القليل من الكليشيهات لا يضرّ... كيف تنقذ الأمهات العالم؟

الثلاثاء 10 مايو 202207:47 ص

يتهمني أصدقائي بأن قراراتي مبنية على العاطفة فحسب. في الحقيقة لا أنكر ذلك، لكن أعتقد أن الخيارات العاطفية هي أقرب الخيارات إلى الصواب، على الأقل بالنسبة إلي. فأفضل القرارات التي اتخذتها في حياتي، مثل التخلي عن مهنة الصيدلة، بعد دراسة شاقة، والبدء من الصفر في مهنة الصحافة، كانت دوافعها عاطفيةً تماماً.

أريد أن أنبّه إلى أن هدفي ليس ترسيخ الفكرة المتجذرة عن قدسية الأمهات، أو قداسة الحب الأمومي، إنما ما أفكر فيه هو مدى قدرة العاطفة على إحداث تغييرات اجتماعية.

عندما أفكر في ثورة كانون الثاني/ يناير، على سبيل المثال، أتذكرها بشكل عاطفي جداً، مثل الحب الأول، بالرغم من النهاية المأساوية التي آلت إليها. لكن دعك من قراراتي العاطفية، أريد أن آخذ الأمر إلى نقطة أبعد. إن الأساس الذي بُني عليه النظام الأبوي، وفقاً لغيردا لينر في كتاب "نشأة النظام الأبوي"، هو أن الرجال يمتلكون الحكمة والمنطق، لذا هم أصلح لدور القيادة. أما النساء، فلا يصلحن سوى للإنجاب والرعاية، والدعم. وقد نجح النظام الأبوي في ترسيخ فكرة أن النساء عاطفيات أكثر من الرجال، ليس هذا فقط، بل أن العاطفة أمر لا يمكن الاحتكام إليه، أو أنها تأتي في مرتبة أدنى من العقل والمنطق.

في البداية، أريد أن أنبّه إلى أن هدفي ليس ترسيخ الفكرة المتجذرة عن قدسية الأمهات، أو قداسة الحب الأمومي، إنما ما أفكر فيه هو مدى قدرة العاطفة على إحداث تغييرات اجتماعية. إحدى المقالات التي كتبتها الصحافية الأسترالية، ليزا ميللر، حملت عنوان "محاربة الإرهاب بالحب، كيف استطاعت الأمهات استخدام العاطفة لمعالجة التطرف". واستعرضت فيها الاجتماع الأول لجمعية "عائلات ضد الإرهاب والتطرف"، الذي أجري في باريس، عام 2016، لمجموعة من العائلات والأمهات اللواتي عزمن على استجماع جهودهن لوقف التطرف والإرهاب وتبادل الخبرات والموارد لحماية أبنائهن من هذا المصير بدافع عاطفي بالطبع. لا أحد يتمنى أن يلقي ابنه بنفسه إلى الجحيم. أعرف أن الأمر ربما يثير التهكم، فمكافحة الإرهاب مهمة شاقة، والأفضل أن نتركها للرجال، أليس كذلك؟ إن الأمر ليس كأمنيات ملكات جمال العالم بأن يعمّ السلام على الجميع، مع احترامي لأمنياتهن، لكن هناك خطوات على الأرض بالفعل للنساء ودورهن في صناعة السلام، وتحديداً للأمهات.

أعرف أن الأمر ربما يثير التهكم، فمكافحة الإرهاب مهمة شاقة، والأفضل أن نتركها للرجال، أليس كذلك؟ إن الأمر ليس كأمنيات ملكات جمال العالم بأن يعمّ السلام على الجميع، مع احترامي لأمنياتهن، لكن هناك خطوات على الأرض بالفعل للنساء ودورهن في صناعة السلام، وتحديداً للأمهات

لماذا الأمهات تحديداً؟

يحلل المختصون الأسباب التي تجعل الشباب الذي يعيشون في دول أوروبية حياةً رغدةً، يتركون هذه الحياة المريحة ويذهبون إلى داعش. ومن ضمن الأسئلة التي يطرحونها: أين كانت الأسرة والأصدقاء؟ وما إذا كانوا قد تركوا فراغاً في حياة هؤلاء الشباب ملأته داعش؟ هناك أسباب أخرى بالطبع، وبعضها نفسي مثل قلة الثقة بالنفس، أو الوعود بالتمكين في الجماعات المتطرفة، ومن داخل الأسرة تبدأ محاربة التطرف؛ الأم هي من تلاحظ التفاصيل الصغيرة التي تطرأ على ابنها، مثل توقفه عن الضحك، أو تجهمه قليلاً، أو تطويل لحيته، أو عزلته، وامتناعه عن الجلوس مع الأسرة، أو استخدامه لمصطلحات عنيفة، وقد تمتد إلى التمني الدائم للشهادة. إنه الحدس الذي تعرف به الأم أن شيئاً ما قد تغير في ابنها. لكن بالتأكيد لا يذهب الشباب المتجهمون كلهم أو الذين يعانون من انخفاض الثقة بالنفس، إلى داعش، إنما الغرض هو الملاحظة، لكن على الجانب الآخر ليس المراد هو المزيد من التسلط الأمومي. بالتأكيد ليس هذا المقصود، وكل ما ندعو إليه من البداية هو استخدام قوة الحب.

لم تكن صليحة بن أحمد، وهي سيدة تونسية الأصل، تعيش في بروكسل منذ ولادتها، وتعمل في العمل الاجتماعي منذ عشرين عاماً، تتخيل أن ابنها الذي يبلغ من العمر 19 عاماً، سيصحو من نومه يوماً ما في عام 2013، ليذهب إلى داعش، "لينقذ العالم" على حد قوله، لكنه لم ينقذ العالم ولقي حتفه بعد شهور قليلة. بعد وفاة ابنها، أحست بن أحمد بأن لها دوراً كي تحمي أبناء الآخرين من مصير ابنها المظلم، لذا كانت تشارك في اجتماعات ومناقشات مع عائلات مهتمة بإبعاد أبنائها عن التطرف، وأسست جمعيةً أسمتها "save Belgium"، لنشر التوعية ضد التطرف. بن صليحة لديها إيمان قوي بأن الأمهات لهن دور محوري في الوقاية ومنع تطرف أبنائهن.

أتذكر حواراً لأستاذة الرياضيات، ليلى سويف، والدة الناشط السياسي علاء عبد الفتاح، التي كانت تفترش الأرض أمام محبسه، منتظرةً خطاباً تطمئن من خلاله عليه، والتي لم تيأس يوماً من المطالبة بحرية ابنها. كل ما تفعله له هو بدافع كونها أماً.

أتذكر حواراً لأستاذة الرياضيات، ليلى سويف، والدة الناشط السياسي علاء عبد الفتاح، التي كانت تفترش الأرض أمام محبسه، منتظرةً خطاباً تطمئن من خلاله عليه، والتي لم تيأس يوماً من المطالبة بحرية ابنها. كل ما تفعله له هو بدافع كونها أماً

ليلى سويف وأمهات ساحة مايو

أحد الأمثلة الأخرى التي كانت فيها الأمومة هي المحرك الأساسي لمواجهة التطرف، ولكن هذه المرة يأتي التطرف من الدولة، هو حركة أمهات ساحة أيار/ مايو، والتي بدأت في عام 1977 في بوينس أيريس في الأرجنتين. ولأنهن كن في المجمل ربّات منزل، ولسن مسيسات مثل سويف، لم يشتركن من قبل في الحياة السياسية أو الاقتصادية، لكن كما قالت النسويات الأوائل، إن "الشخصي سياسي"، أو "personal is political"، وقد اشتركن لأن أبناءهن تعرضوا للاختفاء القسري، الذي كانت تمارسه الحكومة بشكل ممنهج حينها. كانت النساء هؤلاء يخرجن في ساعة محددة مرتديات "إيشارب" أبيض، ويجبن الشوارع، حاملاتٍ أسماء أبنائهن وبناتهن المفقودين والمفقودات.

فالأمهات بفعل قربهن من أبنائهن وبناتهن، وبفعل العاطفة، يمكن أن يكون لهن دور في منع التطرف في مجتمعاتنا، فقط إذا آمنا بأهمية دور النساء عموماً، ولم نقصيهنّ من المشهد.

وقد نجحن في تسليط أنظار العالم على الاختفاء القسري في الأرجنتين، وكان نحو تسعة آلاف إلى 30 ألف شخص، قد اختفوا/ قُتلوا خلال الحرب.

تجادل بعض النسويات الراديكاليات في مفهوم الفطرة، وهل الأمومة فطرة؟ ذلك لأن النظام الأبوى استخدم الفروق البيولوجية لكي يجحم دور النساء في الإنجاب، والرعاية، ويبعدهن عن المجال العام، وربما تكون صورة سلميّة الأمهات، ودموعهن والإيشارب الأبيض من أكثر الصور النمطية في المجتمع، لكن النساء العاديات اللواتي لا يمتلكن أيديولوجيا سياسيةً، ولا نسويةً، يمكن أن يكون لهن دور سياسي في هذا الدور الرعائي الذي فرضه النظام الأبوي.

وإذا أُفسح لهن المجال، يمكن أن يستخدمن الصور/ الأدوار النمطية في صالحنا، فالأمهات بفعل قربهن من أبنائهن وبناتهن، وبفعل العاطفة، يمكن أن يكون لهن دور في منع التطرف في مجتمعاتنا، فقط إذا آمنا بأهمية دور النساء عموماً، ولم نقصيهنّ من المشهد.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard