هل "إصلاح الائتلاف السوري" مقدمة لتنظيم "عودة اللاجئين"؟

السبت 30 أبريل 202202:49 م

لطالما كان ملف اللاجئين السوريين في تركيا ورقةً تلوّح بها المعارضة التركية. ولكن المتغيّر اليوم، أن الحكومة التركية نفسها لم تبدِ حزماً في منع عودة اللاجئين إلى سوريا، ويحصل هذا في ظل دخول الأطراف التركية في عملية "شدّ عصب" جماهيرها، قُبيل الانتخابات المتوقع أن تُجرى بعد نحو سنة من اليوم.

وقال وزير الخارجية التركي مولود تشاووش أوغلو، في 2 آذار /مارس الماضي، إن بلاده تعمل مع الأردن من أجل عودة طوعية للسوريين اللاجئين إلى بلادهم، وأعرب في مؤتمر صحافي مشترك مع نظيره الأردني أيمن الصفدي، في العاصمة أنقرة، عن رغبة بلاده في تنظيم مؤتمر وزاري لمناقشة العودة الطوعية للّاجئين السوريين.

وتُتَداول أخبار منقولة عن مصادر يُقال إنها مطلعة، حول خطة وضعتها الحكومة التركية لإعادة 1.5 مليون لاجئ سوري إلى بلادهم، وذلك تزامناً مع انفراج العلاقات الخليجية التركية بعد زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى الإمارات والسعودية، وتُفيد مصادر هذه الأخبار بأن "تنفيذ الخطة يعتمد على تحسين العلاقات مع النظام السوري التي تلعب الإمارات دور الوسيط فيها"، بالإضافة إلى تأمين مناطق آمنة في الشمال السوري في غضون 15 إلى 20 شهراً.

قال وزير الخارجية التركي مولود تشاووش أوغلو، في 2 آذار /مارس الماضي، إن بلاده تعمل مع الأردن من أجل عودة طوعية للسوريين اللاجئين إلى بلادهم

وتستضيف تركيا قرابة 3.7 ملايين سوري وصلوا إليها على إثر الثورة ضد نظام بشار الأسد، وتحمل غالبيتهم صفة "الحماية المؤقتة"، ويتوزعون بين الولايات التركية ويتركزون في غالبتهم في إسطنبول وغازي عنتاب.

يضع المحلل السياسي عبد الكريم عمر، التصريحات التركية في إطار البازار الانتخابي، ويقول لرصيف22: "على الحكومة التركية مسؤولية أخلاقية في ظرف دقيق وحساس (الحرب الروسية في أوكرانيا ومحاولات من دول عربية للتطبيع مع النظام السوري وعودته إلى الجامعة العربية)، وهي التي رفعت شعارات منذ البدايات مفادها أنها لن تسمح بحماه أخرى والسوريون أخوتنا، بينما تتحدث الآن عن عودتهم الطوعية في ظروف قاهرة".

ويضيف: "العودة الطوعية تأتي في بيئة آمنة ومحايدة، وهذا يتحقق في ظلّ حلّ سياسي شامل وعادل حسب بيان جنيف والقرار الدولي 2254، وتشكيل هيئة حكم انتقالية كاملة الصلاحيات التنفيذية"، مشيراً إلى أن ذلك يحصل في وقت تظهر فيه المعارضة السورية ضعيفةً ومشتتةً.

إصلاح الائتلاف

كان الائتلاف السوري لقوى المعارضة في حال من السبات على صعد عدة، ومع الوقت صار ملحقاً بإرادات الدول، وليس جسماً يُمثّل ما يريده السوريون، على ما يقول أحد أعضائه المستقيلين، في معرض تعليقه على ما أسماه "التشتت وتغليب المصالح الشخصية والتبعية العمياء لدول القرار ومنها تركيا ومنحها الأولوية على الشأن الوطني السوري".

وبدت الأزمة السورية في السنوات الأخيرة وكأنها تتراجع بشكل سريع على سلّم الأولويات الدولية. وساهمت أزمة كورونا في تعميق هذا التراجع إلى أن وصل في مكان ما إلى المساعدات الإنسانية التي تُقدَّم للسوريين المهجرين وغير المهجرين داخل حدود بلادهم وخارجها، في الوقت الذي كانت فيه العملية السياسية تتهاوى بشكل حاد من طموح جنيف1 إلى أستانة واللجنة الدستورية.

لكن، في شهر نيسان/ أبريل الجاري، قرر الائتلاف أن يعود إلى الحياة أو إلى الواجهة في سوريا، من خلال فصل أربعة من مكوناته، وهي: "حركة العمل الوطني"، و"الكتلة الوطنية المؤسسة"، و"الحراك الثوري"، و"الحركة الكردية المستقلة". كذلك تم فصل 22 من أعضائه ووسّع دائرة التمثيل لرابطة الكرد المستقلين من ممثل واحد إلى ثلاثة، وأبقت على عضوية عدد من ممثلي كتلة "الحراك الثوري"، ولكن كمستقلين، كذلك قامت الهيئة العامة بعملية تبديل في تمثيل المجالس المحلية للمحافظات.

تبدو تحركات الائتلاف بحلّته الجديدة في مناطق شمال سوريا وكأنها في إطار تهيئة الأجواء والأرضية المناسبة للمرحلة المقبلة التي من الممكن أن تشهد عودةً لـ"لاجئين" بشكل طوعي، إذ يُريد الأتراك أن يكون هناك ما يُشبه السلطة المحلية في تلك المناطق

وأقرّت الهيئة العامة النظام الداخلي الجديد للائتلاف في 7 نيسان/ أبريل الحالي، وأشارت في بيان نشره الموقع الرسمي للائتلاف إلى أن "قراراتها تأتي ضمن إطار برنامج الإصلاح الذي يسعى الائتلاف الوطني من خلاله إلى تعزيز شرعيته، كمؤسسة تمثل الشعب السوري وتدافع عن ثورته وحقوقه، وتقوية التمثيل في الائتلاف وتصحيحه ليشمل المكونات العسكرية والثورية والسياسية والمحلية كافة".

وتَشكَّل الائتلاف السوري لقوى المعارضة في تشرين الثاني/ نوفمبر 2012، في الدوحة في قطر، وتم انتخاب معاذ الخطيب رئيساً له، وتكون من 63 مقعداً، ويمثل أعضاؤه غالبية قوى المعارضة، كما اعترفت به دول التعاون الخليجي وجامعة الدول العربية ما عدا الجزائر والعراق ولبنان، كممثل شرعي للسوريين، وسحبت اعترافها من حكومة بشار الأسد، كما تلقّى دعماً سياسياً من تركيا وأمريكا وفرنسا ودول حلف شمال الأطلسي، وشهد خلال السنوات الماضية تغييرات عدة على مستوى التمثيل والمكونات.

بيوت العودة الطوعية

تأتي التغييرات التي قام بها الائتلاف السوري، على وقع تقارب واضح بين تركيا ودول الخليج، وتعيين سفير لها في مصر، ما يعني أن متغيرات سياسيةً كثيرةً تحدث على مستوى الإقليم والمجتمع الدولي وتوازياً مع الملف الأوكراني، وفي ظل الحديث عن العودة الطوعية وتطبيع العلاقات مع النظام السوري.

وقال أردوغان في تصريح له في 20 نيسان/ أبريل الحالي: "سنضمن عودة اللاجئين مع استكمال بناء منازل الطوب في شمال سوريا"، وتشهد مناطق شمال حلب، حركة عمران مكثفةً لبيوت سكنية تقوم بها منظمات تركية وقطرية لتوطين النازحين الموجودين داخل المخيمات في المنطقة، توازياً مع حركة لافتة لرئيس الائتلاف وأعضائه في تلك المناطق.

في شهر نيسان/ أبريل الجاري، قرر الائتلاف أن يعود إلى الحياة أو إلى الواجهة في سوريا، من خلال فصل أربعة من مكوناته

يقول المحلل السياسي ياسر العيتي، لرصيف22: "الاستحقاقات الكبيرة المقبلة على المنطقة وسوريا بشكل محدد تحتاج إلى ائتلاف مطواع للرغبة التركية، التي ما تزال الداعم الأكبر للثورة السورية بالرغم من كل التصرفات الهادفة إلى الحفاظ على مصالحها وكيفية تعاملها مع المشكلات الحاصلة في الشمال السوري".

يطرح العيتي الأسئلة حول توقيت ما حصل في الائتلاف وخلفياته من عملية إصلاح يراها غريبةً وغير مقنعة، مشيراً إلى أنه "عندما تتصدر شخصيات تتعامل مع تركيا بتبعية كاملة من دون سيادة أو مساحة لقرار المشهد السوري المعارض (الائتلاف)، فهذا يعني أن العلاقة هي علاقة تبعية، فيما المطلوب أن يكون التعامل بما يناسب المصالح المشتركة وليس مصلحة تركيا فحسب".

لماذا الآن؟

قال رئيس الائتلاف، سالم المسلط، في مؤتمر صحافي عقده في 8 نيسان/ أبريل الجاري، أي بعد يوم من صدور قرارات الهيئة العامة، إن "عنوان الحملة، إصلاح الائتلاف، وهو أمر في غاية الأهمية، لكن الأهم إصلاح العملية السياسية"، مشيراً إلى السعي "إلى تعزيز علاقة الائتلاف بجميع السوريين في الداخل والخارج، وتمثيلهم تمثيلاً حقيقياً وواقعياً. نسعى إلى تمثيل مجالس ومنظمات وجهات فاعلة في الداخل والجاليات السورية في الخارج ضمن مكونات الائتلاف".

وأتت هذه الخطوة بعد أن فقدت المعارضة السورية الكثير من تأثيرها على المشهد السوري، لا سيما بعد خسارتها الكثير من المكاسب العسكرية لصالح النظام السوري وميليشياته، بدءاً من العام 2015 حتى اليوم، والتحوّل من مخرجات جنيف التي كانت تتحدث عن انتقال للسلطة، إلى سوتشي، فأستانة التي عملت على مناطق خفض النزاع وتحديداً في الشمال السوري، فيما لم يحصل أي تقدم في موضوع الحل السياسي وملف المعتقلين منذ عام 2017، تاريخ بدء الاجتماعات هذه وحتى اليوم.

ويقول فارس حميد، وهو ناشط سياسي في شمال غرب سوريا: "الكل يعرفون أن المستهدفين مما سُمي بالإصلاح هم الإخوان المسلمون بسبب سيطرتهم على الائتلاف وقراراته، فأغلب الشخصيات التي تم عزلها محسوبة بشكل أو بآخر عليهم، وتأتي هذه الخطوة بالتزامن مع التقارب الخليجي التركي والمصري التركي".

يجتمع المسلط بشكل دوري مع شخصيات عسكرية ومدنية ومنظمات مجتمع مدني ومجالس محلية، لفتح باب النقاش حول الأوضاع المحلية والإقليمية والدولية

وشهد ريف حلب في شمال غرب سوريا، مؤخراً، زيارات مكثفةً لرئيس الائتلاف، في سبيل رأب الفجوة بين الائتلاف والشارع السوري الذي فقد الثقة به، ويجتمع المسلط بشكل دوري مع شخصيات عسكرية ومدنية ومنظمات مجتمع مدني ومجالس محلية، لفتح باب النقاش حول الأوضاع المحلية والإقليمية والدولية.

ويضع ناشطون في مناطق شمال سوريا هذه الزيارات والتحركات في إطار تهيئة الأجواء والأرضية المناسبة للمرحلة المقبلة التي من الممكن أن تشهد عودةً لـ"لاجئين" بشكل طوعي، كالتي تحدث عنها وزير الخارجية التركي، وتالياً يُريد الأتراك أن يكون هناك ما يُشبه السلطة المحلية في تلك المناطق والتي تخضع لسلطتهم نسبياً من أجل تأمين هذه العودة بأسرع وقت ممكن.

وتتوزع المعارضة السورية في شمال غرب سوريا، حيث تسيطر فصائل الجيش الوطني على ريف حلب الشمالي، وتعمل فيها الحكومة المؤقتة كجناح تنفيذي للائتلاف الذي اتّخذ مؤخراً من مدينة أعزاز شمال حلب مقراً له، وسط غياب لسلطة الحكومة المؤقتة على المجالس المحلية التي "من المفترض أن تكون تابعةً لها إدارياً"، والتي تتبع فعلياً للولايات التركية الحدودية مع سوريا، كما تسيطر على منطقة إدلب هيئة تحرير الشام، والتي قامت بتشكيل حكومة الإنقاذ ومجلس الشورى العام ومؤسسات مدنية تتبع لها، ولا تعترف بوجود الحكومة المؤقتة والائتلاف الوطني. 

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard