجة بعمق الحدث أو الظاهرة، فكل ما هو اجتماعي هو بالضرورة اقتصادي وسياسي. وأنت حين تبحث في أي مشكلة اجتماعية، فإنك ستصل حتماً إلى البعد السياسي، وهذا أحد المحرمات التي لا يجوز الاقتراب من سورها حتى، وعادةً ما يكون المشرف مجرد حارس أمين يضبط تحركاتك بدقة، محمّلاً بالحذر الأمني، حتى على مستوى اختيار المفاهيم والمصطلحات واستبدالها حد التمويه، مثلاً: مجتمع مدني كلمة مشكوك في وطنيتها، والأفضل أن نقول: مجتمع أهلي... إلى آخره من الأمثلة.

أتذكر نظرة أستاذي الجامعي الغريبة، حين قرأ عنوان أطروحتي التي قررت البحث في موضوعها، وتتناول العلاقة بين الحريات بأنواعها وبين محتوى المناهج الدراسية ودور المجتمع المدني في ذلك. بعد سجال طويل، علا صوته رافضاً هذا البحث، لأخرج من مكتبه غاضباً، وفي يدي أوراق أبحث لها عن سلة مهملات قريبة، ولم يكن ثمة طالب ينتظر لسبب ما، فأخبره بأمر العراك الذي كان يدور في الداخل.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard